حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

جديد حروب الإعلام: بين استراتيجيات الدول وحقد القبلي

الحرب على سوريا انتهت، بالمعنى المصيري لانتهاء الحروب، أي بما لا يتناقض مع إمكانية استمرار العمليات لمدّة قد تقصر وقد تطول وفق الظروف الموضوعية ، التي تتضمّن ظروف التفاهمات الاقليمية والدولية حول ما بعد الحرب، سواء تفاهمها في ما بينها أو تفاهمات كل منها مع الدولة السورية .

كشفت زيارة فلاديمير بوتين الخاطفة إلى سوريا وما أعقبها وتلاها من تعليقات وتصريحات أوروبية، روسية وعربية عن بُعد خطير ثقافي – حضاري

هي حرب تبدأ على مستوى الإعلام قبل أن تبدأ العملية السياسية !!

تكتب لو موند . ولكن هل توقفت حرب الإعلام قبل الحرب العسكرية وخلالها ؟ أم أن المقصود أن مرحلة جديدة بأهداف جديدة ، تفرض وسائل جديدة ، هي ما بدأ.

الحرب على سوريا انتهت، بالمعنى المصيري لانتهاء الحروب، أي بما لا يتناقض مع إمكانية استمرار العمليات لمدّة قد تقصر وقد تطول وفق الظروف الموضوعية ، التي تتضمّن ظروف التفاهمات الاقليمية والدولية حول ما بعد الحرب، سواء تفاهمها في ما بينها أو تفاهمات كل منها مع الدولة السورية .

في هذا السياق، كشفت زيارة فلاديمير بوتين الخاطفة إلى سوريا، وما أعقبها وتلاها من تعليقات وتصريحات أوروبية، روسية  وعربية عن بُعد خطير ثقافي – حضاري ، يقع في لبّ هذه الحرب العالمية على الأرض السورية ، وفي كل المحافل الدولية التي عنيت بها.

ففي حين تركّزت وتناغمت التصريحات الغربية – الروسية – الأممية ، على مسألة تقاسُم المغانم الاقتصادية لفترة ما بعد الحرب ، أي بعبارة بسيطة تحقيق مصلحة كل من هذه الأطراف التي شاركت في تفجير البركان بشتّى الوسائل ، رأينا تصريحات عربية تتّجه إلى مجرّد صُراخ ثأري فردي مُشخصَن  لا يستبطن إلا داحِس والغبراء وصُراخ " ألا هبّي بصحنك" فشلت في قطع رأس عمرو بن هند .

في المقلب الأول كانت روسيا وسوريا تعلنان انتهاء الحرب على الإرهاب، بينما كان الإعلام الأوروبي يضجّ بتصريح ماكرون بأن فرنسا ستستمر في مكافحة الإرهاب في سوريا حتى منتصف شباط ، ومن ثم ليخرج وزير خارجيّته جان إيف لو دريان، عشيّة الزيارة على محطة تلفزيون بي أف أم ليقول:  " أجد من الغريب أن تنسب روسيا لنفسها هزيمة داعش  في حين أن تراجع المجموعات الإرهابية يعود لعمل التحالف الدولي، وفي المرحلة النهائية إلى عمل قوات نظام دمشق مدعومة من الروس . فقط عند النهايات". 

أما موسكو فوصفت تصريحات الوزير الفرنسي بأنها "غريبة" . لتقول وزارة الدفاع الروسية في بيان لها "إن هزيمة داعش في سوريا قد تمّت بفضل المسؤولين السوريين والقوات الحكومية ، قبل أي شيء آخر ، وبدعم الطيران الروسي . فبفضل هذا الدعم حرّر الجيش السوري أماكن تواجد الإرهابيين واستعاد السيطرة الشرعية على كامل التراب السوري تقريباً... في حين أن التحالف الدولي لم يتوصّل إلا مؤخّراً إلى  نتيجة واحدة وهي تدمير مدينة الرقة وسكانها" . التصريحان استفزّا دي ميستورا ومَن وراءه، فانبرى أحد مساعديه إلى رد، كشف الضمير المُستتر، في هذا التنازُع على ادّعاء الفضل في النصر تمهيداً لتثمين هذا الفضل مكاسب اقتصادية عبر إعادة الإعمار وعقود استخراج الطاقة . قال مساعد دي ميستورا:

"جنيف وحدها تمتلك الشرعية وجنيف وحدها لها الحق في إطلاق عملية إعادة الإعمار التي توقف البلاد على قدميها من جديد" ، الصحافة الغربية مضت أبعد من ذلك في التفاصيل : "إعادة الإعمار تكلّف من 250 إلى 400 مليار يورو – كتبت لوموند - وروسيا لا تمتلك هذا المبلغ، فدخلها القومي الخام هو أقل من إيطاليا".  لتختتم الصحيفة تقريرها بجملة : "  هي حرب جديدة تبدأ على مستوى الإعلام  قبل أن تبدأ العملية السياسية" .

هي جديدة  كما كان إعلام الحرب الباردة، جديداً بالنسبة لإعلام الحرب العالمية الثانية. الأشخاص أنفسهم ، السياسيون أنفسهم والإعلاميون أنفسهم ولكن بخطط جديدة ونظريات جديدة  وتطبيقات جديدة.

واضح بداهة الصراع القديم – الجديد على تقاسُم المغانم التي ستشكّلها مرحلة ما بعد الحرب، هذا التقاسُم الذي كان سبب الحرب نفسها، ولكن هذه المرة عبر ادّعاء الفضل في هزيمة الإرهاب. وهو – التقاسُم – ما يشكّل جوهر رفْع الصوت أو خفْضه في كل الخطاب السياسي – الإعلامي الدائر حالياً، سواء حول أستانة أو حول الحل أو حول شخص الرئيس أو حول جنيف. خاصة بالنسبة للدول التي تنام على شاطىء المتوسّط ، بعد أن وصلته – لأول مرة – أساطيل طالما حلم القياصرة الروس برسوّها فيه. فيما قلب النظام الدولي الذي استقرّ عام 1990 . بحيث راحت كل كتلة تبحث عن نفسها في هذا الجديد الذي استقرّ عام 2017.

هنا يبرز السؤال الخطير الخطير : أين الكتلة العربية من كل هذا؟

الكتلة نجدها على شاشة الجزيرة في برنامج ما وراء الخبر ليوم 11-12-2017، والذي نُشِر على يوتيوب مع تقرير يجتزىء ما جاء فيه . كل همّ البرنامج، وممثّل المعارضة السورية المُشارِك فيه الذي قدّم على أنه خبير عسكري واستراتيجي هو تقزيم زيارة بوتين بالقول إنها  "لحميميم وليس دمشق" وأن "روسيا هي الآمر الناهي والقوة المنتدبة " وأن " الأميركيين لن يصدّقوا بوتين "  الذي سيستمر في بسط نفوذه إلى أن يقولوا له "توقّف"  ... والأنكى أن الرجل يمضي في استعراض عضلات أميركا بالقول إن لديها خطوطاً حمر مثل الوجود العسكري الأميركي في شمالي سوريأ والأكراد " ، ويضيف إن  "من تلك الخطوط " إسرائيل" إذ أن واشنطن لن تسمح بالمُتاجرة بمسألة اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل "

هذه العبارة الأخيرة تُعيدنا إلى الصفحة الأولى لعدد لوموند الذي كان مصدرنا أعلاه، وعنوانها الرئيس :  "أوروبا تخشى عودة اللاسامية" فوق صورة لرجل يرفع علَم إسرائيل ومن ورائه  علم الاتحاد الأوروبي  وأمامها شخص مُجلّل بالسواد يهدّدهما ، فيما يستحق مقالة وربما دراسة خاصة ، حول استلال فزّاعة اللاسامية كلما كانت هناك ارتكابات إسرائيلية وإمكانية موقف أوروبي ضدها. استلال يمارسه الإعلام المُسيطَر عليه من اللوبيهات اليهودية المؤيّدة لإسرائيل . فيما تغصّ شاشات فضائياتنا  بالمواضيع الإنشائية  ودفق العواطف من دون المواقف حول القدس. فيما لا يختلف كثير عن هذيان صاحبنا الخبير ...

 

هذا الهذيان  الخالي من أيّ بُعد وطني أو قومي أو استراتيجي أو حتى فهْم لا يُحيل إلا إلى عقلية قبلية خسيسة لا تفكّر إلا بالثأر حتى ولو جاء على يد عدو مُغتصِب لكل المُحرَّمات، عقلية جبان ضعيف يتباهى بقوّة أميركا وإسرائيل ضدّ بلاده، فيما لا يبدو غريباً بل مُتّسقاً مع سلوكيات  زمن الحرب.

هي مشكلة عقليتين ، نمطين من التفكير والسلوك ، مُقاربة مختلفة لمفهوم الدولة ومصالحها ، وما تستبطنه هذه المصالح من مصلحة كل فرد من أفرادها وكل أجيالها على تعاقُب هذه الأجيال . لنَقُلها مباشرة هو سلوك القبائل مقابل سلوك الدول .  وطالما إننا لم نتحرّر من الأول لنسلك الثاني فسيظلّ العالم يقتلنا ويسرقنا ويمتهننا.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}