موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

تحالف الرجعيات لإحياء وهم مملكة أورشليم

الأوساط اليهودية والأوساط المتطرفة في الإنجيلية تعتقد أن احتلالها لفلسطين وقبلها لأميركا الشمالية وإبادة سكانها الأصليين من الهنود الحمر، هو عمل "رباني" من استحقاقات الأرض الموعودة للشعب المختار المزعوم المكلف بالعناية الإلهية.

القدس.. شرارة مملكة أورشليم الوهمية

لا خلاف على أن إعلان ترامب حول القدس، إعلان باطل من زوايا القوانين الدولية والإنسانية، والشرائع الإسلامية والمسيحية، ومنطق وقانون حركات التحرر.

فالقرار الدولي رقم (181) الذي مزق فلسطين وأعطى جزءا منها لإسرائيل، يؤكد على حيادية القدس، والعهدة العمرية الموقعة مع بطرك القدس، تمنع دخول أي يهودي إليها، وحركات التحرر تنظر إليها بوصفها جزءاً من أرض محتلة، وكذلك القانون الدولي الإنساني والإعلانات والبروتوكولات الخاصة بحقوق الإنسان وحق تقرير المصير القومي.

ولا خلاف أيضاً، على أنه إذا كان وعد بلفور قد أسس لدولة سايكس – بيكو، فإن وعد ترامب يستهدف إطلاق العد العكسي لمشاريع الكانتونات الطائفية المتناحرة على إيقاع يهودية الدولة.

إلى جانب ذلك، ثمة ما يقال عن بعد آخر محجوب في الإعلان المذكور، وهو البعد الخاص بتواطؤ الرجعيات المتطرفة في الإنجيلية، والوهابية الناعمة والخشنة، مع الرجعية اليهودية.

وإذا كان العالم قد لمس ذلك في الانبعاثات التكفيرية لداعش والنصرة وغيرهما، وتحالفهما السياسي والعسكري مع الرجعيات اليهودية والمتطرفة الإنجيلية، في سوريا والعراق، فما هو غير مرئي، هو الجذر الأيديولوجي بل والخبرة التاريخية أيضاً.

فمن هرمجدو، أيديولوجيا ريغان وبوش وترامب، وعصابة البلاك ووتر وفرسان مالطا، إلى الأوهام الماسونية حول هيكل سليمان المزعوم وإعادة بعثه عبر ما يسمى بمملكة أورشليم الجديدة.

فالإعتراف بهذه المملكة مشترك عند الرجعيات المذكورة، سواء من زاوية المرجعيىة الأيديولوجية أو من الزاوية التي تذهب إلى أن هذه المملكة، قدر مرسوم للصراع معها لاحقاً، كما تشترك الأصوليات التكفيرية والإنجيلية المتطرفة واليهودية فيما يعرف بالتطويب المقدس لأرض الغير المفتوحة.

وينطلق هذا التطويب من اعتقاد هذه الرجعيات بأنها الممثل الشرعي والوحيد للعناية الإلهية، وما عداها مجاميع من الغوييم، المتوحشين الكفار الأقرب إلى الحيوانات. وبالتالي فإن وضع اليد على أراضيهم ومدنهم وحقوقهم، هو عمل مقدس لتحويلها من أرض ومدن كافرة إلى رحاب الإيمان، سواء كان يهودياً أم إنجيلياً أو وهابياً.

وتعتقد الأوساط اليهودية والأوساط المتطرفة في الإنجيلية، أن احتلالها لفلسطين وقبلها لأميركا الشمالية وإبادة سكانها الأصليين من الهنود الحمر، هو عمل "رباني" من استحقاقات الأرض الموعودة للشعب المختار المزعوم المكلف بالعناية الإلهية.

ومن ذلك، أن أقطاب الشركات الأوروبية التي غزت أميركا بعد اكتشافها من قبل كولمبوس، أطلقت عليها في البداية اسم إسرائيل الجديدة، وقد باتت تعرف اليوم في الأدبيات السياسية بإسرائيل الكبرى، في ما يشار إلى إسرائيل التي تحتل فلسطين باسم أميركا الصغرى.

والجدير ذكره أن التحالف المذكور، الوهابية، واليهودية، والأوساط المتصهينة في الإنجيلية، تحالف دونه تاريخ قديم بأسماء وعناوين أخرى ويعود إلى تداعيات الحقبة الأيوبية.

فبعد معركة حطين وصلح الرملة الذي عقده صلاح الدين مع حملات الفرنجة "الحملات الصليبية" والذي ثبت فيه ما للمسلمين للمسلمين وما للفرنجة للفرنجة، ومن ذلك الساحل السوري التاريخي كاملاً، انقسم أولاد صلاح الدين وأخوته بعد وفاته، ووصل الأمر بأحدهم، وهو الملك الكامل الأيوبي، ابن شقيق صلاح الدين، إلى التحالف مع الملك فريدريك الثاني "من بروسيا الألمانية" مقابل إعادة تسليم القدس للملك فريدريك.

وتذكر بعض المراجع أن الملك الكامل الأيوبي شكل من أنصار الأيوبيين في جزيرة صقلية، كتيبة خاصة عرفت باسم كتيبة لوسيرة لترافق الحملة الصليبية كدليل لها في الطريق إلى القدس. وقد انتهت هذه الحملة كما هو معروف، إلى سقوط القدس من جديد وتشريد سكانها العرب، إلى أن تحالف ملك الكرك، الناصر داود مع الخوارزمية في بلاد فارس وحرروا القدس للمرة الثانية.

وفي كل الأحوال، وأيا كان حجم التوظيف الأصولي في لعبة الدوائر الاستعمارية والشركات والبيوتات اليهودية المالية، فإن الصراع على المنطقة والقدس، غير ما كان عليه خلال عقود التواطؤ بين دولة بلفور ودولة سايكس – بيكو، ويستدعي مراجعة جديدة في تشخيص الصراع ورقعته ولاعبيه وقواعده الحاكمة.

فلم تعد القدس مجرد مدينة مقدسة محتلة أو عاصمة لدولة فلسطينية منشودة، بقدر ما أصبحت عنواناً لهوية الأمة وصراع الإرادات في عموم المنطقة. وبقدر ما راحت تكثف التناقض الرئيسي مع الإمبرياليين والصهاينة والرجعية العربية، وتفضح كل دعوة لاختلاق تناقضات وهمية أخرى.

فالمشروع الصهيوني بخطابه التوسعي العنصري، وبرافعته الأميركية، وميكانيزماته السرية والعلنية مع المحميات النفطية، يفتح البيكار على مدى واسع لا مكان فيه للهويات والخطابات والأوهام القطرية والمغلقة.

وإذا كانت القدس هي شرارة مملكة أورشليم الوهمية التي تصل البحر بالصحراء، وشرارة الفوضى الطائفية الهدامة، فلتكن عند أصحابها الحقيقيين بوصلة الصراع لتحرر الأمة ووحدتها ومن أجل شرق متحرر متضامن لكل شعوبه التاريخية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات