فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

ديمقراطية المُخلّصين: من موسوليني إلى ترامب مروراً بهتلر

إن الديمقراطية التي تأتي بالليكود إلى الحُكم في إسرائيل هي كالديمقراطية التي تأتي بترامب إلى البيت الأبيض، وهي نفسها التي استخدمت كسلاح لتقسيم الشعب الفلسطيني إلى سلطتين مُتنازعتين في غزّة والضفة الغربية.

ترامب لا يحب وسائل الإعلام ولا الهرمية الإدارية ولا يقرأ تقارير الخبراء

بخلاف ما تشيّعه من أنها أمست بديهية، لا تحمل الديمقراطية ضمانات جدّية لاستدراك تسلّل الأنظمة الفاشية والنازية والمُستبدّة إلى الحكم، بـ"وسائل ديمقراطية"، أي بالاقتراع السرّي المباشر. إن المُتصفّح لكتاب مايكل وولف "النار والغضب" الواسع الانتشار على صفحات التواصل الاجتماعي هذه الأيام، يرى بوضوح رئيساً للجمهورية في الولايات المتحدة الأميركية، متسلّطاً يُهدّد بإزالة كوريا الشمالية من الخارطة، ويتنكّر للاتفاقات الدولية التي وقّعتها بلاده، ويرى ألا مانع من منح الضفة الغربية للأردن وقطاع غزّة لمصر، ويسخر من شعور دول تحميها بلاده ــ كالسعودية ومصر ـ بالخوف والاضطراب جرّاء سياسته الخارجية. إن خالفه موظّف في البيت الأبيض يأمر بإقالته. لا يحب وسائل الإعلام ولا الهرمية الإدارية ولا يقرأ تقارير الخبراء. ويرتجل مواقف بلاده بواسطة تويتر. لديه شعور بالخوف من أن يُقتَل مسموماَ، وهو شعور هيمن على كبار المُتسلّطين المعروفين في العالم شأن هتلر وفرانكو وموسوليني وروبسبيير.

ليست المرة الأولى التي تحمل إلينا الديمقراطية نصف طاغية ونصف أبله. فقد سبق لها أن جاءتنا بالفاشي بينيتو موسوليني والنازي أدولف هتلر. كذلك لعبت الأنظمة الديمقراطية دوراً أساسياً في حماية المجرم فرانكو في إسبانيا لأكثر من ربع قرن، فضلاً عن الجنرال الدموي بينوشيه في تشيلي بعد أن ذبح عشرات الآلاف من أبناء شعبه.

في الأمثلة المذكورة لا يمكن الحديث عن خطأ في الاختيار أو عن صدفة سيّئة أو عن لحظة سهو وتراجع في الحذر. فقد كان الاختيار عن سابق تصوّر وتصميم وبطُرق شرعية تماماً وهذا ما سنراه للتوّ بقدر من التفصيل.

في إيطاليا ما كان ينبغي أن يصبح بنيتو موسولويني زعيماً لبلاده بكل المقاييس، فهو جبان هرب من التجنيد في الحرب العالمية الأولى إلى سويسرا واعتُقل على أحد الأرصفة متشرّداً ينام في العراء. ولم تتح ظروفه الاجتماعية أن يحصّل تعليماً عالياً، لكنه رغم ذلك صار الزعيم الأوحد في بلاده وزجّها في الحرب العالمية الثانية.

تفيد سيرة موسوليني أنه ارتقى عبر قمع الحركات العمالية بالقوة وقمع التيارات الشيوعية والتقدمية، حتى بدا وكأنه الطرف الوحيد القادر على خدمة أثرياء السوق وحمايتهم من خصومهم ومستخدميهم، وبما أن أصحاب الرساميل هم رُعاة وحُماة ومموّلي النظام الديمقراطي فقد كان من الطبيعي أن يُباركوا صعود موسولويني حاميهم الوافد إلى أعلى مراتب الحُكم.

نرى السيناريو نفسه تقريباً في ألمانيا عشية صعود النازية بوصفها القوة الخادمة للسوق والواعِدة بقهر الدول الكولونيالية التي سيطرت على قارات العالم، وهمّشت إيطاليا وألمانيا ناهيك عن قدرتها على حماية السوق من البروليتاريا وسائر الحركات المطلبية. هنا أيضاً ما كان بوسع أحد أن يراهن على صعود العريف السابق في الجيش إلى أعلى مراتب السلطة خلال سنوات قليلة.

وسنرى الشروط نفسها تقريباً في صعود فرانكو إلى السلطة في إسبانيا بعد سقوط مئات الآلاف من مواطنيه. فقد تمكّن هذا الطاغية الدموي من قهر النظام الجمهوري والديمقراطي المُنتخَب لتوّه في إسبانيا، بواسطة فرقة عسكرية شكّلها بغالبيتها الساحقة من المُجنّدين المغاربة، ومن ثم أمسك بزمام الأمور في بلاده طيلة أكثر من ربع قرن، حمته خلالها الولايات المتحدة الأميركية لقاء تثبيت قواعد عسكرية في إسبانيا. سيموت فرانكو على فراشه، هو وبينوشيه دكتاتور تشيلي وآخرين صعدوا إلى السلطة بحماية الديمقراطية الأميركية.

ليس دونالد ترامب نظيراً لـ هتلر وفرانكو وموسوليني، فالعالم يعيش ظروفاً مختلفة عن ظروف الحرب الباردة والتسابق الوحشي على الأسواق العالمية، ومع ذلك فهو "المُخلّص" المُفترض للأميركيين البيض الذين هزموا مرتين في حربي العراق وأفغانستان، وسادت صفوفهم كبرياء مرضية متضخّمة حول قدرة بلادهم على العودة إلى الوراء واستعادة مكانتها العالمية كقوة حاسمة على غير صعيد. وترامب أيضاً "المُخلّص" في الداخل لفئات واسعة من البيض الذين يشعرون بأن الولايات المتحدة تفلت من أيديهم ومن هيمنتهم العرقية في مواجهة المدّ الديمغرافي الأسود واللاتيني الذي من المتوقّع أن يقلب الصفحة الاجتماعية الأميركية.

في هذا المناخ المأزوم يلتقي ترامب وإن من موقع مختلف بعض الشيء مع موسولويني وهتلر وفرانكو. فالأربعة صعدوا على خلفية مشاريع رجعية وفي بلدان كبيرة وقوية لكنها غير قادرة على الهيمنة المُطلقة.

 الغالب أن الاستبلشمانت الأميركي بدا يعي خطورة هذا الرئيس على بلاده وربما على ما تبقّى لها من نفوذ في العالم، لذا نرى الدولة العميقة تقف بوجهه في مؤسّساتها وتهدّد بمحاكمته وتقدّمه عارياً في سدّة الحكم في وسائل الإعلام كما لم يُقدَّم رئيس أميركي من قبل.

إن ما يقوله ستيف بانون اليميني المُتطرّف، الذي كان ينبغي أن يكون مُنظّر إدارة ترامب، هو برهان ساطع بأن رئيسه غير جدير بمزاولة الحُكم، وأنه قد يرتكب حماقة حرب جديدة فاشلة ومُكلفة لن تجعل أميركا أكثر قوة بل ربما أكثر ضعفاً وهواناً من ذي قبل.

لا يمكن لأحد الطعن في خروج النازية والفاشية من صناديق الاقتراع وفي سياق مسيرة ديمقراطية مفتوحة، تماماً كما هي حال الترامبية اليوم ولعلّها جميعها جاءت بأثر من جروح وطنية أو قومية وهزائم أو طموحات يهجس أصحابها بالهيمنة والتوسّع وقيادة العالم... إلخ

مع ترامب يمكننا القول إن الديمقراطية ليست حمّالة ضمانات للذين يعتمدونها في بلدانهم وهي بالتأكيد ليست حمّالة ضمانات مُخلّصة وصادقة للشعوب الفقيرة والتابعة. إن الديمقراطية التي تأتي بالليكود إلى الحُكم في إسرائيل هي كالديمقراطية التي تأتي بترامب إلى البيت الأبيض، وهي نفسها التي استخدمت كسلاح لتقسيم الشعب الفلسطيني إلى سلطتين مُتنازعتين في غزّة والضفة الغربية.

بكلام آخر ليست الديمقراطية مُخلّصاً ينتظرنا في صناديق الاقتراع كما يُشاع في بلداننا وإنما وسيلة لتنظيم الحُكم قد تصحّ وقد تُخطىء وهي، في كل الحالات، تحتاج إلى ضوابط اخترع بعضها الشعب الإيراني عندما شكّل مجلس "تشخيص مصلحة النظام" و" مجلس صيانة الدستور "، في حين قرّر الشعب الكوري الشمالي أن يحمي نفسه بوسائله وأن يحول من دون تدخل الولايات المتحدة الأميركية بشؤونه الذاتية في الحُكم والإنتاج. في عالم تحكمه دول مُفترسة يبدو أن "الديمقراطية ليست حلا" إن لم يسبقها تشخيص مصلحة الوطن والدستور والتماسك القومي والوحدة الوطنية وقِيَم أخرى على رأسها التحرّر من التبعية.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات