ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

هل يُشعِل الغاز الحروب في المتوسّط؟

يبدو أن كلاً من إسرائيل وتركيا تحاولان أن تأخذا عبر "البلطجة" ما لا تقدران على تحصيله من خلال القانون الدولي، بالتالي على الدول المُتضرّرة كقبرص ومصر ولبنان، أن ترفع شكواها للأمم المتحدة لحلّه عبر القانون، وإن لم تستطع فليس أمامها إلا استعراض القوّة لردع دول لا تفهم سوى لغة القوّة.

إن الاعتبارات القانونية التي تتذرّع بها تركيا للقيام باستعراض قوّة في المتوسّط تُناقض بعضها البعض

مشكلتان طافتا على السطح بعد الإعلان عن وجود الغاز في المتوسّط؛ الأولى هي التهديد الإسرائيلي للبنان والمحاولات الأميركية لحضّ لبنان على اقتسام البلوك رقم 9 مع الإسرائيليين، وذلك بالرغم من إقرار الأميركيين سرّاً وبالرغم من أن كل الوثائق القانونية تشير إلى أن ملكية البلوك 9 بكامله تعود إلى لبنان، بالمقابل أعلن اللبنانيون موقفاً موحّداً بأنه لا يمكن التفريط بأية حدود بحرية ولا تنازل عن أيّ جزءٍ من الحقوق اللبنانية في المنطقة الاقتصادية الخالِصة مهما كان الثمن.

أما الثانية فتتجلّى في التهديد التركي لقبرص بعد بدء أعمال التنقيب عن الغاز، فلقد قامت السفن الحربية التركية بمنع سفينة حفر استأجرتها شركة إينى الإيطالية بعد اتفاق بين قبرص ومصر حول ترسيم الحدود بينهما وبدء التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسّط.

ولقد ساق الأتراك ذرائع عدّة مُتناقِضة ومُتضارِبة من ضمن محاولات السطو على الغاز في منطقة شرق المتوسّط، إذ تذرّعوا بحقوق القبارصة الأتراك في الطاقة والنفط تارةً، وطوراً برفض الاتفاقية بين قبرص ومصر باعتبارها تنتهك حقوقهم الاقتصادية في المنطقة المذكورة.

لقد كانت اتفاقية قانون البحار لعام 1982 واضحة في تحديد المنطقة الاقتصادية الخالِصة للدول الساحلية، بأنها "المنطقة الواقعة وراء البحر الاقليمي للدولة ومُلاصِقة له" (المادة 55)، وحدّدتها بمسافة 200 ميل بحري من خط الأساس. ثم حدّدت المادة (56) بأنه "يكون للدولة الساحلية حقوق سيادية بغرض استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية الحيّة منها وغير الحيّة للمياه التي تعلو قاع البحر، ولقاع البحر، وباطن أرضه، وحفظ هذه الموارد، وإدارتها إلخ..." أي أن الدولة الساحلية لها كامل الحقوق في استغلال الثروات التي تحتويها تلك المنطقة المُلاصِقة لشواطئها. ولقد لحظت الاتفاقية أيضاً أن تحديد المنطقة الاقتصادية الخالِصة بين الدول ذات السواحل المُتقابِلة أو المُتلاصِقة (حيث لا توجد مساحة كافية لإعطاء كل دولة 200 ميل بحري) يتمّ عن طريق الاتفاق بين الأطراف المعنيّة على أساس العدالة والإنصاف، وفي حال فشل الاتفاق يتم اللجوء إلى إحدى طرائق تسوية المُنازعات المنصوص عليها في الاتفاقية.

أما تركيا التي لم تنضم لاتفاقية قانون البحار لعام 1982، وذلك لأنها تعتبر أنها تضرّ بها بشكل كبير، خاصة بعدما أعطى هذا القانون الحق للجزر (بعكس ما جاء به مؤتمرا 1958 و1960) جرفًا قارياً والحق في منطقة اقتصادية خالِصة، وهذا يعني أن الجزر اليونانية الممتدة أمام الساحل التركي لها جرفٌ قاريّ ومناطق اقتصادية خالِصة وهو ما يحرم تركيا من الاستفادة من هذه الثروات في المتوسّط.

وبنفس المنطق السابق، تعتبر تركيا أن قبرص هي جزيرة وليست دولة ساحلية وبالتالي لا يحق لها بمنطقة اقتصادية خالِصة وجرفٍ قاريّ، ما يعني أن كل البحر الممتد من السواحل التركية حتى حدود مصر في منطقتها الاقتصادية الخالِصة هو من الحقوق التركية.

بالمقابل، تُطالب تركيا باعتماد معيار "الجرف القاريّ" الذي نصّت عليه المادة 76 من الاتفاقية، وهي تعني المناطق المغمورة بمياه البحر ذات الضحالة النسبية، والتي تفصل عادةً ما بين الكتل اليابسة المكوّنة للقارات وقاع البحار ذات العُمق الكبير، وتدّعي أن اعتماد هذا المعيار يعني أن كل المنطقة البحرية الواقعة بين الحدود التركية والمصرية يجب أن تتقاسمها الدولتان من دون إعطاء أية حقوق لقبرص واليونان.

إن الاعتبارات القانونية التي تتذرّع بها تركيا للقيام باستعراض قوّة في المتوسّط وتمنع قبرص من التقيب عن الغاز في منطقتها الاقتصادية الخالِصة، تُناقض بعضها البعض، فإن التذرّع بأن ليس للجزر حق في منطقة اقتصادية خالِصة يدحضه القانون الدولي للبحار لعام 1982 باعتباره القانون النافذ دولياً، كذلك يتناقض مع الادّعاء التركي بأن للقبارصة الأتراك حقوقاً في هذه الثروة في المتوسّط فإذا لم يكن هناك حقوق للجزر في مناطق اقتصادية كيف يكون لقبرص التركية هذا الحق؟ عِلماً أن المنطقة التي يتمّ التنقيب فيها ليست من ضمن الشواطئ التي تُشرف عليها أجزاء قبرص التركية.

في المُحصّلة، يبدو أن كلاً من إسرائيل وتركيا تحاولان أن تأخذا عبر "البلطجة" ما لا تقدران على تحصيله من خلال القانون الدولي، بالتالي على الدول المُتضرّرة كقبرص ومصر ولبنان، أن ترفع شكواها للأمم المتحدة لحلّه عبر القانون، وإن لم تستطع فليس أمامها إلا استعراض القوّة لردع دول لا تفهم سوى لغة القوّة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً