عبد الله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية.

اقتتالُ إدلب ثاراتٌ فصائلية أم صراعٌ على النفوذ؟

ثمة شُبهة بضلوع الولايات المتحدة في تحريك أحداث إدلب، خاصة لجهة الحديث عن تنسيق عمليّاتي كان قد بدأ بالتنامي بين "حركة الزنكي" من جهة و"جيش الثوّار" أحد مكوّنات "قوات سوريا الديمقراطية" في مدينة عفرين، بذريعة مُحاربة الجيش السوري والقضاء على "جبهة النصرة".

الأوضاع في إدلب وغيرها من مناطق خفْض التصعيد مقبلة على تطوّرات ساخِنة

اختلطت الأوراق مجدّداً في محافظة إدلب على وقْعِ تغيُّر خرائط السيطرة نتيجة الاقتتال الدائِر بين "جبهة تحرير سوريا" من جهة و"هيئة تحرير الشام" من جهة ثانية للأسبوع الثاني على التوالي. وفيما كان لافتاً أن يكشف هذا الاقتتال عن "الوجه الانسحابي" لأبي محمّد الجولاني، تصاعدت تساؤلات كثيرة حول خلفيّاته ودوافعه وإمكانية وجود امتدادات إقليمية ودولية له.

وما يعزّز من أهمية هذه التساؤلات أن تطوّرات إدلب جاءت بالتزامُن مع تطوّرات الغوطة الشرقية التي تشهد "كباشاً" دولياً حول مصيرها. إذ يضع هذا التزامُن مستقبل مناطق خفْض التصعيد بما تُمثّله من توازُنات دقيقة بين الدول الضامِنة الثلاث روسيا وإيران وتركيا، أمام اختبار قد يكون الأصعب حتى الآن.

ومما له مغزى أن تشكيل "جبهة تحرير سوريا" من تحالف "الزنكي" و"أحرار الشام" لم يُبصِر النور إلا بعد انتهاء عملية الجيش السوري في ريف إدلب الشرقي والتي توّجت بسيطرته على مطار أبو الظهور العسكري، ومن ثم التفاته إلى إطلاق عمليته الحاسِمة في الغوطة الشرقية. إذ يبدو أن هدوء الجبهات مع الجيش السوري في إدلب، شجّعَ الفصائل على استحضار ثاراتها القديمة في ما بينها والعمل على إعادة ترسيم مناطق نفوذها بما يتوافق مع خريطة التحالفات الجديدة، وبما ينسجم مع الواقع المُستجدّ الذي فرضته عملية "غصن الزيتون" التركية في عفرين المجاورة.

وقد يكون الهدف النهائي لهذا الاقتتال هو قطْع الطريق أمام الطموح الروسي بتوليّ مهمة القضاء على "جبهة النصرة" خلال العام الحالي، تنفيذاً للتهديد الذي أطلقه المسؤولون الروس بأن عام 2018 سيكون عام القضاء على هذا التنظيم الإرهابي. ولكن ليس هناك أيّة مؤشِّرات على وجود قوى إقليمية أو دولية تدعم تحقيق هذا الهدف من خلال الاقتتال الدائِر. إذ أن أنقرة تقف حتى الآن، مُتفرِّجةً غير عابِئة بمُجريات المعركة بين "الجبهة" و"الهيئة" طالما تُدرِك أن مصالحها ستبقى محفوظة بغضّ النظر عن هويّة الطرف المُنتَصر.

وقد يكون وقوف "فيلق الشام"، وهو من أكثر الفصائل دعماً من قِبَل تركيا، على الحياد بين الفصيلين المُتصارعين، مؤشِّراً على حقيقة الموقف التركي، خاصة أنه ترافَق مع موقف مُماثِل من قِبَل "جيش إدلب الحر" و "جيش العزّة" وغيرهما من الفصائل التي رفضت الانخراط في الاقتتال.

وكان ثمة شُبهة بضلوع الولايات المتحدة في تحريك أحداث إدلب، خاصة لجهة الحديث عن تنسيق عمليّاتي كان قد بدأ بالتنامي بين "حركة الزنكي" من جهة و"جيش الثوّار" أحد مكوّنات "قوات سوريا الديمقراطية" في مدينة عفرين، بذريعة مُحاربة الجيش السوري والقضاء على "جبهة النصرة". ويتّسق هذا السيناريو مع تصريحات سابقة لأكثر من مسؤول كردي حول نيّة "قسد" التوجّه إلى قتال الإرهاب في إدلب. لكن من الواضِح أن هذا السيناريو قد أصبح من الماضي منذ شروع الجيش التركي بغزو مدينة عفرين وانشغال "قسد" بالدفاع عنها.

لذلك فإن الاحتمال الأرجح هو أن يكون الاقتتال بين "الجبهة"  و"الهيئة" هو صِراعٌ على النفوذ على وقْعِ الثارات المُتبادَلة بين الأطراف الثلاثة "النصرة" و"الزنكي" و "الأحرار" ، نتيجة المعارك السابقة في ما بينها. وقد يكون "الزنكي" و"الأحرار" اعتبرا وقف عمليات الجيش السوري في إدلب وتوجّهه نحو الغوطة، فرصة لاستغلال حال الهدوء التي عمّت في المحافظة كي تُعيد صوغ موازين القوى، وتفرض نفسها كجهة لا يمكن تخطّيها في أية تسوية مُقبلة. وربما تكون رسالة إلى أطراف إقليمية ودولية مفادها وضع هذين الفصيلين إمكاناتهما في خدمة القضاء على "النصرة" مقابل تصدّرهما للمشهد السياسي في الشمال السوري.

لكن هذا يتطلّب إثبات قُدرتهما على القيام بالمهمة التي أخفقا فيها عدّة مرات في أوقاتٍ سابقة. لذلك فإن تصدّر هذين الفصيلين سيبقى محل تساؤل، خاصةً أن السياسة اللانسحابية التي يتبعها أبو محمّد الجولاني والتي جعلت "الزنكي" و"الأحرار" يشعران بنشوة النصر، قد تنقلب ضدّهما في أيّ وقت، لا سيما أن الجولاني ما زال يمتلك جيشاً وترسانة عسكرية لا يُستهان بهما.

ويرى البعض أن الجولاني يحاول من خلال الانسحاب من ريف حلب الغربي وريف إدلب الجنوبي، ضرب عصفورين بحجرٍ واحدٍ الأول هو احتواء السّخط الشعبي ضدّه عبر إظهار نفسه بمظهر المُعتَدى عليه، والثاني هو تجميع قوّاته في نقاطٍ مُحدّدةٍ وتحشيدها تمهيداً للقيام بهجوم مُعاكِس يستعيد فيه المناطق التي خسرها، ولا يتوقّف حتى خوض معركة الموت أو الحياة ضد "الزنكي"  و"الأحرار".

وعليه فإن الأوضاع في إدلب وغيرها من مناطق خفْض التصعيد مقبلة على تطوّرات ساخِنة، خاصة مع الإعلان عن تشكيل جماعة "حرّاس الدين" المكوّنة من جماعات مُبايعَة لزعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري. وفيما تتمركز معظم هذه الجماعات في محافظة إدلب، إلا أن بيانها الأول دعا إلى "إنقاذ الغوطة" ووقف الاقتتال الفصائلي في إدلب. ولا شك في أن ظهور هذا التنظيم سيكون له تأثير على طبيعة المواقف على الأرض، وسيدعم وجهة النظر السورية الروسية بضرورة مُحاربة الإرهاب في عقر داره سواء في الغوطة أو إدلب أو غيرهما.

ومن شأن الإعلان عن هذا التشكيل "القاعدي" الجديد  أن يضع كلاً من "الزنكي" و"الأحرار" أمام اختبار الحقيقة حول ما إذا كان هدفهما هو قِتال "الإرهاب" بالفعل أم الانتقام من الجولاني فقط.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات