رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

الصراع التركي – المصري ينتقل من (الغاز) إلى (سليم الأول)!

المراجع التاريخية الموثّقة تؤكّد أن عدد سكان مصر تناقص من 9 ملايين في بداية الغزو العثماني ليصل إلى 2 مليون بعد رحيل دولتهم عن مصر، بعد ثلاثة قرون من الدم والذل وإشاعة المرض والفقر، تلك هي (الدولة العثمانية) التي يعد أردوغان المصريين بإعادة حكمها على أيدي الإخوان مجدّداً؛ وهو حلم صار بعيد المنال اليوم (2018) بعد أن أضحى الرفض من (الشعب)، وليس من النظام الحاكِم وحده.

لا يفتأ أردوغان يهاجم مصر دولة وشعباً، ولا يفتأ يطمع في ثرواتها، منحازاً إلى تيارات دينية مُتشدّدة

يحتدم الصراع المصري – التركي، هذه الأيام، على خلفية الأطماع التركية في حقوق الغاز المُكتشَف حديثاً في البحر المتوسّط، وادّعاء أردوغان أن مصر قد اعتدت على حقوق بلاده بمعاونة (قبرص واليونان) وأتبع ذلك بتحريك قواته البحرية، وإطلاق تصريحات عدائية (كالعادة) ضد مصر ونظامها السياسي، وربما تحمل الأيام المقبلة تطورات صدامية جديدة، خاصة بعد اكتشاف القاهرة لوجود عدد من ضباط الاستخبارات التركية وسط إرهابيي سيناء وتم إلقاء القبض عليهم وتردّد أن أسماءهم (إسماعيل علي بال – ضياء الدين محمّد أدو – باكوش الحسيني – عبدالله التركي) ، ووصل التصعيد المصري مع تركيا إلى أبعاد أخرى ذات دلالة حين قامت الإدارة السياسية للعاصمة (القاهرة) بتغيير إسم أحد شوارعها الرئيسة، والمُسمّى بـ "شارع سليم الأول" بحيّ الزيتون شمال القاهرة إلى إسم آخر جديد.
 هذه التطورات والصِدامات جميعها، نحسب أنه رغم أيّ خلاف مع النظام الحاكم في مصر اليوم، فإن حججه ضد تركيا، صحيحة، ورفضه لغطرسة أردوغان وأطماعه وتدخّلاته، صحيحة أيضاً، بيْدَ أن الأكثر صحّة وصوابية، هو موقف النظام المصري، من تاريخ أجداد أردوغان وتحديداً، (سليم الأول)، أول مُستعمِر وقاتِل للشعب المصري، وهذا هو موضوع مقالنا.

وسط الدم الذي أراقه جيش أردوغان وعملاؤه من الجماعات المسلحة المرتزقة (النصرة والجيش الحر وغيرهم)، طيلة السنوات السبع الماضية من عمر الحرب الدولية على سوريا، وسط هذا الدم المسفوك وآخره الدم في (عفرين)، لا يفتأ أردوغان يهاجم مصر دولة وشعباً، ولا يفتأ يطمع في ثرواتها (ومنها الغاز)، منحازاً إلى تيارات دينية مُتشدّدة، وأخرى باتت خارج السرب الوطني وفي مقدّمهم جميعاً جماعة الإخوان المسلمين، وهو في هجومه يذهب إلى تقديم وعود للمصريين أنهم في حال انقلبوا على نظامهم الحالي وأعادوا (الإخوان إلى حُكم مصر) فإن مجداً إسلامياً جديداً شبيهاً بمجد الدولة العثمانية التي حكمت مصر ثلاثة قرون، سيأتي إليهم، وهو في وعوده تلك، يسقط عن عمد حقيقة هذا (المجد) الذي عاش فيه المصريون منذ خطى العثمانيون على تراب بلادهم ومنذ دخلها سليم الأول (عام 1517م).. ولأنه يتعمد النسيان، فإننا هنا، ونحن في سياق الرفض لهذا (المجد) الذي يعدنا به، نقدّم له حيثيات هذا الرفض، فلقد كان مجداً من (دم) ومذابح وعار، ولا علاقة له بأبسط معاني (الإسلام المحمّدي)، لقد كان دنساً عثمانياً بلا دين إسلامي حقيقي، يقوده سليم الأول الذي تم تغيير إسم الشارع المُسمّى به؛ ولنعد إلى التاريخ فهو الأصدق.

 


تؤكد المراجع أن عدد سكان مصر تناقص من 9 ملايين في بداية الغزو العثماني ليصل إلى 2 مليون بعد رحيل دولتهم

يحدّثنا التاريخ أن غزو (أجداد أردوغان العثمانيين) لمصر، قد بدأ قبل أن يدخلوها.. بدأ في مرج دابق.. في سوريا وبلاد الشام، وبدأ بالدم، وبالدم انتهى، لقد كان الموت هو فلسفتهم الوحيدة لبناء دولتهم الجديدة، التي لا علاقة لها، أبداً، بالإسلام المحمّدي الأصيل.

وعندما نذكر التاريخ المصرى إبان تلك الفترة (1517م) فإن أفضل وأوثق من كتبه وسجّله هو كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لمؤلّفه المؤرّخ المصري الرائع / محمّد بن أحمد بن إياس الحنفي. لقد حفل كتابه الكبير (في أجزائه الستة) على وقائع تلك الأيام مكتوبة بلغة هي أقرب للغة المصريين (العامية) وسننقل هنا بعضاً مما ذكره عن تلك اللحظات العصيبة والمفصلية في تاريخ مصر، لحظات تحوّلها من (دولة مستقلة) إلى دولة تابعة للسلطنة العثمانية بعد هزيمة كل من السلطان الغوري فى معركة مرج دابق قرب حلب في سوريا (عام 1516م) والأشرف طومان باي في معركة الريدانية عام (1517م) في مصر.
يقول إبن إياس واصفاً دخول العثمانيين إلى مصر: (ثم إن العثمانية جاؤوا أفواجاً أفواجاً، ثم انقسموا فرقتين، فرقة جاءت من تحت الجبل الأحمر، وفرقة جاءت للعسكر عند الوطاق بالريدانية فطرشوهم بالبندق الرصاص، فقتل من عسكر مصر ما لا يحصى عددهم، وقتل من الأمراء المقدمين جماعة، منهم أزبك المكحل وآخرون منهم، وجرح الأتابكى سودون الدوادار جرحاً بالغاً وقيل انكسر فخذه فاختفى ف غيط هناك، وجرح الأمير علان الدوادار. فلم تكن الساعة يسيرة مقدار خمس درجات حتى انكسر عسكر مصر وولّى مدبراً وتمت عليهم الكسرة، فثبت بعد الكسرة السلطان طومان باي نحو عشرين درجة وهو يقاتل بنفسه في نفر قليل من العبيد الرماة والمماليك السلحدارية، فقتل من عسكر إبن عثمان ما لا يحصى عددهم، فلما تكاثرت عليه العثمانية، ورأى العسكر قد قل من حوله، خاف على نفسه أن يقبضوا عليه فطوى الصنجق السلطاني وولّى واختفى، قيل إنه توجه إلى نحو طر، وهذه ثالث كسرة وقعت لعسكر مصر، وأما الفرقة العثمانية التي توجهت من تحت الجبل الأحمر، فإنها نزلت على الوطاق السلطاني وعلى وطاق الأمراء والعسكر، فنهبوا كل ما كان فيه من قماش وسلاح وخام وخيول وجِمال وأبقار وغير ذلك، ثم نهبوا المكاحل التي نصبهم السلطان هناك، ونهبوا تلك الطوارق والتساتير الخشب والعربات التي تعب عليهم السلطان وأصرف عليهم جملة مال ولم يُفده من ذلك شيء، ونهبوا البارود الذي كان هناك، ولم يبقوا بالوطاق شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً، فكان ذلك مما جرت به الأقدار والحكم لله الواحد القهّار).
ويصف إبن إياس بشاعة الغزو من سلب ونهب وقتل قائلاً: (ثم إن جملة من العثمانية لما هرب السلطان ونهبوا الوطاق، دخلوا إلى القاهرة وقد ملكوها بالسيف عنوة، فتوجهوا جماعة من العثمانية إلى المقشرة وأحرقوا بابها وأخرجوا من كان بها من المحابيس، وكان بها جماعة من العثمانية سجنهم السلطان لما كان بالريدانية فأطلقوهم أجمعين، وأطلقوا من كان في سجن الديلم والرحبة والقاعة أجمعين، ثم توجهوا إلى بيت الأمير خاير بك المعمار أحد المقدمين فنهبوا ما فيه، وكذلك بيت يونس الترجمان، وكذلك بيوت جماعة من الأمراء وأعيان المباشرين ومساتير الناس، وصارت الزعر والغلمان ينهبون البيوت في حجة العثمانية، فانطلق في أهل مصر جمرة نار، ثم دخلوا جماعة من العثمانية إلى الطواحين وأخذوا ما فيها من البغال والأكاديش، وأخذوا عدة جِمال من جِمال السقايين. صارت العثمانية تنهب ما يلوح لهم من القماش وغير ذلك، وصاروا يخطفون جماعة من الصبيان المرد والعبيد السود، واستمر النهب عمالاً في ذلك اليوم إلى بعد المغرب، ثم توجهوا إلى شون القمح التي بمصر وبولاق فنهبوا ما فيها من الغلال، وهذه الحادثة التي قد وقعت لم تمر لأحد من الناس على بال، وكان ذلك مما سبقت به الأقدار في الأزل، وقال الشيخ بدرالدين الزيتوني في هذه الواقعة.
نبكي على مصر وسكانها قد خربت أركانها العامرة
وأصبحت بالذل مقهـورة من بعدما كانت هي القاهرة ولنتأمّل المزيد وفقاً لإبن إياس فى كتابه العظيم (بدائع الزهور) يقول :(فلما دخل إبن عثمان من باب النصر وشق من القاهرة وقدامه المشاعلية تنادى للناس بالأمان والاطمئنان والبيع والشري والأخذ والعطا، وأن لا أحداً يشوش على أحد من الرعية، وقد غُلق باب الظلم وفتح باب العدل، وأن كل من كان عنده مملوك جركسي من مماليك السلطان ولا يغمز عليه شنق على باب داره، والدعاء للسلطان الملك المظفر سليم شاه بالنصر، فضج له الناس بالدعاء من العوام، فلم تسمع العثمانية من هذه المناداة، وصاروا ينهبون بيوت الناس حتى بيوت الأرباع في حجة أنهم يفتشون على المماليك الجراكسة، فاستمر النهب والهجم عمالاً فى البيوت ثلاثة أيام متوالية، وهم ينهبون القماش والخيول والبغال من بيوت الأمراء والعسكر، فما أبقوا في ذلك ممكن).

وفي موضع آخر يقول إبن إياس عن فظائع العثمانيين : (ثم إن العثمانية طفشت في العوام والغلمان من الزعر وغير ذلك، ولعبوا فيهم بالسيف، وراح الصالح بالطالح، وربما عوقب من لا جنى، فصارت جثتهم مرمية على الطرقات من باب زويلة إلى الرملة ومن الرملة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى الناصرية إلى مصر العتيقة، فكان مقدار من قُتل في هذه الوقعة من بولاق إلى الجزيرة الوسطى إلى الناصرية إلى الصليبة فوق العشرة آلاف إنسان في مدة هذه الأربعة أيام، ولولا لطف الله تعالى لكان لعب السيف في أهل مصر قاطبة).
(ثم إن العثمانية صارت تكبس على المماليك الجراكسة في البيوت والحارات، فمن وجدوه منهم ضربوا عنقه، ثم صاروا العثمانية تهجم الجوامع وتأخذ منها المماليك الجراكسة، فهجموا على جامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع إبن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات ويقتلون من فيها من المماليك الجراكسة، فقيل قبضوا على نحو ثمانمائة مملوك ما بين أمراء عشرات وخاصكية ومماليك سلطانية، فضربوا أرقابهم أجمعين بين يدي إبن عثمان).
(وفي أواخر هذا الشهر تشحّطت الغلال من القاهرة وارتفع الخبز من الأسواق، وسبب هذا الأمر أن العثمانية لما دخلوا إلى القاهرة نهبوا المغل الذي كان في الشون وأطعموه لخيولهم، حتى لم يبق بالشون شيئاً من الغلال، ونهبوا القمح الذي كان بالطواحين واضطربت أحوال الناس قاطبة، ثم إن الأخبار ترادفت بأن السلطان طومان باي ظهر أنه بالصعيد عند أولاد إبن عمر).

وكان هنا البطل المقاتل يستعد مجدداً لجولة جديدة ضد سليم الأول، ولكنه رغم بطولاته ووفقاً لابن إياس استشهد ومُثل بجثته من قِبَل العثمانيين الذين يدعون الفتح الإسلامى لمصر، رغم أن الإسلام يرفض التمثيل بالجثث ولكن (دواعش التاريخ) من العثمانيين ودواعش الحاضر من أحفادهم (أردوغان) وجماعاته الإرهابية ف] سوريا والعراق، والآن ف] مصر، لا يجدون حرجاً في تكرار نفس السيناريو الإرهابي الذي قاموا به عندما غزوا مصر عامي 1516م – 1517م.
إن خلاصة (المجد العثماني الدامي) الذي يعد به أردوغان المصريين اليوم ويهاجم به من قام بتغيير إسم شارع سليم الأول؛ تمثل في الدم والتخلف، إن كتب التاريخ تؤكد أن العثمانيين بقيادة سليم الأول هذا قد قتلوا عشرة آلاف مصري ودمّروا 53 حرفة ومهنة في الأيام الأولى لغزوهم البلاد وهجّروا أصحابها إلى الأستنانة .. فانحطت الصناعة والزراعة وعمّ الجهل، وسرقت مئات المخطوطات النادرة ومنها مخطوطات السخاوي والمقريزي.
وتؤكد المراجع التاريخية الموثّقة أن عدد سكان مصر تناقص من 9 ملايين في بداية الغزو العثماني ليصل إلى 2 مليون بعد رحيل دولتهم عن مصر، بعد ثلاثة قرون من الدم والذل وإشاعة المرض والفقر، تلك هي (الدولة العثمانية) التي يعد أردوغان المصريين بإعادة حكمها على أيدي الإخوان مجدّداً؛ وهو حلم صار بعيد المنال اليوم (2018) بعد أن أضحى الرفض من (الشعب)، وليس من النظام الحاكِم وحده، لأن التاريخ والتجارب الفاشلة والدامية لتلك التيارات والجماعات، والدول، في حُكم مصر، كانت وحدها كافية لرفض عودتها لحُكم مصر.. تماماً، بل رفض حتى أن تسمّى الشوارع بأسماء قادتها، ومنهم سليم الأول لأن في ذلك خيانة لدماء الشهداء المصريين الذين قتلهم هذا المُحتل !! والله أعلم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً