محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

التربية الإسلامية في بُعدها الفلسفي

من أهم ما يميّز الفلسفة التربوية هو نظرتها للكون والإنسان والحياة وتلبيتها لجميع احتياجات الإنسان من دون الاقتصار على الجانب العقلي أو الجسدي أو الروحي فقد شملت جميع جوانب الحياة بجميع مراحل نمو الإنسان من المهد وحتى الوفاة.

التربية الإسلامية في بُعدها الفلسفي

التربية في أي مجتمع هي تطبيق أمين للثقافة التي ارتضاها المجتمع لأفراده. فهي انعكاس للثقافة وترجمة لها، إذ لا يمكن أن تكون التربية مستقلة عن الفلسفة السائدة في المجتمع. وهذا قانون يطال أية تربية كانت، إذ من المسلّم به عند المختصين أن التربية ليست عملية محايدة أو موضوعية مستقلّة. ولا بدّ لكل تربية من أيديولوجية أو فلسفة تكون حاضنة لها وراسمة أبعادها. فالتربية القومية غير التربية الوطنية غير التربية الدينية. كما أن التربية في المجتمعات الشيوعية هي غيرها في المجتمعات الليبرالية وهكذا دواليك.

والفلسفة الإسلامية هي تطبيق للتصوّر الإسلامي عن الله والكون والإنسان والوجود. وأما تطبيقاتها التربوية أو ما يمكن أن نُطلق عليه "الفلسفة التربوية الإسلامية" فيقصد بها تطبيق المنهج الإسلامي على التربية. فهي النشاط الفكري الإسلامي الذي يعمل على تنظيم العملية التربوية وتنسيقها وتوضيح القِيَم والأهداف التي تسعى لتحقيقها. ولهذا تستمد الفلسفة الإسلامية تصوّراتها من القرآن والسُّنة لحقيقة الإنسان وموقعه من الكون، وموقع كليهما من الخالق لهما. فهي تؤمن بأن الله واحد أحد، منه صدر كل شيء، وإليه يعود، وأنه خلق الكون وجعله غيباً وشهوداَ، وخلق الإنسان لعبادته، وجعله خليفة في الأرض لإعمارها وترقية الحياة على ظهرها، وفق منهجه وشريعته، وخلق الحياة دنيا وآخرة، وجعلهما متكاملتين، لا بديلتين ولا نقيضتين. (انظر: علي مدكور، مناهج التربية: أسسها وتطبيقاتها، ص 34).  وهي بهذا المعنى منهج ونظام للحياة، توجّه الإنسان والمجتمع في سلوكه وعلاقاته وارتباطاته، ونظمه ومؤسساته المختلفة.

والفلسفة الإسلامية هي نظام يقوم بالتركيز على الكون والإنسان والحياة وما بينهم من علاقة تفاعل. والحياة في هذه الفلسفة ليست سوى معبر للحياة الأخرى بعد الوفاة. وتعمل الفلسفة التربوية الإسلامية على بقاء النوع البشري من خلال إحكام علاقات الإنسان بالخالق والكون والحياة والآخرة، ومن خلال تصوّرها الأشمل للحاجات الإنسانية الجسدية والمعنوية ثم تكامل هذه الحاجات المعنوية. (أنظر: المرجع السابق، ص 34)

ومن أهم ما يميّز الفلسفة التربوية هو نظرتها للكون والإنسان والحياة وتلبيتها لجميع احتياجات الإنسان من دون الاقتصار على الجانب العقلي أو الجسدي أو الروحي فقد شملت جميع جوانب الحياة بجميع مراحل نمو الإنسان من المهد وحتى الوفاة.

وتنبثق فلسفة التربية الإسلامية من عقيدة التوحيد الإسلامية، وهي تعمل على الوصول إلى غايتين أساسيتين هما: بقاء الإنسان ثم الارتقاء بهذا الإنسان إلى المستوى الذي يليق بمكانته بالوجود.

ويتحقّق للإنسان الخلود ثم الرقيّ حين تتشكّل علاقاته بالخالق والكون والإنسان والحياة والآخرة على الشكل التالي (أنظر: ماجد عرسان الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1987، ص 77 وما بعدها):

  • العلاقة بين الإنسان وبين الخالق هي: علاقة عبودية.
  • العلاقة بين الإنسان وبين الكون هي: علاقة تسخير.
  • العلاقة بين الإنسان وبين الإنسان: علاقة عدل وإحسان.
  • العلاقة بين الإنسان وبين الحياة هي: علاقة ابتلاء (أي الامتحان أو الاختبار).
  • العلاقة بين الإنسان وبين الآخرة هي: علاقة مسؤولية وجزاء.

كذلك حدّدت فلسفة التربية الإسلامية الوسائل المعرفية الموصِلة إلى تطوير الأدوات اللازمة لتحقيق الغايات. وتمركزت هذه الوسائل حول تضافر كل من الوحي والعقل والحواس للوصول إلى المعرفة الصحيحة وتحويلها إلى تطبيقات وممارسات بتأثير عوامل أربعة (أنظر: الكيلاني، مرجع سابق، ص 255 وما بعدها) هي:

  • الأول: عامل عقائدي هو تحديد الصلة القائمة بين الخالق المربي وبين الإنسان المخلوق.
  • الثاني: عامل اجتماعي وهو بلورة العلاقة وأنماط السلوك في الدائرة الإنسانية التي ينتمي إليها إنسان التربية الإسلامية وهي دائرة شملت جميع أفراد النوع الإنساني.
  • الثالث: عامل مكاني وهو أسلوب العيش على الرقعة المكانية وهي رقعة شملت الكرة الأرضية كلها والكون المحيط.
  • الرابع: عامل زماني وهو مراعاة البُعد الزماني لعُمر الإنسان وهو بُعد يبدأ في الدنيا ويمتد إلى الآخرة عبر مستقبل لا يتناهى.

وقد وجّهت للفلسفة التربوية الإسلامية انتقادات من قبل المؤيّدين للفلسفات الوضعية باعتبار أن الفلسفة الإسلامية تحتوي في جانب كبير منها على الغيبيات المجهولة التي تترك غموضاً بسبب عدم تفسيرها، كما أنها تفرّق بين الناس على أساس الاعتقاد الديني. وأما ما وجّه من انتقادات لفعالية هذه الفلسفة في التطبيق فإنه يرجع بالأساس إلى نقد القائمين على تطبيق هذه الفلسفة وليس لقصور في الفلسفة الإسلامية ذاتها.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً