محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

السياقات التي تطوّر فيها الفكر الجهادي المتطرّف

أصبحت الدولة الإسلامية الهدف الأساسي والأمل المنشود لدى تيارات الجهاد العالمي مع كتابات عبد السلام فرج" الفريضة الغائبة" ، حيث كان التأصيل لدولة الإسلام قائماً تحت سياط التعذيب في السجون المصرية ، مصحوباً مع التأصيل لنظرية "العدو القريب" والتشكيك بمشروعيّة الحكّام ابتداء قبل التشكيك بإسلام المجتمع الذي لعب دور المتفرّج وغير المبالي في نصرة هذه الفئة التي تُقتل وتُعذّب وتُشرّد من أجل راحته وحريته وكرامته. فهم هؤلاء أن المجتمع أي أفراد المجتمع إما اأهم على جهالة عميقة بدينهم أو أنهم مغيبون بالكامل ومرتدّون.

لم تكن أغلب المؤسّسات الدينية الرسمية ببعيدة عن هذا الواقع المشوّه، وراحت تفقد استقلاليتها شيئاً فشيئاً حتى خرمها فساد السلطة

السلفية الجهادية وانسياقاً مع أية ظاهرة اجتماعية حداثوية تستبطن كماً هائلاً من الغضب والتمرّد على السياقات الاجتماعية القائمة سواء كانت علاقة هرمية تتّجه هبوطاً من السلطة إلى المجتمع أو تتّجه صعوداً من المجتمع إلى السلطة. فالآليات الناظِمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بين المجتمع والدولة في العالم العربي تعاني عطباً وتشوّهاً تبرز أبعاده في الأداء السياسي للدولة أو في تقبّل المجتمع لإدارة السلطة له.

إن الانخفاض الملحوظ في نسبة الفاعلية الإسلامية على المستوى الحضاري العالمي، وبروز منظومة سلطوية اقتصادية سياسية اجتماعية شديدة الفساد والتضخّم، وعمليات الانتقام المستمرة من أيّ عنصر داعٍ لتعديل النمط السلطوي، وتزايد معدّلات التمادي السلطوي على المجتمع المدني والمشاركة في إدارة السوق والتحكّم به مع فرض الخوّات ورفع الضرائب سبّبت اختناقات أو انسدادات عامة في الفضاءات الاجتماعية.

أما السياقات الخارجية المؤثّرة والفاعلة في هندسة المشهد الاجتماعي فقد رفعت من منسوب الغضب ووسّعت من دائرة الإحباطات المتكرّرة اجتماعياً ، مع بقاء القضية الفلسطينية كأحد أبرز القضايا الإنسانية العالقة التي عجز المجتمع الدولي عن إيجاد حل سياسي مقبول لها، فضلاً عن وجود حل عادل ومُنصِف، مع تخلي النظم العربية عن هذه القضية وبناء علاقات تطبيع مع العدو الأول في العقل الجمعي العربي، والتحالف معه أحياناً على نحو سرّي ضد الصالح العربي العام في سبيل فئة مُنتفعة.

ولم تكن أغلب المؤسّسات الدينية الرسمية ببعيدة عن هذا الواقع المشوّه، وراحت تفقد استقلاليتها شيئاً فشيئاً حتى خرمها فساد السلطة التي انتجتها وهندستها وجعلت منها حرباً على المكوّنات والمعارضات السلمية للسلطة السياسية فأمعنت في تشويه سمعتها ومبادئها ونعتها بالخسّة أو التضليل أو التكفير والمطالبة بتطبيق الحرابة عليها.

هذه الظروف جميعها أنتجت فكراً بدأ معارضاً سلمياً للسلطة، حالماً بمجتمع ودولة متخّيلة مستوحاة من المخيال الإسلامي في عصر النبوّة. ثم تطوّر وفقاً للسياقات والظروف التي حفّت به وأحاطته وتفاعلت معه فيها ليتحوّل في عملية انزياح مستمرة من شبه اعتراض سياسي واجتماعي ، إلى مرحلة التمايز والتعالي النفسي ثم العزلة الشعورية عن المجتمع ، فمرحلة بناء العصبة أو الكتلة الصلبة القادرة على التغيير من خلال العمل السرّي الدؤوب مع سيّد قطب في ظلّ حمولة أيديولوجية تزداد صلابة وتفيض مشروعية بفعل النضالات المستمرة لواضعيها. فتحوّل إعدام سيّد قطب ورفاق له إلى أيقونة تشعل مبادئ هؤلاء

لقد امتزجت السياسة بالدين عند هؤلاء، وتحوّل العمل من ضرورة الإصلاح المتدرج كما جاء به حسن البنا إلى ضرورة المواجهة والصِدام كسُنة جعلها الله كونية بين أهل الحق وأهل الباطل ، وهي سُنة الأنبياء إذ لم يأتِ نبي إلا وحورِب من قِبَل أهله وعشيرته.

أصبحت الدولة الإسلامية الهدف الأساسي والأمل المنشود لدى تيارات الجهاد العالمي مع كتابات عبد السلام فرج" الفريضة الغائبة"، حيث كان التأصيل لدولة الإسلام قائماً تحت سياط التعذيب في السجون المصرية ، مصحوباً مع التأصيل لنظرية "العدو القريب" والتشكيك بمشروعيّة الحكّام ابتداء قبل التشكيك بإسلام المجتمع الذي لعب دور المتفرّج وغير المبالي في نصرة هذه الفئة التي تُقتل وتُعذّب وتُشرّد من أجل راحته وحريته وكرامته. فهم هؤلاء أن المجتمع أي أفراد المجتمع إما اأهم على جهالة عميقة بدينهم أو أنهم مغيبون بالكامل ومرتدّون.  وتحوّل الأمر من كفرانية النظام مع الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي المصريتين إلى كفرانية المجتمع مع "جماعة المسلمون" في مصر. ثم تطوّر الأمر لاحقاً مع "الأفغان العرب" ليصبح الحديث عن العدوين القريب والبعيد.

تشجيع الولايات المتحدة للمجاهدين العرب لقتال الروس في أفغانستان خلال الثمانينات أنتج بيئة خصبة للعقل الجهادي. ففي تربة أفغانستان ولد تنظيم القاعدة نتيجة التزاوج الفكري بين الفكر الجهادي القادم من مصر والخطاب الوهّابي التقليدي القادم من السعودية.

جاء الاحتلال الأميركي للعراق فغذّى الفكر المتشدّد وتحوّلت مقولات الجهاديين نحو الصراع السنّي الشيعي منذ العام 2006.  ثم جاءت أحداث الثورات والانتفاضات وتأجيج الخطاب الطائفي والمذهبي بين السنّة والشيعة على وقع الانقسام السياسي بين السعودية وإيران مفجّرة مكنون الخطاب الجهادي المتشدّد إلى حدّه الأقصى، فبرز داعش الذي يمثّل صيرورة تطوّرية في سياقات متتالية من أدبيات الإسلام الجهادي، متّخذاً منحى تصاعدياً نتيجة فشل الإسلام السياسي في تحقيق أهدافه وردّ فعل على المظلومية التي لحقت بمكوّناته، فظهرت كتابات في الدائرة الفقهية التأصيلية للواقع الجديد ، ناقلة النقاش إلى مستويات أعلى في التأطير الأيديولوجي مع كتابات "أبو مصعب السوري"، و"أبو بكر ناجي"، و"سيف العدل"، و"عبد الله بن محمّد"، و"أبو عبد الله المهاجر"، و"أبو مصعب الزرقاوي"، و"أبو منذر الشنقيطي"، وآخرون حتى بلغت أقصاها من التشدّد في البيئة العراقية قبل أن تعمّم في سائر المنطقة وتتحوّل إلى ظاهرة عالمية مع بروز داعش.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً