بثينة شعبان

مفكرة عربية

زيارة

جرحى قذائف الإجرام الذي ضرب باب توما شهود على أنّ الدول التي تدّعي الحضارة والحرّية والحرص على الإنسان غارقة في سفك الدم السوري واستهداف أطفالنا وأهلينا لتحقيق مآربها السياسية العنصرية الحاقدة القديمة الحديثة ضدّ بلادنا، ولكنّها غافلة عن أنّ أهل هذه الأرض المقدّسة لا ينكسرون، وقد دحروا غزاة استهدفوا بلادهم عشرات المرات عبر التاريخ، وهم يفعلون الشيء ذاته اليوم بصمودهم وإصرارهم على دحر الإرهاب المجرم ومن يقف وراءه عن ديارهم.

في كلّ فاجعة اطّلعت عليها لمستُ انكسار عشرات القلوب من الوالدين إلى الأقارب والأصدقاء والجيران والمحبّين، فماذا زرعتم في سوريا سوى الألم والحرقة والدموع؟

حين دخلت المشفى الفرنسي في دمشق لزيارة الجرحى الذين أصيبوا بقذائف الإرهاب والإجرام، طالعني أول ما طالعني وجه والدة فادي الذي ما زال في حالة حرجة في العناية المشدّدة؛ قالت لي: ألم تسمعي بحفيدي إلياس، ذي السنوات الأربع، أصابته قذيفة واستشهد، ولم نجرؤ بعد على إخبار والده لأنه ما زال بين الموت والحياة، ماذا فعل هذا الطفل الجميل البريء كي يستحقّ منهم هذه الجريمة المنكرة؟! أسئلة لا جواب عنها أبداً. حاولتُ أن أهدّئ من حزنها قدر المستطاع إنسانياً، وانتقلت إلى غرفة والدة إلياس، التي خرجت للتوّ من العناية المشدّدة إلى غرفة عادية، وعلمتُ أن ابنها الجميل البريء الذي كان ينتظر بابا نويل من فترة قصيرة ليفرح ويلعب هو الآن في البراد. كانت أمه تناديه: «الياس» تعال إليّ، لماذا أنت في البراد؟ وأنا أمسك يديها بلطف وحنان، أفكّر في كلّ هؤلاء الذين يتاجرون بالدم السوري، والذين ينافقون عن حرصهم على حياة الشعب السوري، وحرية الشعب السوري، وهم يموّلون ويسلّحون ويحرّضون الإرهاب ليفتك بحياة الناس الأبرياء.

فها هو إجرام أردوغان الذي ما فتئ يرسل الإرهابيين إلى أرضنا البريئة منذ اليوم الأول من هذه الحرب، وها هو يعتمد على فلول الإرهابيين في غزوه العسكري لتراب سوريا المقدّس بذرائع وحجج واهية، وها هي واشنطن تلملم ما تبقّى من إرهابيين في الشمال الشرقي من سوريا، وتقدّم إليهم الرواتب والوظائف كي يؤلّفوا جيش الحدود الذي أعلنت عنه منذ فترة، وهؤلاء في الوقت نفسه يرسلون مندوبيهم إلى منصّات الأمم المتحدة ليتحدثوا عن الحرية وحقوق الإنسان، بينما هم ينزلون أشدّ أنواع الويلات بعائلات بريئة تعيش على أرض الآباء والأجداد، ولا تبغي من الحياة شيئاً سوى الاستمرار في العيش بسلام بين أهليها وعلى الأرض التي تعشق على مدى الدهر. ماذا يقول الإنسان لأمّ فقدت طفلها الوحيد نتيجة إجرام عبثي مجنون مدعوم من قوى منافقة تدّعي الحرص على البشر وحريّتهم وحقوقهم؟ وكيف أعبّر عمّا يجول في خاطري لأهل احتاروا بين الحزن والفجيعة من جهة، والرغبة في مساندة ابنتهم في محنتها الكارثية من جهة أخرى؟

وانتقلت من غرفة منال بين باقات وصحون الزهور التي تملأ الممرّ إلى غرفة الفتاة كريستين، التي تحيط بها صديقاتها الشابات وأهلها المفجوعون بكارثة بتر رجلها نتيجة القذائف التي سقطت على منطقة باب توما، وسألتها في أيّ صفّ أنت أيتها الجميلة؟ فقالت في الصفّ العاشر، قلت كيف حالك؟ قالت الحمد لله، بابتسامة لطيفة راقية، وجديلتان سوداوان تحيطان وجهاً جميلاً، وعينان بريئتان تتّقدان ذكاءً وطموحاً. كانت عينايَ مسمّرتين على وجهها الجميل، وعقلي يخاطب حكّام ما سمّوه «العالم الحرّ»، ويقول لهم: كلّ ادعاءاتكم وتصريحاتكم وكذبكم ونفاقكم سقط تحت رجل كريستين المبتورة، هذه هي نتائج دعمكم للإرهاب الذي يضرب بلدنا منذ سنوات، وأنتم تعلمون علم اليقين أنّ هذه هي نتائجه، ولكنّ أجندتكم السياسية ورغبتكم في الاستيلاء على ثروات البلدان ونهبها لا تقيمان للحياة الإنسانية، ولا لآهات الجدّة، أو حرقة الأمّ، أو معاناة الأب والأهل وزناً أبداً.

في كلّ فاجعة اطّلعت عليها لمستُ انكسار عشرات القلوب من الوالدين إلى الأقارب والأصدقاء والجيران والمحبّين، فماذا زرعتم في سوريا سوى الألم والحرقة والدموع؟ وإذا كانت كريستين غائبة عن أنظاركم، أفلا ترون الطفلة عهد التميمي التي خطفها الإرهاب الصهيوني من سريرها وزجّ بها في غياهب السجون فقط لأنها تقاوم احتلالاً بغيضاً وترفع صوتها لتقول كلمة حقّ في وجه مستعمر إرهابيّ حاقد وعنصري. إنّ عهد التميمي وكريستين أختان في الصمود ضدّ أذرع إرهابية وحشية لا تقيمُ لحياة الإنسان وزناً، وقد برهنت كريستين وعهد أنّ هذا الإرهاب الذي يضرب فلسطين وسوريا والعراق وليبيا واليمن ليس منفلتاً من عقاله، كما يدّعون، وليس ظاهرة عشوائية عجز العالم عن تفسيرها أو لجم جموحها، بل هو إرهاب تنظّمه وتموّله أنظمة سياسية معروفة وقادة دول يستخدمونه أداة لتحقيق أهدافهم السياسية، وحين يفشل، كما هو الحال في سوريا، في تحقيق هذه الأهداف، يلملمون بقاياه ويساندونه بقوى وأسلحة نظامية من بلدانهم وبتمويل رسمي من الكونغرس، ويعطونه أيّ مسمّى وبأيّ حجّة، كما فعلت الولايات المتحدة في الشمال السوري، أو يُدخلون جيشهم ويضعون العصابات الإرهابية في مقدمة هذا الجيش لشنّ عدوان سافر على أرضنا وشعبنا، كما فعلت قوات أردوغان في عفرين. الاستنتاج الأكيد الذي توصّلنا إليه بعد سبع سنوات من إجرامهم بحقّ الشعب السوري هو أنّ كلّ العصابات الإرهابية التي ضربت أرضنا وشعبنا هي عصابات منظّمة وتابعة لقوى ودول تنافق في المحافل الدولية، وتدّعي العمل من أجل السلام والإنسان.

جرحى قذائف الإجرام الذي ضرب باب توما شهود على أنّ الدول التي تدّعي الحضارة والحرّية والحرص على الإنسان غارقة في سفك الدم السوري واستهداف أطفالنا وأهلينا لتحقيق مآربها السياسية العنصرية الحاقدة القديمة الحديثة ضدّ بلادنا، ولكنّها غافلة عن أنّ أهل هذه الأرض المقدّسة لا ينكسرون، وقد دحروا غزاة استهدفوا بلادهم عشرات المرات عبر التاريخ، وهم يفعلون الشيء ذاته اليوم بصمودهم وإصرارهم على دحر الإرهاب المجرم ومن يقف وراءه عن ديارهم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات