عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

كتابة فورية ليست شيئاً سوى الفراغ

نكتب في شأن الراحل أو الراحلة، ما يُشبه التوريات والكنايات التي هي في ذات الوقت اتضاح لهول لحظة الموت وإشارة إلى حقيقتها أكثر منها كتابة عادلة في نتاجه وأدبه أو فنه. كتابة فورية ليست شيئاً سوى الفراغ، لا مفتاح ولا دليل. كتابة أغلبها عاطفية فجائعية وعلى قدر من الإيجاب لكل ما خلّفهُ الراحل وقدر كبير من اليقين بريادته، وكتابة عدمية تُشبه مآلات كل البشر، أدباء كانوا أو "عاديين".

ثمة ما هو غير إنساني في هذا العُرف الصحفي، وهو الهوَس في الكتابة عن الراحلين

الموت الذي مازلنا نفجع من حصوله، رغم أنه القضاء الوحيد الذي لا مفّر منه، يجعلنا في غمرة الكتابة عن الراحلين للتوّ، الكتابة الفورية والكتابة المُرتجلة، نُفرط في نبش أسرارهم الصغيرة والكبيرة لمجرّد تعبئة الصفحات، في الوقت ذاته الذي نتناول إبداعاتهم على عجَل، وننتهي إلى تسطير أمزجتنا في الراحلين، من كوننا نحن أنفسنا غير واثقين مما نكتب، وفاقدين من فورية الموت وصفعته، لنقطة ارتكاز في كتابتنا. نكتب في استرسالات ملهوفة وأحياناً مغالطات، فالميت في موته، سوف لن يسعه الرّد علينا، ولا الدفاع عن نفسه، فهو "الغائب" الموغِل في غيابه، وما من حول له للرّد بعد ولا قوّة.

سوف لن نعدم مُتفجّع ومُتألِم صادق أو كاتب مُتأن. ثمة ما هو غير إنساني في هذا العُرف الصحفي، وهو الهوَس في الكتابة عن الراحلين، الهوَس الذي يُجافي حقيقتهم أحياناً. كتابة مُبهرجة بالأسف والبكاء وفيها الكثير من الطاقة التخييلية والتمثيلية ولا تُشبه في حقيقتها، سوى الكتابة عن كائن جرى تجهيلهُ وتجهيل ماضيه وكتاباته في ذلك التماس الإنساني الذي لا يميّزهُ عن مطلق كائن سواه، رحل للتوّ.

هذا العُرف الصحفي واجب درجَ عليه الإعلام العربي، فيما كلمات التأبين في الصحف الغربية، مُنتقاة بدقّة وموضوعية، وموكلة إلى أكثر الكتّاب قرباً وفهماً من نتاج الراحل أو الراحلة، وإن لم تعدم بعض الإضاءات الحميمة اللمّاحة والمُقتضبة، على مزايا طبعت الراحل، وصفات وسمت حضوره.

إن رحيل المُبدعين الذين أغنوا حياتنا ومفرداتنا لا يحتاج إلى هذه الكرنفالات التأبينية والاستعراضات العاطفية. قد تكون كلمة نعي، أو بعض السطور في تعداد أعمال الراحل، أو جملة دافئة أكثر من كافية، على أن تتبعها من دون استعجال دراسات المُختّصين والمُتابعين الجادين لأعمال المُبدعين الراحلين، يكون مكانها في الدوريات أو الكتيبات أو حتى الكتب، بحسب درجة أهلية المُبدِع الراحل وعطاءاته الثقافية والفكرية عموماً.

"الشاعر الفلاني، الأديب الفلاني، الموسيقي أو المُغنّي الفلاني، الرسّام .. رحل عن عالمنا تاركاً خزيناً عظيماً للأجيال"... ديكور من المُصطلحات الفضفاضة والبرّاقة والفخمة كما لو زينة بصرية من الكلمات، تصّح على هذا الأديب أو ذاك في إغراء كتابي يُحاذر الدخول في نتاج الراحل (إمّا لقلّة معرفته أو لـ " وهرة" الموت الذي حضر فجأة). حذر مقصود ومرتبك و"كيتش" مصطنع. وعلى سبيل المثال لا الحصر، رحيل الشاعر عصام العبدلله، والشاعر الشحرور والشاعر ألبير فرحات، وقد تناولت الأقلام عبدلله في مقاربات عاطفية تريّثت طويلاً أمام رحيله عن مدينته التي أحبّ، عن مقهاه وبحره وقهوته وأنسه وكرمه وضحكته وصحبه ورفاقه، من دون الكتابة التي تزن نتاجه في عالم الشعر المحكي من قِبَل المُهتمين والمُمتلكين للمعرفة في هذا المنحى الشعري الذي نحاه عبدلله والشحرور وفرحات، تفيهم حقّهم الأكيد والمؤثر في هذا المجال.

البذخ الوداعي حتى الإغراق، يوقع لا بُدّ في بعض السطحية إن لم نقل الخطأ على أقّل تقدير. كتابات أو نتاجات الراحل أو الراحلة، الهاجعة في الكتب وفي سكونيّتها وانفرادها، تأخذ في أحوال نادرة عناوين رئيسة فيما الـ " ميزة " أو الخاصية التي تصبغ أعمال هذا المُبدِع عن ذاك، تبقى خارج التناول لأن الموت يفرض رهبتهُ كما ذكرنا، كذلك الوقت الذي نكنسهُ كنساً كصحافيين مولجين بالكتابة، مُتعجّلين إلى دفع مقالاتنا إلى الطباعة، مقالاتنا التي تبدو مندهشة هي نفسها، من ذلك المزج بين أسلبة صارمة لنتاج الراحل، وتعبيرية ثرية في خوض موته وخوض وداعه والتفجّع عليه. أخيراً لعلّ من الأسلم، في حفلات الرثاء المُستعجِل، أن يتناول كل كاتب (في حالات الموت المُفاجئة للمُبدِع) حالة فنية أو إبداعية واحدة يُبحر في إظهارها وتقديمها للقارىء، على أن يتولّى آخر، حالة ثانية من سمات الراحل يفيها حقّها وتلميعها.. وهكذا بعيداً عن الشمولية الآنية التي لا تُقدّم ولا تؤخّر بالنسبة لقرّاء الخبر.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات