محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

عن السّمات الأبرز في التنظيمات الجهادية المُتطرّفة

الاستحواذ على التاريخ يفضي حصراً إلى إعادة بناء الحاضر بشكل مغاير بالضرورة لما هو عليه أو لما يراه الآخرون ويقرأونه. فيظهر التمايز الفكري والنفسي عن سائر أعضاء المجتمع، وتبدأ المصادرة التّامة للآخر والمختلف وتصل شرعيتها إلى استحلال النفس والمال وسائر الممتلكات.

مشهدية الانقسام تبدأ بتمايز ثم مناصحة وحوار ثم تضييق ومحاربة على القيادة ثم اعتقال وتفسيق قبل أن تتحوّل إلى حرب إلغاء مقدّسة

من السّمات أو الخصائص التي تتقاسمها السلفيات الجهادية المُتطرّفة عند الراصدين والدارسين للظواهر الجهادية المتطرّفة هي: "الاستحواذ" تليه "المصادرة" ثم "التشظّي العنيف" في ديمومة مستمرة.

ونقصد بالاستحواذ الاحتكار العامّ للدين والتديّن. ويتجسّد في الهيمنة والسطو على التاريخ، ومحاولة إعادة كتابته وتأويله ووضع السنن له وتنزيله على الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، فتصبح المحرّك الأول للتاريخ وحاملة سيف الله الذي به عذابه، ومن ثناياه يبرز القسط والعدل، وتعمّ الشريعة وينعم الناس بخلافة الله على الأرض.

والاستحواذ على التاريخ يفضي حصراً إلى إعادة بناء الحاضر بشكل مغاير بالضرورة لما هو عليه أو لما يراه الآخرون ويقرأونه. فيظهر التمايز الفكري والنفسي عن سائر أعضاء المجتمع، وتبدأ المصادرة التّامة للآخر والمختلف وتصل شرعيتها إلى استحلال النفس والمال وسائر الممتلكات.

وفرضية الاستحواذ على الفضاء الديني والعسكري تصبح صفة ملاصقة بطبعها لأمير التنظيم أو الجماعة، فيحاول أن يجسّد في نفسه شخصية العالِم الورِع الحكيم الشجاع المقدام، خليفة الله على أرضه وسيفه المسلول. وهي شخصية تشكّلت في الوعي الجمْعي المسلم حول الشخصيات الإسلامية التاريخية أمثال: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وصلاح الدين وغيرهم. إن محاولة التمثّل بتلك الشخصيات في ظروف سياسية واجتماعية وحضارية مختلفة، حملت الفرد في هذه التنظيمات على الاستحواذ على المجال العام الديني، فأضحى يرى في نفسه وجماعته صاحبة الحق الأول والأصيل. فهي الطليعة المقاتلة الوحيدة في الأمّة. وهي من تحمل حق الدين وتفهمه على أكمل وجه. وهي القادرة على تنزيل هذا الفهم منزلته الصحيحة من التطبيق.

وسمتا الاستحواذ والمصادرة المادية للأشياء يفترض أن تكونا غريبتين عن واقع هذه الجماعات وأفرادها كونهما صفة للمهتم بحطام الدنيا وزخرفها وليست جِبلّة من حمل دمه على كفّه وطلّق الدنيا وزهد بمباهجها وهاجر إلى ربه مجاهداً يريد إعلاء كلمة الله وتحقيق شريعته على الأرض. وإذا كان ذلك صحيحاً افتراضياً في المراحل الأولى التي يكون فيها الفرد متديّناً وورِعاً بسيطاً قبل أن يتحوّل إلى فرد مؤدلج مؤطّر في تنظيم جهادي مسلح، فإن الأمر يتبدّل مع تطوّر مراحل الأدلجة ومستوياتها ومدى تمكّنها من عقل وروح حاملها.

ويتمظهر الإشكال ويبرز حين تكثر هذه التنظيمات وتتقاسم مع جماعات أخرى مثيلة لها نفس الفضاء الاجتماعي أو الجغرافي. هنا يصبح الاستحواذ السّمة العامة، فلا يطيق تنظيم أن يكون تابعاً لآخر، بل منافساً له في العمل. فإمّا القتال وإما التبعية في ما يعرف بالبيعة والمبايعة. وتقديري أن السبب السيكولوجي العميق لهذه الظاهرة هو الشعور العامّ عند كل فرد داخل هذه المنظومات الفكرية أنه صاحب الحقيقة المطلقة الناصِعة التي لا لبس فيها ولا غموض، ولا ينفع معها التردّد أو التلكوء.

وبما أن من طبيعة هذه الخلايا والتكتلات القيام أساساً على العمل السرّي والريبة الدائمة من ملاحقة أجهزة الاستخبارات الدولية والنظم المتربّصة، فإن الريبة تصبح صفة مباركة وطيّبة ومطلوبة لذاتها. وفي مرحلة لاحقة تعمّم "الريبة" حتى تصبح قاعدة سلوك بين أفراد التنظيم نفسه. ولذا نجد عند أي خلاف، تتفعّل خاصية الريبة لتصبح أمراً حاضراً في أي تقييم للفرد أو العضو. فينشأ الانقسام المتتالي وصولاً إلى التشظّي الذي لا يتم بطريقة طبيعية. وقد يبدأ الموضوع من خلاف على مسألة فقهية بسيطة يتطوّر ليصبح عنواناً للولاء والبراء ، إذ أن مفهوم الولاء والبراء عند هذه الجماعات يحملها في الغالب على التكفير وممارسة العنف المسلح ضد المرتّدين أو الكفرة من وجهة نظر مفتي أو شرعي التنظيم المسلح.

إن مشهدية الانقسام تبدأ بتمايز ثم مناصحة وحوار ثم تضييق ومحاربة على القيادة ثم اعتقال وتفسيق قبل أن تتحوّل إلى حرب إلغاء مقدّسة. وبما أن هذه التنظيمات تتفرّد بعدم القدرة على استيعاب التمايز أو القبول به، فيتحوّل التمايز في الموقف والتقدير الفكري والسياسي والديني إلى تمايز تنظيمي مصحوب بشكّ متبادل قبل أن يتطوّر إلى حرب خفيّة داخل جسم التنظيم، حرب على كسب المؤيّدين والمتعاطفين، حرب على الغنائم والتأثير، التركيز على الشرعيين والعسكريين بالدرجة الأولى قبل أن يصل الأمر إلى حرب على القيادة والمسؤوليات وتوزيعها ، فيعمل كل فريق على إبعاد الفريق المهدّد. ومن يكسب القوة يقوم باعتقال المخالفين ومحاورتهم خلال الاعتقال قبل تنفيذ الحكم بحقهم سواء كان الإبعاد أو الحبس الطويل أو القتل وهو الأرجح غالباً.

وفي حال عجز القيادة القديمة أو الجديدة أو المتنافسة في ما بينها على وراثة القيادة التي قُتلت أو رحلت على حسم التهديد بالقتل أو الحبس أو النفي يبدأ الانقسام إلى تنظيم جديد. ودائماً تكون العلاقة بين التنظيمين الجديد والقديم قائمة على الحرب والتشويه والاقتتال والتنافس على كسب الأرض والكوادر. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً