حمزة أبو شنب

محلل وباحث في الشأن الفلسطيني

هل تغيّرت حماس؟

منذ انتهاء حركة حماس من انتخاباتها الداخلية بتولي إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي، ويحيى السنوار قيادة قطاع غزّة، والشيخ صالح العاروري قيادة الضفة الغربية، ثم نائب رئيس المكتب السياسي، والحركة تشهد خطوات سريعة نحو آفاق الانفتاح وتحسين العلاقات مع كافة الأطراف، ولقد شّكلت زيارة السنوار لمصر منعطفاً هاماً في خروج حماس من حال الحصار والمراوحة في المكان التي كانت مُتّبعة خلال السنوات الثلاث الماضية.

هل تغيّرت حماس؟

خلال شهرين من الزيارة نجحت حماس في تفكيك أزمتها مع مصر، وأعادت حضورها لرعاية ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية، فكانت البداية مع تطوير العلاقات مع التيار الإصلاحي بزعامة النائب محمّد دحلان، تلاها ترتيب جلسات مع حركة فتح بوساطة القاهرة، نتج منها تفاهمات لتطبيق اتفاق القاهرة عام2011، تلتها خطوات ميدانية بقدوم وفود حكومية لتوحيد العمل الحكومي الإداري بين الضفة الغربية وقطاع غزّة.   

كما أنهى قبل أيام وفد حماس برئاسة الشيخ صالح العاروري _ بصفته نائب رئيس المكتب السياسي _ثاني زيارة له  للجهورية الإسلامية الإيرانية استغرقت أياماً، ربما كانت ستكون الأولى، إلا أن تسارع خطوات المصالحة الفلسطينية جعلت القاهرة المحطة الأولى له بعد أيام من تولّيه المهمة، وقد شكّلت الزيارة خطوة إضافية ونوعية في تطوير علاقات استراتيجية بينهما، ستكون لها انعكاسات ملموسة على العمل المقاوِم الميداني.

في حين واصل رئيس المكتب السياسي للحركة الاتصال بالقيادات العربية والشخصيات المؤثّرة، وقد نجح في كسْر جليد من القطيعة مع العديد من الدول العربية وعلى رأسها الأردن، وتمكّن من تلطيف الأجواء مع مجموعة أخرى من الدول كانت تجمعها علاقات مميزّة حتى وقت قريب وعلى رأسها السودان.

أما قائدها في قطاع غزّة والذي يعتبر مهندس المصالحة الفلسطينية وحامل رؤية بناء علاقات استراتيجية مع إيران وحزب الله، فلم تتوقّف لقاءاته الجماهرية مع قطاعات متعدّدة من أهالي قطاع غزّة، من شباب ونقابيين وكتّاب وصحفيين، ومازال جدوله مليئاً باللقاءات الشعبية، ما خلق لها رمزية كبيرة بين الفلسطينيين بخطابه الوحدوي الوطني.  

المراقب والمتابع يدرك بأن حماس بقياداتها الحالية تحمل في طيّاتها تغيّراً في إدارة علاقاتها الداخلية والخارجية، وتنتقل بصورة سريعة من مربّع الاتهام بالإرهاب في قمّة الرياض وعدم القدرة على تحمّل ثمن إقامتهم في بعض الدول، إلى استضافة الشخصيات المصنّفة إرهابية حسب الولايات المتحدة في العديد من العواصم كالقاهرة وطهران وأنقرة وموسكو.

فعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني؛ بات واضحاً بأن إنهاء الانقسام قرار لا رجعة فيه لدى قيادة الحركة في قطاع غزّة، وتذليل كافة العقبات التي من الممكن أن تعتري هذه الخطوة لإتمام المصالحة بصورة شاملة والانتقال من مربّع طرف في الانقسام إلى الخروج منه، حتى لو لم تنجح المصالحة مع حركة حماس والتي مازالت تسير بخطوات واثقة حتى اللحظة.

كما رفعت منسوب خطابها الإعلامي والجماهيري والتحدّي مع الاحتلال بإعلاء مفاهيم التحرير والعودة وبلورة الرؤى نحو إعادة النهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني، التي تراجعت خلال الفترة السابقة بسبب الانغماس في المشاكل اليومية والحياتية للغزّيين، وتحمّله مسؤولية الانقسام كأحد أطرافه، وبات من الملحّ لدى حماس الدخول في منظمة التحرير بعد تشكيل مجلس وطني جديد يمثّل كافة المكوّنات في الداخل والشتات في جلّ أماكن  تواجدهم.

كما عزّزت وتعزّز علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية وتحشد للقاءات القاهرة في الواحد والعشرين من شهر نوفمبر، من أجل الوصول برؤى قادرة على إعادة إحياء مشروع التصدّي للعدو الصهيوني، ومجابهة مشاريع التسوية والتطبيع التي ترمي إلى إنهاء قضية فلسطين، وجعل العلاقات مع الاحتلال طبيعية ، في محاولة لاستبداله بعدو من الدول الإسلامية.

وعلى صعيد العلاقات الخارجية ؛كانت أعين حماس ترنو إلى عواصم مُناهضة للمشروع الصهيوني، ففي بيروت يتّخذ نائب رئيس المكتب السياسي ومجموعة من إخوانه مقراً له ،برعاية حزب الله اللبناني بعد أن ضاقت بهم السبل ، كما حطّت قياداتها في العاصمة طهران مرتين خلال فترة وجيزة، فلم تخفِ الحركة الرغبة في تطوير العلاقات مع إيران متجاوزة جلّ الهرطقات العربية الرسمية. 

فإيران بالنسبة لحماس هي الداعِم الأكبر لكتائب عز الدين القسّام وكافة قوى المقاومة منذ الثورة الإيرانية، فأينما ذكرت القدرات القتالية للقسّام في خطاب قائد حماس في قطاع غزّة يحيى السنوار، وتطوّر المقاومة والتجهيزات النوعية لمواجهة العدو الصهيوني، إلا وتلازم معه ذكر الداعم الإيراني ودوره في بناء ومراكمة القوى.

على الصعيد الدولي مما لا شك فيه فإن حماس تقدّم صورة مغايرة عما كانت عليه في السابق، فهي تصدّر للعالم قادتها العسكريين والذين أصبح لهم الدور الفاعل والمؤثّر في صناعة القرار السياسي للحركة، بل والمدرج بعضهم على لوائح الإرهاب حسب تصنيف الولايات المتحدة، وقد أعلت من نبرة خطابها تجاه رفض الاعتراف بإسرائيل، وضرورة تفعيل المواجهة المستمرة مع الاحتلال، وتمركز قياداتها الفاعلين في عواصم متمرّدة على الرؤية الدولية لطبيعة الصراع مع إسرائيل.   

تحسُن العلاقات الرسمية بين حماس والعديد من الدول العربية الاقليمية، لم يؤثّر على اعتمادها على العمق العربي والإسلامي وأحرار العالم على الصعيد الشعبي و الجماهيري، فهي مازالت ترى في الجماهير العربية حاضنتها الأولى، حتى في الدول التي تقيم معاهدات سلام مع الاحتلال كمصر  والأردن، وترى بأنه وعلى الرغم من التراجع على المستوى الرسمي لقضية فلسطين إلا أنها حاضرة في الوجدان. 

ربما تجمع حماس بتحركاتها بعض المتناقضات في تطوير علاقاتها العربية والاقليمية، فمصر جزء من مشروع أية تسوية، كما أن بعض أصدقائها مازال ينظر إلى عقلنة حماس وجرّها إلى مربّع التسوية أو القبول بخياراته، وهي توافق على برنامج مرحلي على حدود 67 بتوافق فلسطيني، في حين تبني علاقات استراتيجية مع إيران وحزب الله الذين يؤمنون مثلها بضرورة القضاء على إسرائيل، ويتحدّث قادة حماس بأن نزع سلاحها هو من ضرب الخيال.

هذا التناقض وإن كان حقيقياً، إلا أنه لن يؤثّر على مسار ورؤية حماس في التوجّه نحو إحياء المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، ولكل من الدول والأحزاب حدود للتفاهم على القضايا المشتركة، ويمكن الجزم بأن حماس تتغيّر بخطواتها نحو إعادة تفعيل الطاقات الكاِمنة للشعب الفلسطيني، كما يمكن القول بأن وثيقة حماس السياسية قد ذابت في خضم التطوّرات المتلاحقة، ولم تعد مجدية المحاولات الاقليمية والدولية في الضغط على حماس للقبول  بالسقف المنخفض.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات