سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية

"الحنين إلى كاتالونيا"... وما بعده

بعد ربع قرن على تغيّر الوجه السياسي لأوروبا الشرقية، يبدو أنه حان الدور على الشطر الغربي من القارة. فهناك أحزاب تختفي من الخريطة السياسية مثل أحزاب يسار- الوسط التي كان لها حضورها القوي منذ الحرب العالمية الثانية. كما أن أحزاب يمين-الوسط تعاني تراجعاً ملحوظاً في الكثير من البلدان لمصلحة اليمين المتطرّف وفرنسا وألمانيا وهولندا من أبرز الأمثلة على ذلك.

"الحنين إلى كاتالونيا"

 تجثم إسبانيا الحديثة على تاريخ قلق من العلاقات بين الأقاليم، انفجر في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي، حرباً أهلية شاركت فيها أطراف خارجية، وكانت من مقدّمات اندلاع الحرب العالمية الثانية. وعُرفَ اقليم كاتالونيا بأنه المعقل الرئيسي للمعسكر الجمهوري ضد المعسكر الفاشي. ومن هنا أتت عبارة "الحنين إلى كاتالونيا" عنواناً لكتاب الصحافي والروائي الإنكليزي جورج أورويل الذي حكى فيه تجربته الشخصية في القتال ضد الفاشيين.  

 ومنذ رحيل الديكتاتور فرنسيسكو فرانكو في أواسط السبعينات وتحُول إسبانيا إلى ملكية دستورية، لم تقف البلاد ولا مرة على حافة التساؤل عن المستقبل السياسي لها، حتى في ذروة النشاط المسلّح لمنظمة تحرير الباسك المعروفة ب"إيتا". لكن عندما يتعلّق الأمر بكاتالونيا فتلك مسألة أخرى لا تعود تتعلّق بإسبانيا وحدها وإنما بمجمل الخريطة الأوروبية التي تستيقظ قومياتها من سبات عميق. قوميات كان يُعتقد أنها دُفِنت إلى غير رجعة، بعد رسم الحدود عقب الحرب العالمية الثانية وإطلاق مشروع الاتحاد الأوروبي، وتراجع مكانة الدولة-الأمّة.       

 لا ريب في أن عوامل عدّة تضافرت في الأعوام الأخيرة على صنع سياق تاريخي للقوميات في أوروبا الغربية كي تدخل في دائرة البحث عن الذات وتأكيد الهوية. وعلى رغم أن القرن الحادي والعشرين ليس القرن التاسع عشر الذي شهد بروز القوميات الأوروبية وتطاحنها الدامي والمتواصل، فإن النزعة الاستقلالية للكثير من القوميات في الديمقراطيات الغربية، تطل برأسها بقوة. وكما تلعب العولمة وثورة الاتصالات دوراً في الاندماج الأوسع ومنح الشعور بأن العالم كله بات قرية كونية، فإن الظاهرة نفسها تتيح للقوميات التعبير عن نفسها بقوة أكبر.  

وفضلاً عن ذلك، تشعر القوميات كما هو في الحالتين الكاتالونية والإسكوتلندية، بأن مردود ما تقدّمه الأولى لإسبانيا اقتصادياً وسياسياً وما تقدّمه الثانية للمملكة المتحدة في هذا المجال، لا يوازي ما يحصل عليه الاقليمان من امتيازات. وهذا ما يغذّي الشعور بالنقمة على المركز. فلا أسكوتلندا ولا كاتالونيا هما من ترسمان السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة ككل، ولا تقرّران في سياسة الهجرة أو الاندماج، وكلاهما عاملان خلافيان في الدول الأوروبية عموماً. وبذلك تتحوّل السياسة المركزية إلى عبء على الأقاليم، وتتعزّز تالياً النزعة الانفصالية.  

وعندما تتمرّد دولة مثل بريطانيا على الاتحاد الأوروبي لأنها ترى أنها لا تستطيع ان تكون جزءاً من سياسة تتعلّق باستقبال المزيد من المهاجرين، أو بسياسة الانخراط أكثر في معالجة قضايا دولية أو تحمّل المزيد من الأعباء المالية في هذا السبيل، لا يمكن والحال هذه ضمان عدم انتقال العدوى إلى الأقاليم-القوميات التي تتألف منها الدول. وحتى لا تقع الديمقراطيات الأوروبية في تناقض فإنها لا يمكنها أن تدعم استقلال القوميات عن الاتحاد السوفياتي السابق ويوغوسلافيا السابقة، وأن تنكر هذا الحق عن القوميات التي تتألف منها الديمقراطيات نفسها. ثم مَن قال أن كاتالونيا مستقلة لن تكون دولة ديموقراطية، أو أسكوتلندا مستقلة لن تكون أيضاً دولة ديمقراطية. والاقليمان الساعيان إلى الانفصال ينشدان منذ الآن عضوية الاتحاد الأوروبي. وما فتئت اسكوتلندا تذكّر الاتحاد بأنها من الأقاليم البريطانية التي لم تصوّت لمصلحة الخروج من الاتحاد.    

ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبه التراجع الاقتصادي منذ الأزمة المالية التي اجتاحت العالم عام 2008، في تعزيز النزعة الانفصالية. ومع تزايد أعداد العاطلين عن العمل،  تزايدت ظواهر كره الأجانب وشهدت أحزاب اليمين المتطرّف صعوداً صاروخياً. واستغلّت هذه الأحزاب الهجمات الإرهابية لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" في إسبانيا ودول أوروبية أخرى، كي تعطي نفسها شرعية حقّها في الدعوة إلى الحد من الهجرة. 

وبعد ربع قرن على تغيّر الوجه السياسي لأوروبا الشرقية، يبدو أنه حان الدور على الشطر الغربي من القارة. فهناك أحزاب تختفي من الخريطة السياسية مثل أحزاب يسار- الوسط  التي كان لها حضورها القوي منذ الحرب العالمية الثانية. كما أن أحزاب يمين-الوسط تعاني تراجعاً ملحوظاً في الكثير من البلدان لمصلحة اليمين المتطرّف وفرنسا وألمانيا وهولندا من أبرز الأمثلة على ذلك.

وفي هذا السياق التاريخي، خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحاولت اسكوتلندا الانفصال عام 2015 وستحاول مجدّداً في عام 2019 إذا استطاعت. وها هي كاتالونيا تمضي على طريق الانفصال، ولا شيء يضمن ألا يحذوها اقليم الباسك بشطريه الإسباني والفرنسي. وثمة قوميات في بلجيكا وهولندا تحاول تأكيد حضورها بشتّى السبل. وكورسيكا الفرنسية تدغدها رغبة مُضمرة بالسعي إلى الانفصال لو أُتيح لها ذلك.  

وقصارى القول أن أوروبا الغربية تعيش مخاضاً في الجغرافيا السياسية يربكها ويجعل طرق التعامل مع ظواهر المطالبة بالانفصال ليست على قدر من السلاسة المطلوبة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً