حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

كيف يُزوِّر الإعلام المُعادي أحداث الغوطة؟

الحملة الإعلامية الأطلسية والعربية التابعة لا تمانع في موت أهل الغوطة طالما أنهم يشكّلون مادة لشيطنة الجيش السوري ولتنفيذ مخطّطات مُشغّلي المسلحين. ولا يكترث لموت أهل دمشق طالما أن استهدافهم قد يشكّل ضغطاً على الدولة لمنع تطهير الغوطة من إرهابييه. ولكنه يجنّ لموت التنظيمات الإرهابية، مادياً ومعنوياً، لأن تحرير الغوطة سيعني تحرير دمشق كلياً، تأمينها وفقدان ورقة الضغط الأهم على الدولة.

فرنسا تُحاضر في العفاف وتطالب بالممرات الإنسانية، لتمرير كل ما هو غير إنساني ولإطالة أمد القتال

في زيارتي السابقة إلى دمشق جلتُ حول السور برفقة صديقة تقيم قرب باب شرقي، فرحة بما أنجزه طلاب كلية الفنون من ترميم السور وتحديث المنازل التراثية داخله ( حول سور دمشق، الميادين.نت) .  قبل أكثر من شهر تعرّض منزلا صديقتي  وجارها لقصف من مسلّحي غوطة دمشق ، دُمّرا، جُرِحت هي واستشهد الجار.منذها، لم يتوقف مطر القذائف والهاونات على باب توما والقصّاع وباب شرقي . اتّسع النطاق ليشمل كامل دمشق . كنت هناك . ليلاً نهاراً كانت غرفة الفندق تهتزّ، صديقتي وعدتني بالزيارة بعد الظهر، تأتي قبله، لم تستطع الوصول إلى عملها في باب توما، حتى الظهر فاق عدد القذائف العشرين،  عوائل توقّفت عن إرسال الأطفال إلى المدرسة لأنها في مرمى القذائف ولأن المسلحين يتعمّدون توقيت خروج الأطفال. صاروخ يُردي شاباً مُستلقياً على سريره. من المزّة تأتيني صديقة أخّرت موعدها معي قليلاً بسبب القذائف...ثم جاءت...في الطريق إلى التلفزيون سيارة تحترق، على ساحة الأمويين سبعة شهداء بهاون، في جرمانا القصف لا يتوقّف ، اليوم ركن الدين  وبقعة أخرى من دماء الناس...والمطلوب من الجيش السوري أن يترك عاصمته تحت نيران طوابق الخنادق في جوبر وغيرها ...

في الغوطة أيضاً أطفال يموتون، وهم يحملون هوية سورية لا تختلف بشيء عن هوية أطفال دمشق. مع فارِق إن أهل دمشق يعيشون كأيّ شعب طبيعي في ظلّ دولة طبيعية، بمؤسّساتها الشرعية والمدنية ، يذهبون إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، يعودون إلى بيوتهم ويمرّون بأسواقهم ومحلاتهم، يخرجون في المساء إلى مقاهيهم  وزياراتهم ، يتدرّبون في المسارح ودار الأوبرا بشكلٍ حثيث على عروض الموسم . لا تشعر أنت القادِم من الخارج بأن شيئاً من حركة الحياة قد تغيّر لديهم، رغم القصف العشوائي . وحده إصرارهم على الحياة يقترن بإصرارهم على الحفاظ على آلية ومشروعيّة الدولة. في حين أن أطفال الغوطة يعيشون في كنَف تنظيمات إرهابية بتعريف الأمم المتحدة وتعريف المنطق، يعيشون رهائن مسلحيها وإرهابييها من سوريين وغير سوريين، يُقاتلون بالوكالة عن السعودية أو قطر أو تركيا أو ...

الحملة الإعلامية الأطلسية والعربية التابعة  لا تمانع في موت أهل الغوطة طالما أنهم يشكّلون مادة لشيطنة الجيش السوري ولتنفيذ مخطّطات مُشغّلي المسلحين. ولا يكترث لموت أهل دمشق طالما أن استهدافهم قد يشكّل ضغطاً على الدولة لمنع تطهير الغوطة من إرهابييه. ولكنه يجنّ لموت التنظيمات الإرهابية، مادياً ومعنوياً، لأن تحرير الغوطة سيعني تحرير دمشق كلياً، تأمينها وفقدان ورقة الضغط الأهم على الدولة. 

الحملة الإعلامية ليست فقط وليدة تطوّرات الغوطة، بل أن العكس هو الصحيح. بالأمس نشرت جريدة الأخبار وثيقة أميركية خطيرة حول مشروع تقسيم سوريا جاء في بنودها :  "علينا أن نستفيد إيجاباً من هشاشة وضع فلاديمير بوتين في المرحلة الانتخابية من أجل دفع الروس إلى التخلّي عن الرئيس الأسد عبر المزيد من الاجتماعات في مجلس الأمن، وأوسع حملة إعلامية ضدّه".

الحملة الإعلامية كما تقول الوثيقة تتركّز على الأمور الإنسانية وتجريم روسيا الداعِمة للرئيس الأسد. بنود لا تبدو جديدة ، ولكن مستجدات ما تطرأ على خطابها ، في اتجاهات كثيرة ، خاصة خلط وبلبلة المفاهيم والمُصطلحات. خلط يبدو وكأنه نتيجة جنون تسبّبه فكرة تحرير الغوطة، ولكن التمعّن يُفضي إلى أبعد من ذلك.

  عبارات غريبة تكرّرها الأبواق كالببّغاوات، من مثل: " تكرار تجربة حلب" فما هي تجربة حلب ؟ ولماذا يخشى هؤلاء تكرارها؟  تحرير المدينة وإجلاء مسلحين كانوا يمطرونها ليل نهار بالقصف والدمار، بالتالي تأمينها، عودة الحياة الطبيعية، وانطلاق إعادة الإعمار خاصة في ما يخصّ صناعاتها التي دمّرتها الميليشيات لحساب التركي . من دون أن ننسى بنداً في تجربة حلب وهو وجود عشرات القيادات الأجنبية مع المسلحين والتي أُجليت معهم في السيارات المُظلّلة، فهل ثمة مثلهم في الغوطة؟  فلماذا لا تذهب ماكينة الإعلام إلى حلب وترصد نتائج " تجربة حلب"  ليفهم الجميع كيف شكّلت رداً على جميع أهداف الحرب على سوريا؟ ولماذا يخاف  أعداء سوريا تكرارها في الغوطة وفي غيرها.

أما المثال الثاني فهو اللعب التقليدي على الوتر الإنساني، والذي تختصّ بقيادته فرنسا، دائماً. وكأنها ليست الدولة الاستعمارية التي دكّت دمشق يوماً بالمدفعية وقمعت ثورة دير الزور وحلب بالنار، وكأنها، ليست المسؤولة عن أكبر مجزرة في التاريخ الحديث – راوندا- .

فرنسا تُحاضر في العفاف وتطالب بالممرات الإنسانية، لتمرير كل ما هو غير إنساني ولإطالة أمد القتال، عِلماً بأن الوثائق تؤكّد وجود مخزونات ضخمة من المواد المدنية والحربية في أنفاق الغوطة .

المثال الثالث: هجوم أبواق بعض العرب وإسرائيل على الولايات المتحدة، عرّابهم الأساس، واتهامها بالتقصير في حمايتهم في الغوطة، ومن ورائها على الدول الأوروبية التي يشتكون من أنها تدعمهم إعلامياً لا فعلياً. بل وحتى على إسرائيل، فيما يذكرنا بمراهنة هؤلاء على التدخّل الأجنبي المباشر منذ الأسبوع الأول ل : " ثورتهم المباركة" التي " ستحرّر سوريا". وفي ما يؤدّي بنا إلى سؤال أخطر : أهي إشارة أميركية لهذه المطالبة الخائِنة لتبرير بقاء الأميركي ورفع سقف تدخله؟

غير أن أغرب تعبير سمعناه من هؤلاء خلال الأيام الماضية هو: "منع عودة النظام إلى احتلال الغوطة الشرقية". فهل من سوريالية كهذه؟ خاصة عندما نسمعها على وسيلة إعلام بريطانية، على لسان أكاديمي وصحافي يعملان في الفلك السعودي؟ فهل هي دلالة على الإفلاس ؟ أم هي مقدّمة للحديث عن منع الدولة من العودة إلى مناطق شرق الفرات التي تنوي واشنطن وحلفاؤها سلخها، ضمن مخطّط تقسيم سوريا؟

أمثلة من كثير من ملامح الاستراتيجيات الإعلامية الجديدة لأعداء سوريا. لا بدّ من رصدها ووضعها على طاولة الاستراتيجيات الإعلامية المُضادة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}