موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

موسم الفوضى الأميركي

في الحقيقة، إن ما انتهى إليه البشر في الحُقبة الرأسمالية أسوأ من غابات هوبز ويوتوبيا روسو، ومن كل ما كُتِب حول الاغتراب وتحوّل المُنتجين والمُستَهلكين معاً إلى أرقام في آلاتٍ جبّارة عمياء بقدر ما تنطوي عليه من ثورة تكنولوجية.

نحن اليوم إزاء شريعة غاب حقيقية

لاشيء يُكثّف المشهد الراهِن كما العناوين الروائية للكاتبين، وول سوينكا في "موسِم الفوضى" وهيرمان هيسه في "الكُريات الزجاجية"، وإذ تُعالِج الأولى الفوضى الدموية والطائفية التي شهدتها نيجيريا وحرب بيافرا النفطية، يَحضر الشرق في الثانية كموروث غامِض من الصعب الإمساك به.

ولنا أن نُضيف على هذا المشهد، ما أطلقه دريدا في فلسفة التفكيك التي لا تُبقي ولاتَذَر من السرديّات الكُبرى بما هي مركزيّة الدول والمجتمعات والعقل والنصّ، والأيديولوجيا والهويّة والتاريخ ... إلخ

الفوضى والتفكيك وعالم كالكُريات الزجاجية على سطحٍ أملسٍ بحوافٍ مُهترِئة، وبعد، ماذا عن مسرح الفوضى في المشهد الراهِن:

حسب آلان تورين، فالمجتمع ما بعد الصناعي، إذ يخسر أركان المجتمع السابق وثقافته وصمّامات أمانه، يُطلِق منظومات اجتماعية قَلِقة في مواجهة الرأسمالية الكلاسيكية والاشتراكية على حدٍ سواء، وإذ يُخلخِل مفهوم الطبقات، لايؤسّس لمُقارَبات نظريّة ذات شأن.

وحسب آلان توفلر في "تحوّل السلطة"، فإن لاعبين جُدداً يستحوذون على حصص أكبر من حصص اللاعبين القُدامى، لكنهم على درجة عالية من تهديد المنظومة العالمية برُمّتها، وهم المافيات والأصوليات التي تتغذّى من انعدام الأمل لدى الطبقات الوسطى والعمالية أو ما تبقّى منها.

ويُلاحِظ توفلر أن بديل الأحزاب والمجتمع المدني ذائِع الصيت سابقاً، ليس أقل إشكالية بالنسبة إلى المنظومات المُتعارَف عليها، فالشبكاتية التي تبدو كديموقراطية أفقية واسعة تتحوّل إلى كُرَيات زُجاجية بلا ضفاف كما في رواية هسه.

وليست الأحزاب وحدها تدفع ثمن الثورة المعلوماتية، بل الهويات ودولة وستفاليا "القومية البرجوازية" وتتحوّل المدن بالتدرّج إلى ثقوبٍ سوداء كوزموبوليتية.

ولا تبدو النزعات الانفصالية حتى في أوروبا والولايات المتحدة، مُقبِلة على خيارات "راشِدة" بقدر ما تبدو كمظهرٍ للفوضى والعماء الناجِم عن العولَمة الرأسمالية.

كما يَلحَظ الجيل الجديد من مدرسة فرانكفورت "الماركسية الفرويدية" أن الفن والجمال لم يعودا حبل الخلاص من الانحطاط الرأسمالي كما لاحظ الجيل القديم "أدورنو وهوركهايمر"، فذوق المُكعّبات والأرقام الجامِدة هو العدو الأول للجمال والفن ومثله الأخلاق، وتعالقاتها الحق والعدالة والسعادة.

فإنسان اليوم كما تنبّأ هكسلي في "العالم الطريف" وآورويل في رواية "1984" هو "الإنسان العاري" نفسه .

وليس عالم السياسة أكثر انضباطاً، بل هو أكثر فظاظة حيث يجري الاستهتار بأبسط الأعراف والضوابط الدولية التي شيّدها هذا العالم في مواثيق وبروتوكولات لحماية الرأسمالية نفسها.

ويُشار هنا إلى المواثيق التي ترافقت مع تأسيس عُصبة الأمم ثم الأمم المتّحدة، وحاولت ضبط الصراعات والحروب والأزمات المُختلفة، بإعلانات عن حقوق الإنسان وقواعد الحرب والحماية الجُمركية وغيرها، كما يُشار إلى محاولة تلطيف الرأسمالية المتوحّشة، بأشكال من التدخّل الاجتماعي للدولة، على غِرار الكينزية.

فنحن اليوم إزاء شريعة غاب حقيقية، تؤكّد ما قاله توماس هوبز في "اللوياثان" "الإنسان ذئب أخيه الإنسان"، وتدفع إلى الوراء كل ما قاله خصوم أو مُناهضو هوبز سواء في ذهابهم إلى أن الطبيعة الأولى هي حال خير بحد ذاتها "روسو والرومانسيون"، أو عبر الحل الثالث الذي جاء به جون لوك "الإنسان يولَد صفحةً بيضاء".

وفي الحقيقة، فإن ما انتهى إليه البشر في الحُقبة الرأسمالية أسوأ من غابات هوبز ويوتوبيا روسو، ومن كل ما كُتِب حول الاغتراب وتحوّل المُنتجين والمُستَهلكين معاً إلى أرقام في آلاتٍ جبّارة عمياء بقدر ما تنطوي عليه من ثورة تكنولوجية.

وسواء كان روسو مفتوناً بالدجاج المُلوَّن وصياح الديك في القرى القديمة، وكان هوبز مفتوناً بعواء الذِئاب في الليالي البارِدة، فإن ناسَ الحُقبة الرأسمالية، أشبه بالدجاج الأبيض، لوحة صمّاء بكماء، تُدار من موظفٍ في غرفة خلفيّة من غُرَف الغابات المتوحّشة الجديدة في مانهاتن وغيرها.

وفي المُحصّلة العامة، وبدلاً من أن تصبح المعرفة قوّة مُنشِّطة للعقل النقدي الجَدَلي الإنساني، تستقلّ عنه وتُطبِق عليه بأسلاكها الإلكترونية وتُحيله إلى جثّةٍ هامِدَة بأسماء وأقنعة شتّى، من العقل الماضوي، إلى العقل المستقيل إلى اللاعقل، بل إن المُفكّر اليساري المجري، لوكاتش، وهو يقرأ الاستعجال الألماني على نهضة علمية سريعة، حذَّر من طحن العقل في طريقها، حيث تواكب الفاشية والنازية مثل هذا الاستعجال، ونشر ذلك في رباعية نظرية بإسم "تحطيم العقل".

هكذا يتساوى العقل الماضوي والعقل العلموي في الموقف نفسه، ويُحيلان البشر إلى حائِط إعدام على مَدارِ الساعة..

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}