عبد الله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية.

الجولاني يلتحم بالسياسة التركية .. إلى متى؟

لم يعد أبو محمّد الجولاني زعيم "هيئة تحرير الشام" المُصنّفة على قائمة الإرهاب الدولي، يمتلك الكثير من الوقت للقيام بالمُناورات التي اعتاد عليها سواء مع خصومه أو حتى مع حلفائه. فقد تعرّض الرجل لهزيمة ساحِقة أمام الجيش السوري في منطقة شرق سكة الحجاز وعجز عن الصمود، حتى كاد الجيش يصل إلى مدينة سراقب. كما انكشف ظهره من خلال تخلّي جميع الفصائل عنه بما فيها تلك التي كانت مُتحالِفة معه ضمن "هيئة تحرير الشام"، وآخر الطعنات التي تلقّاها في هذا السياق كان من "جبهة أنصار الدين" بزعامة عبدالله الشامي التي أعلنت انشقاقها التام عن الهيئة بعد أن كانت الفصيل الوحيد الذي اندمج فعلياً ضمن صفوفها وكوادرها.

التحام الجولاني بالسياسة التركية كان أكثر من واضح خلال الأسابيع الماضية

الهزيمة العسكرية والتفكّك البنيوي، بالإضافة إلى مشكلته التنظيمية مع القيادة العامة لـ"القاعدة" وخشيته من خلايا تنظيم "الدولة" "داعش"، دفعت الجولاني مُكرَهاً إلى القبول بأن يكون الفرع الثاني لسلسلة "درع الفرات" ، التي أسّستها أنقرة وتشرِف عليها مباشرة لحماية مصالحها في الشريط الحدودي مع سوريا. وذلك بعد أن كان "يُبشّر" بمشروع جديد يتعامل مع الدول والجهات الأخرى من موقع الندّية وليس التبعية. 

التحام الجولاني بالسياسة التركية كان أكثر من واضح خلال الأسابيع الماضية، خاصةً مع توارد معلومات من مصادر مُقرّبة منه تؤكّد أن مجلس شورى "هيئة تحرير الشام" اتّخذ قراراً استراتيجياً باعتبار تنفيذ اتفاق أستانا وفق الرؤية التركية هو السبيل الوحيد لإنقاذ "الإمارة الجولانية" في إدلب. وقد يكون هذا القرار هو الذي دفع "جبهة أنصار الدين" إلى الانشقاق، لأن هذه "الجبهة" رغم براغماتية زعيمها الشامي، إلا أنها ما تزال قريبةً من توجّهات أيمن الظواهري زعيم "القاعدة" الذي لم يعد خلافه مع الجولاني خافياً على أحد. ولا شكّ في أن طريقة التعامُل مع الجيش التركي في ملف إدلب تأتي على رأس القضايا التي يختلف عليها الرجلان، ويبدو أن الشامي قرّر بخصوصها أن يتبنّى مواقف الظواهري الرافِضة للاستعانة بالجيش التركي.
لكن الجولاني بقراره أن يكون عرّاب تنفيذ اتفاق أستانا وفق الرؤية التركية يكون كمن يبتلع الموس على الحدّين. فهو من جهة يُدرك أن روسيا وضعته على قائمة أهدافها للعام 2018 وهدّدت علناً بأن هذا العام سيكون عام القضاء على "جبهة النصرة". ومن جهة ثانية يجد نفسه مضطراً للارتهان للمشيئة التركية رغم الهواجس التي تعتمل في نفسه حول قدرة أو حتى إرادة أنقرة لحمايته وتأمين استمرارية "إمارته" تحت هذا العنوان أو ذاك.
كل ما يريده الجولاني هو أن يتمكّن من تمرير العام الحالي من دون أن يحلّ به ما حلّ بزعيمه السابق أبي بكر البغدادي الذي فقد جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها ، وبات شريداً فارّاً في مفازات البراري وسهوب الصحاري على الحدود السورية العراقية ، بعد أن كان يُدير "خلافة" تُعادِل مساحتها مساحة بريطانيا. وفي سبيل تفادي هذا السيناريو فإنه (أي الجولاني) مستعد لما هو أكثر من الالتحام مع سياسة أنقرة طالما أن التنازلات التي يقدّمها تضمن له الاستمرار على عرش إمارته أطول فترة ممكنة.
لكن الجولاني ليس هو مشكلة إدلب الوحيدة. وقد يكون من الخطأ تسليط الضوء عليه بهذه الكثافة، وتناسي الأزمات الخطيرة التي تنمو على الهوامش وتحت الظلال في هذه المحافظة وسط تجاهل اقليمي ودولي.
وأكثر هذه الأزمات خطورة هو تنامي فرع "القاعدة" في إدلب واستقطابه مزيداً من الأتباع والأنصار مُستغلاً الانشغال الاقليمي والدولي بعنوان الجولاني. إذ تؤكّد المعلومات أن الجماعات المُبايعة للظواهري وعلى رأسها "جيش البادية" و"جند الملاحم" تمكّنت من الانسحاب من شرق سكة الحجاز والانضمام إلى مثيلاتها في مناطق أخرى ، أهمها جبل الزاوية المُرشّح ليكون المَعْقل الرئيس لهذا الفرع "القاعدي".
وقد أخفق الجولاني في التعامل مع هذه الجماعات واضطر إلى الإفراج عن قادتها بعد اعتقالهم لعدّة أيام قبل حوالى شهرين، وهو بالتأكيد لم يعد قادراً على التصعيد ضدها لا سيما بعد انشقاق "جبهة أنصار الدين"، الأمر الذي سيجعل من منطقة "خفْض التصعيد" في إدلب ملاذاً لتنامي فرع القاعدة الذي وصفته الأمم المتحدة في تقريرها الأخير بأنه أكبر وأخطر أفرع القاعدة في العالم.
فهل ستنجح ترويكا أستانا (روسيا وإيران وتركيا) خلال قمّتها المُتوقّعة قريباً في إسطنبول، في معالجة هذا الملف والتوصّل إلى صيغة تحفظ مصالح الدول الثلاث من دون السماح لأنقرة بحماية "القاعدة" عن رغبة منها أو عدم رغبة؟ أم أن تداعيات هذا الملف ستستمر إلى أن تكمل الولايات المتحدة بناء ذرائعها لاتخاذ "القاعدة" عنواناً لتدخّل جديد في سوريا؟.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}