حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

أيقونة المناضلة عهد التميمي

كان للفلسطينيين صورة أصلية archetype هي صورة المرأة بالثوب المطرّز الخاص والمنديل الأبيض وهي تدفع الجندي الإسرائيلي بيديها، وتدافع عن خصوصيتها الوطنية بمظهرها. وجهد الإعلام الغربي ليستبدلها بصورة نمطية ( stereotype ) مقموعة مُغلّفة بالسواد قادرة على أن تستنهض في وجدان الرأي العام الغربي حسّ العداء في مقابل صورة الإسرائيلية التي تشبهه، وجاءت عهد التميمي لترسم صورة أيقونة جديدة ( prototype ) تشكّل بحد ذاتها حملة إعلامية لا مجال لدحضها.

تطالعنا صورة فتاة صغيرة، شقراء جميلة، تصفع جندياً إسرائيلياً، وتواجه الاعتقال بابتسامة تحدٍ

لكل حركات التحرّر الوطني أيقوناتها، غذاؤها الوجداني الذي يتفاعل في وعي شعوبها على امتداد الأجيال، وغالباً ما يكتسي طبقة فوق طبقة عباءات الأسطرة . 

وإذا كان هذا الدور التعبوي الثقافي أمراً مُسلّماً به بالنسبة إلى جميع الثورات وحركات التحرير، فإن ثمة دوراً آخر لا يقل أهمية على الصعيد الخارجي ، حيث تصبح صورة الأيقونة المعنية صورة لشعبها ولثورتها في عيون الآخرين، جوهر دعاية أو رداً على الدعاية التي يمارسها العدو.

بداية السبعينات. نحن طلاب في الجامعة. تفاجئنا صورة فتاة جميلة تختطف طائرة لتقول للعالم إن الفلسطينيين موجودون . وإن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض. وتتحوّل ليلى خالد، السمراء التي تُعلّق في عنقها قلاّدة رصاصة، إلى أيقونة. أيقونة كانت تجد امتدادها عبر امتداد قاعدة اليسار الثوري على امتداد الكرة الأرضية.

بداية العقد الثاني من الألفين وواحد وعشرين. تطالعنا صورة فتاة صغيرة، شقراء جميلة، حداثوية الملامح والملابس، تصفع جندياً إسرائيلياً، وتواجه الاعتقال بابتسامة تحدٍ. تتحوّل بدورها إلى أيقونة هائلة التاثير سواء على الصعيد الشعبي الفلسطيني والعربي أم على الساحات الدولية وخاصة الغربية حيث الحاجة الماسّة إلى مُقارعة الرواية والدعاية الصهيونيتين ومخرجاتهما.

ما بينهما رتل من الأيقونات النسائية الخطيرة، تيريز هلسة، دلال مغربي، عائشة عودة، سناء محيدلي وغيرهن.

وإذا كان ثمة خيط درامي مُشترك بين صورة تلك المناضلات، فإن لعهد التميمي خصوصية جديدة تنبع من القواعد ذاتها ولكن من اختلاف الظروف التكتيكية .

ليست هذه الطفلة الجميلة نتاج مد يساري عالمي ، ولا لجو عربي عام كما كانت حال السبعينات، وهي لا ترد على دعاية إنكار الوجود الفلسطيني. ولا هي حال تمرّد ذاتي، أو ضمن تنظيم سياسي فصائلي مُحدّد.

هذه الطفلة، جاءت رداً على حال الانهيار العربي باتجاه البُعد عن القضايا الوطنية وخاصة القضية الفلسطينية والانهيار الفلسطيني باتجاه البُعد عن ثقافة المقاومة والتصدّي، وغياب المعسكر اليساري الداعِم للتحرّك الوطني. والأهم انهيار منظومة القِيَم الاجتماعية والسياسية باتجاه منفعي تسطيحي تتفيهي، أو باتجاه أصولي ظلامي إجرامي.

جاءت بعد داعش والنصرة، وبعد النيوليبراليين والمال الخليجي وبعد الانهزاميين والمُطبّعين وبعد تجّار الأوطان والمواقف والألقاب السياسية والثقافية والرُتب العلمية والجوائز المشروطة، جاءت لتقول إن ثمة  (أراب إيدول) لا يحتاج للفورمات الأميركية والبذخ الخليجي ومُصنعّي الشباب.

جاءت بعد أن أُغرِق العالم  العربي  بصورة المُنقّبات أو العاريات، وبعد أن أُغرِق العالم الغربي بصورة الثوب الذي يقصر عند الكاحل واللحى المُشعّثة والفم المفتوح صراخاً حتى الحلق واليد التي تحمل رأساً مقطوعة أو سكّيناً يقطر منها الدم.  بعد أن مهّدت آلاف الصوَر، التي تبرع كاميرات الوكالات الغربية في التقاطها، لاعتبار المقاومة إرهاباً، بمساواتها بداعش والنصرة وأخواتهما. ولا بد من التنبيه إلى أن صوَر المُلثّمين السود بالسلاح والسكاكين ليست دعاية موفّقة في هذه المرحلة من عُمر القضية وعُمر العرب، حتى ولو كانوا مقاومين.

جاءت عهد التميمي بوجهها الجميل الطبيعي، بشعرها الأشقر الحر – الشلال، بملابسها البسيطة الحداثوية، بجرأتها النادرة في مواجهة الجندي وبهدوئها النادر في مواجهة الإعلام والجلاّد لتقدّم رواية كاملة تدحض كل ما عملت عليه آلة الدعاية الصهيونية في الغرب، عقوداً. كما جاءت لتقدّم رداً عفوياً على توظيف الأطفال في عملية الحرب النفسية والتضليل الإعلامي، منذ مسرحية أطفال الحاضنات الكويتية عام 1991 إلى أطفال خان شيخون عام 2017، مروراً بصورة عمران ، ما استدعى خطاباً من أوباما بعد عملية تلفيق، وظّف فيها طفل أميركي.  ومثلها مئات القصص التي نعرف.

البعد الآخر الجديد والبالغ الأهمية في تركيبة الدلالات، يكمن في صورة الأب. فالأب في المجتمعات الذكورية هو ذلك البطريرك الذي ترتجف منه الفتاة العربية، وخاصة المسلمة، والتي تبدأ تمرّدها بالتمرّد عليه (كما تجهد جميع التيارات النسوية الممّولة أجنبياً أن تسوّق، مستندة إلى واقع متخلّف يمدّها بالمادة التأسيسية والمصداقية) ، لكن والد عهد التميمي ظهر  مكملاً لصورة الأيقونة المقاومة، رديفاً، داعماً، فخوراً، مثقفا، باسِماً. كاشفاً عن أن حكاية ابنته هي حكاية أخته أيضاً وزوجته وإبن أخيه وهو ....حكاية أسرة مقاوِمة من شعب مقاوِم.

كان للفلسطينيين صورة أصلية archetype هي صورة المرأة بالثوب المطرّز الخاص والمنديل الأبيض وهي تدفع الجندي الإسرائيلي بيديها، وتدافع عن خصوصيتها الوطنية بمظهرها. وجهد الإعلام الغربي ليستبدلها بصورة نمطية ( stereotype ) مقموعة مُغلّفة بالسواد قادرة على أن تستنهض في وجدان الرأي العام الغربي حسّ العداء في مقابل صورة الإسرائيلية التي تشبهه، وجاءت عهد التميمي لترسم صورة أيقونة جديدة ( prototype ) تشكّل بحد ذاتها حملة إعلامية لا مجال لدحضها.

لذلك جنّ الإعلام المُتصهين من هذه الأيقونة البليغة، فبدأ بتحويل قضيتها إلى قضية حقوق إنسان، ومُناكفة بين جندي وفتاة، مُبعداً أي حديث عن بُعد وطني. غير أن ذلك لم يكف. إذ أن الرأي العالم الغربي ليس فضاء مؤدلجاً واعياً للعبة التأثير الإعلامي، ولذلك لم يكن لصورة عهد الطفلة الشقراء ذات الملامح التي تشبهه، إلاّ وأن تؤثّر فيه، لأن كل مُتلقٍ يقرأ الصورة من خلال ثقافته، كما يقول رولان بارت. فكانت آخر صرعات آلة الدعاية الصهيونية أن نشرت إن آل التميمي ليسوا عرباً فلسطينيين وإنهم يعملون كمُرتزقة.

قد يكون هذا دليل هشاشة صهيونية، ولكنه أيضاً دليل معرفة باللعبة الإعلامية، وبما يؤثّر في جمهور لديه محدّداته العنصرية في أسوأ الأحوال والثقافية في أحسنها. لعبة علينا أن نُتقنها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً