حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

الكتلة المُقابلة والمآل السوري

يمكن أن نفهم كيف عملت الولايات المتحدة، ومن ورائها أوروبا، على دعم السلام السياسي، ومن ثم تنظيماته المسلّحة، وكيف خلقت داعش. كما يمكن أن نفهم لماذا أنقذ مقاتلو داعش بالطائرات أو بفتح الممرات الآمنة ليعاد استيعابهم ضمن ما يُسمّى بقوات سوريا الديمقراطية وإعادة تأهيلهم لجعلهم المكوّن الأساس لما يُسمّى بحرس الحدود الذي اقترح أن يمسك الحدود بين تركيا وسوريا.

في شمالي سوريا يتحدّد اليوم مصير كل من المشروعين: العنصري الإرهابي والعنصري العرقي

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية كَثُر الكلام عن مفهوم الكتلة المُقابلة وحاجة الولايات المتحدة إليها للتوازن. يومها أصدر صموئيل هنتنغتون كتابه الهام "مَن نحن؟ تحديات الهوية الأميركية" وفيه تحدّث صراحة عن صلاحية المد الإسلامي لشغل موقع العدو = الكتلة المُقابلة.

وكان تنامي نفوذ وسائل الإعلام والاتصال منذ التسعينات كفيلاً بجعل التهويل الإعلامي بهذا العدو الجديد الوسيلة الضامِنة لنجاح المعادلة، خاصة إذا ما اقترن عملها بتحريك مباشر أو غير مباشر على الأرض للصراع بين الحضارات، وتضخيم الإسلاموفوبيا سواء لدى الكارهين للإسلام أو لدى الكارهين للغرب.

غير أن ما يجري في حقيقة الأمر تحت طبقات الضجيج هذه، وبين المُحرّكين الحقيقيين الذين يفهمون اللعبة جيداً هو أمر آخر لا علاقة له بالعداء أو الصداقة، وإنما بالتقاء مصالح كل طرف، كما يراها هو. مصالح الولايات المتحدة في الإبقاء على أحاديتها وتمتين هيمنتها على العالم، ما يقتضي حكماً القضاء على مَن يُهدّد ذلك معارضاً كان أم مقاوِماً أم منافساً، إسلامياً أم علمانياً. ومصالح التجمّعات الإسلامية السياسية الأهلية في الوصول إلى الحكم هنا أو الانتقام ممن وصلوا هناك ونقطة.

في السياق نفسه يندرج وضع التجمّعات العرقية والمذهبية المتفرّقة هنا وهناك. ما فوق الدولة لتذويب الانتماء والسيادة وما تحت الدولة والمجتمع لتفعيل الشرذمة والتفسيخ. 

كان الأميركي والغربي والإسرائيلي بالطبع، محدّدين تماماً لأهدافهم الكبرى على خريطة العالم، وبالتالي الاقليم الشرق أوسطي ومن ثم العالم العربي، وكان الآخرون يتحيّنون لأهدافهم الصغرى التي لا تصب إلا في خدمة الأولى.

بهذا المفهوم المُعقّد والبسيط في آن يمكن أن نفهم أموراً كثيرة، راهنها اليوم، علاقة واشنطن بداعش وعلاقتها بالكرد . كان من السهل على المحتل للعراق أن يتلمّس بعمق حقد شريحة عراقية كبيرة على كل ما حولها، ورغبتها في الانتقام وربما حلمها بالعودة إلى السلطة. بل إن الباحثين في سيكولوجية الجماهير كانوا يفهمون جيداً أن بديل حال الاحتلال والذلّ والرفض التي تسود العالمين العربي والإسلامي هو ذلك الحلم الذي زرع في مخيّلة كل طفل دخل المدرسة أو المسجد: حلم الدولة الإسلامية الممتدة والمتركّزة في العراق والشام. لم يكن صعباً على خريّج هارفرد بريت ماك غورك أن يساعد نيغروبونتي على خلق داعش في العراق ولا أن يعود فيساعد كيري على إطلاق التحالف الدولي ضد داعش في أيار /مايو 2017.

بهذا يمكن أن نفهم كيف عملت الولايات المتحدة، ومن ورائها أوروبا، على دعم السلام السياسي، ومن ثم تنظيماته المسلّحة، وكيف خلقت داعش. كما يمكن أن نفهم لماذا أنقذ مقاتلو داعش بالطائرات أو بفتح الممرات الآمنة ليعاد استيعابهم ضمن ما يُسمّى بقوات سوريا الديمقراطية وإعادة تأهيلهم لجعلهم المكوّن الأساس لما يُسمّى بحرس الحدود الذي اقترح أن يمسك الحدود بين تركيا وسوريا.

بالمقابل كان من الواضح حلم جماعة لا تعرف نفسها إلا بإتنيتها العرقية، أن تجد في ما حولها من أجواء عنصرية، فرصتها لحمل لقب دولة وللاستفراد بثروات أرض غنية. أرض تعرف أنها استملكت معظمها ثمناً لمساهمتها في مجازر الأرمن أو السريان أو لدورها كجنود مرتزقة لدى الفرنسيين في قمع انتفاضتي حلب ودير الزور عام 1921. (الوثيقة موجودة صورة طبق الأصل على موقع شبكة فولتير). وبهذه الحقيقة التاريخية يمكن أن نفهم جيداً افتراق الموقف حول سوريا بين الكرد. فهناك الكرد السوريون الذين يتمسّكون باندماجهم في المجتمع السوري ككل مكوّناته، وهناك الوافدون الذين احتلوا أراض ليست لهم وجعلوا من عدم حصولهم على الجنسية تلويحاً يشهرونه أمام حقوق الإنسان.

في شمالي سوريا يتحدّد اليوم مصير كل من المشروعين: العنصري الإرهابي والعنصري العرقي. تركيا كانت قد اتّفقت مع فرنسا على إقامة كيان كردي في الشمال يمكنها أن تستمر في تهجير مَن لا تريد من كردها إليه. لكنها اكتشفت أن هذا الكيان سيتحوّل إلى شوكة في خاصرتها. وتركيا كانت قد ظنّت أن إمارة قاعدية من النصرة وأخواتها في إدلب، مموّلة قطرياً ستؤمّن هيمنتها على الشمال السوري، لكنها اكتشفت أنه لن يسمح لها بذلك وإلاّ فالتهديد الكردي. تركيا تجد نفسها عالقة في شباك عنكبوتها. ومثلها حلفاؤها.

الولايات المتحدة تعرف كيف تعوّض خسارتها بنقل مَن ربّتهم من المقاتلين الإرهابيين إلى القرن الإفريقي وليبيا وربما إلى أفغانستان.

لكن ذلك كله لا يعني التسليم، فالملفان الإنساني والكيميائي حاضران، والسلاح الإعلامي الحقوقي يشهر أكثر فأكثر، ولأجله تشكّل لجنة ورثة أصدقاء سوريا في باريس لتحقيق هدفين متقاطعين: الضغط على دمشق والضغط على حلفائها. يطلق المسؤولون تصريحاً ويتكفّل الإعلام بالحملة. فنرى وسائل الإعلام الفرنسية تلاقي أسوشيتد برس، وغيرها في تأجيج التهمة والمطالبة بوقف الحملة على إدلب. وينضم إلى الجوقة ككل الكورس نصر الحريري، مطالباً بـ«وقف إطلاق النار، وإرسال المعونات الإنسانية إلى المناطق المُحاصَرة" من دون أن ينسى حلماً وشعارات تجاوزها الميدان والزمن: «ضرورة تأمين البيئة الآمنة والمحايدة، التي يجب أن تجري فيها العملية الدستورية وأية انتخابات تأتي بعدها». وعليه فـ «لا بد من مرحلة انتقالية تقودها هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية».

وللربط نصل إلى السؤال: هل تتشكّل الكتلة المقابلة الآن في شمالي سوريا؟ وهل تعني الحاجة إليها استراتيجياً قبول الأميركي بها؟

الجواب يأتي من البنتاغون: واشنطن اخترعت عدواً مُسيطَراً عليه وهي الآن تجد نفسها أمام قائمة حقيقية من الأعداء أو لنقل المنافسين. هذه القائمة تحدّدها التسريبات عن تقرير البنتاغون حول الاستراتيجية النووية لعام 2018: "قائمة غير مسبوقة من التهديدات" تضمّ روسيا، الصين، إيران وكوريا الشمالية. قائمة تفرض، برأي السيناتور إدوارد ماركي، إعداد خارطة طريق للحرب النووية. وذاك ما كان قد بدأه أوباما بإطلاقه مشروع تجديد النووي بكلفة مئة مليون دولار.

الجواب يطرح بدوره سؤالاً أخطر: تكاليف خارطة الطريق هذه. من أين يتم تأمينها؟  

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات