محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

القدس بين وجدان الشعوب ووعود الحكّام

المشهد العسير على الهضم أو غير المفهوم شعبياً هو الحضور الخجول للدول العربية الكبرى في القمّة، بل وغياب رئيس لجنة القدس في منظمة التعاون الإسلامي الملك المغربي محمّد السادس ، أو غياب الملك السعودي سلمان والتمثيل المتدنّي جداً للسعودية في الوقت الذي كان فيه وزير خارجية المملكة عادل الجبير منهمكاً في القمّة التي دعا إليها الرئيس ماكرون لمحاربة التطرّف في دول الساحل الإفريقي.

ما زالت القدس هي ‏الدواء السحري الذي يمكن أن يُعيد لملمة شظايا هذه الأمّة ويجدّد ترتيب ما تبعثر من قطعها

حرّكت قضية القدس المياه الراكِدة في العالمين العربي والإسلامي على الصعيدين الشعبي والرسمي وإن جاء الرسمي أقل بكثير جداً من الحد المطلوب. تجلّى ذلك في تظاهرات شعبية عمّت العالم وقمم ولقاءات تشاورية وصولاً إلى القمّة الإسلامية الاستثنائية في اسطنبول.

مخرجات القمّة في اسطنبول كانت بدورها أقل من المطلوب الذي بالفعل قد يشكّل ورقة ضغط حقيقية على الولايات المتحدة. وما يتبقّى من آثار هذه القمّة هو التهديدات والتعهّدات التي أطلقها الرئيس أردوغان بقطْع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وتعهّد الرئيس محمود عباس عدم السماح للولايات المتحدة بعد اليوم أن تكون وسيطاً في عملية السلام ، لأنها دولة منحازة بالكامل لصالح إسرائيل في كل ما تنوي فعله الأخيرة في الأراضي المحتلة.

المشهد العسير على الهضم أو غير المفهوم شعبياً هو الحضور الخجول للدول العربية الكبرى في القمّة، بل وغياب رئيس لجنة القدس في منظمة التعاون الإسلامي الملك المغربي محمّد السادس ، أو غياب الملك السعودي سلمان والتمثيل المتدنّي جداً للسعودية في الوقت الذي كان فيه وزير خارجية المملكة عادل الجبير منهمكاً في القمّة التي دعا إليها الرئيس ماكرون لمحاربة التطرّف في دول الساحل الإفريقي.

وسط هذا المشهد الكئيب الذي آلت إليه أوضاع المقدّسات، يتبادر إلى ذهن كثيرين من العرب لا سيما مع حال انعدام الوزن بالذات والتاريخ والجغرافيا التساؤل التالي: لماذا هذا الهوان الرسمي العربي في قضية تمسّ وجودهم وتاريخهم ومستقبلهم؟ أم أن النُظم العربية الرسمية هي أكثر وعياً وواقعية وتفهّماً للواقع وللقدرات الذاتية من أن تدفع بدولها وشعوبها نحو صراع غير مدروس وغير محسوب النتائج والتداعيات؟

لسنا هنا في معرض سرد الحجج وكيل الاتهامات ومحاولة النيل من هذا النظام أو ذاك. لكن ما يمكن قوله بصدق وحرقة: التنازل عن الحقّ العربي الفلسطيني والإسلامي في مدينة القدس ومقدّساتها لن يكون مجرّد خضوع لواقع مرير فرضته الظروف السياسية المتردّية للدول العربية ، بل هو انتحار جماعيّ وسحق للذات العربية وكيّ وعيها وإلغاء تاريخها.

القدس في الوعي العربي الإسلامي الجمْعي ليست مجرّد مدينة يتم التفاوض على أمتار فيها أو من حولها ، بل هي قضية مركزية في الأساس لها عدّة مستويات من الأبعاد: بُعد إنساني ‏وبُعد قومي وبُعد عروبي وبُعد تحرّري، وبالتالي لا يمكن بناء أمّة حضارية في عالمنا العربي ما لم تكن القدس حاضرة فيها وبقوّة.

‏ فهي أولاً، قضية إنسانية حيث تُعتبَر القدس قلب القضية الفلسطينية التي هي رمز لنضال الإنسانية للتحرّر من العبودية والاستغلال والامبريالية والإيديولوجيات الفاشية المتطرّفة.

وهي ثانياً، قضية إسلامية ورد ذكرها في القرآن الكريم وباركها الله وبارك ما حولها. وجاء ذكرها في السنّة الشريفة. هذه المكانة أعطتها حضوراً متميزاً في التاريخ الإسلامي. فقد بذل المسلمون الدماء والأموال وقدّموا الغالي والنفيس في تحريرها من الاحتلال الصليبي الذي دام لعقود طويلة.

وهي ثالثاً، قضية عربية قومية ‏قامت لأجلها الحروب في أعوام 48 و67 و73، وغيرها من الحروب التي نشأت بين العرب والإسرائيليين. والقضية الفلسطينية هي في الفكر القومي العربي رمز للتحرّر ، وبالتالي  لا يمكن للعروبي أن يقبل بالعروبة ما لم تكن القدس في قلب هذه الأمّة وربما هي عاصمة الوطن العربي الكبير.

وهي عند حركات الإسلام السياسي، مضافاً إلى ما سبق، رمزاً للهوية والدولة الإسلامية ، فسقوطها تزامن مع سقوط الخلافة الإسلامية. وبالتالي الباحثون عن الهوية الإسلامية يجدون في القدس ربطاً مباشراً بالهوية ‏التي يبحثون عنها ويفتّشون عنها ، وبالتالي يصبح وجودها أمراً ضرورياً ولا يمكن الفكاك عنه لأنها الهوية ‏التي من أجلها يعيشون.

‏ورغم ما مرّ عليها من أهوال ومِحَن، لا زالت القدس حتى اللحظة لم تفقد بريقها اليوم ، وهي ما زالت قادرة على أن تربط بين المسلمين، وتجمعهم رغم التناقضات القائمة بينهم كما تربطهم بالعالم الحرّ، حيث لم يكن أحد يتوقّع في لحظة من اللحظات أن تظاهرات جامِعة قد تخرج في لبنان ومصر والأردن والمغرب وباكستان وماليزيا وإندونيسيا وتركيا ‏وإيران وعواصم أوروبية وأميركية بنفس القوّة ونفس التنسيق ، كلها ترفع لافتة واحدة وهي الذهاب إلى القدس.

ما زالت القدس هي ‏الدواء السحري الذي يمكن أن يُعيد لملمة شظايا هذه الأمّة ويجدّد ترتيب ما تبعثر من قطعها. وإذا فقدت الحركة الشعبية المُنتفضة لها هذا الوعي الجمْعي في سبيل تحرير المدينة نكون قد أحرقنا آخر ورقة جامِعة للأمّتين العربية والإسلامية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً