مايكل عادل

صحفي وكاتب مصري، عمل في صحف مصرية عدة كجريدة البديل وجريدة التحرير ومؤسسة الأهرام (مجلة الأهرام العربي)، وصحف عربية كالأخبار والسفير.

إعلام لصفقات رجال الأعمال

بعد ثلاثين عاماً من الـ "لا جديد" عاشها المصريون على الأحاديث ذاتها صباحاً ومساءً، حتى أصبح بمقدور المواطن أن يتنبّأ بمحتوى نشرة أخبار التاسعة قبل انتصاف نهار القاهرة، جاء عام 2011 ليختلف الوضع تمام الاختلاف. فقد أصبحت وتيرة الأحداث أسرع من أن تنام وتستيقظ على الوضع ذاته. فخلال السنوات السبع السابقة لم يدم إسم واحد على الساحة العامة لأكثر من عام ونصف العام سوى إسم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي يختتم فترة رئاسته الأولى وهو مُحتفظ بمكانته في صدارة حديث المصريين اليومي.

خرج الملياردير المصري من الساحة الإعلامية بعقد صفقة بيع شبكة قنوات "أون تي في" لشركة إعلام المصريين

ينطبق الأمر ذاته على رجال المال والأعمال وعلى رأسهم رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، الوريث الرسمي للنفوذ المالي والسياسي للمهندس أحمد عز الذي أبعدته الثورة عن الساحة العامة كأبرز وجوه نظام مبارك في مجال الاستثمار، وذلك رغم فارق القدرات والقوّة الفاعِلة بين عز وأبو هشيمة والتي تجلّت في رئاسة عز للجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكِم آنذاك. ذلك الفارِق الواضح ربما كان هو ورقة اعتماد "أبو هشيمة" لدى صنّاع القرار اليوم في مصر، ليصبح هو الوكيل المالي لبعض المؤسّسات السيادية في مجال الاستثمار، فانتقال سوق حديد التسليح لقبضته لم يكن هو الشكل الوحيد لتصدير الرجل في مجال الاستثمار، بل إن شركة "حديد المصريين" قد جاورتها شركة أخرى ربما هي الأهم على الإطلاق في إمبراطورية أبو هشيمة وهي "إعلام المصريين".

في الماضي القريب خرج الملياردير المصري نجيب ساويرس من الساحة الإعلامية بعقد صفقة بيع شبكة قنوات "أون تي في" لشركة إعلام المصريين السابق ذكرها، تلك الصفقة التي أعقبتها سلسلة من الصفقات التي أدّت في النهاية إلى سيطرة الشركة على الغالبية العُظمى من الإعلام الخاص المصري، بالإضافة إلى امتلاك عدد من الصحف الخاصة كاليوم السابع وصوت الأمّة، وبهذا أصبح الإعلام في حُكم النشاط المُحتكَر لصالح الشركة والتي لا يُخفى على الجميع علاقتها المباشرة بمراكز اتخاذ القرار السياسي في مصر. حتى فترة قريبة كان رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة يتحدّث بصفته رجل الإعلام الأول في مصر بل وأنه العالِم ببواطن الأمور، ورغم ذلك كان يبدو للجميع أن الرجل بعيدٌ جداً عن التفاصيل بل وعن الإدارة المباشرة للمؤسّسات الإعلامية. فالرجل الذي سطع نجمه بعد ثورة يناير باقترابه من جماعة الإخوان وتقرّبُه من مراكز اتخاذ القرار في الدولة، قرّر تقديم نفسه بهذه الصورة، رجل أعمال يمتلك صحيفة واسعة الانتشار وله علاقات لا بأس بها مع سياسيين وعسكريين مصريين ومستثمرين لدى دول خليجية كقطر والإمارات، تبرّع لصندوق تحيا مصر ويموّل حزب "مستقبل وطن"، الظهير الشبابي للحُكم الحالي.

بقيت الحال على ما هي عليه لفترة وجيزة حتى أيام قليلة، فقد بدأت علامات التنافُس بين المؤسّسات السيادية ومَن يمثّلونها على الساحة العامة في مجالات الإعلام والسياسة بشكل متوازٍ. بدأ الأمر بظهور الفريق أحمد شفيق، المرشّح السابق للرئاسة ورئيس الوزراء المصري الأسبق، على الساحة مرة أخرى مُقدّماً نفسه كمُرشّح رئاسي مُنافِس  فبدأت الأجنحة المختلفة في التناحُر وبدأ الإعلام في الهجوم بشكل مُنظّم ومُمنهج يعكس الرؤية الرسمية للأمر، أو بالتحديد الجناح المُتّسق مع القيادة السياسية الحالية لم يكن راضياً تماماً عن ظهور شفيق حتى وصل الأمر إلى ترحيل الرجل ووضعه تحت ما يشبه الإقامة الجبرية في مصر.

وبالتزامن مع الهجوم المُنظّم للإعلام المملوك لـ"أبو هشيمة" وما يُمثّله من رؤية رسمية وما يُشير إليه من دلالات، فوجئ العاملون بمجموعة "إعلام المصريين" بزيارة للسيّدة "داليا خورشيد" وزيرة الاستثمار السابق بمُصاحبة المهندس "أسامة الشيخ" رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق لمقر الإدارة ، بالتزامن مع إعلان إتمام صفقة بيع حصّة أحمد أبو هشيمة بالمجموعة لصالح شركة تُسمّى "إيجل كابيتال" ترأسها خورشيد، ما يجعلها مُسيطرة تماماً على كافة وسائل الإعلام التي كانت تحت سطوة "أبو هشيمة". وفي خضمّ تدفّق الأنباء وتسرّب المعلومات عن تلك الصفقة التي لم يدر أحد بكافة جوانبها الكاملة حتى الآن ، وردت –على لسان موقع مدى مصر الصحفي- معلومات عن أن شركة "إيجل كابيتال" هي عبارة عن صندوق استثمار مباشر مملوك للمخابرات العامة المصرية وهو مسؤول عن الأنشطة المدنية للجهاز. بالإضافة إلى معلومات متواتِرة عن نيّة "إيجل كابيتال" شراء حصّة أبو هشيمة أيضاً في شركة "حديد المصريين" ليصبح الرجل خارج الساحة العامة بشكل مُفاجئ وغير مُتوقّع كما دخلها بالشكل ذاته، وليسطع على ساحة المال والأعمال إسم السيّدة "داليا خورشيد" كإمبراطورة للاستثمار ذي البطانة الرسمية، وذلك في مجالات الإعلام وحديد التسليح ووريثة جديدة لسلسلة ربما بدأها "عثمان أحمد عثمان" مؤسّس شركة المقاولون العرب والمُقرّب من أنور السادات ، وورثها العديد من الوجوه التي بلغ فيها ذروة التمكّن والنجاح والفساد على حدٍ سواء "أحمد عز" الذي ألقت به ثورة يناير في السجن لسنوات.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً