بثينة شعبان

مفكرة عربية

من يقرع الباب يسمع الجواب

حين أصرّ الأميركيون على أسلوبهم المتعالي، واعتقادهم بأنّهم قوّة لا تُقهر، وضع الرئيس بوتين عناصر القوّة الرّوسية على الشاشة كي يروا أنّهم لن يتمكّنوا بعد اليوم من التلاعب بمصير البشر.

قرع ترامب الباب في 30 كانون الثاني/يناير وسمع الجواب من موسكو في 1 آذار/مارس

حالما أنهى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطابه السنوي أمام "الجمعية الاتحادية الروسية"، سارعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الاتصال بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وكذلك فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليتباحثوا ويعبّروا عن قلقهم الجدّي بشأن تصريح بوتين عن الأسلحة النووية، ويؤكّدوا أن هذه التصريحات تحرف المناقشات البنّاءة بين روسيا والغرب.

كما ذهب مسؤولون وإعلاميون إلى اتّهام الرئيس بوتين بإعادة إشعال فتيل الحرب الباردة، ولكنّ الإعلام الغربي، كعادته، تناسى أنّ من بدأ الحديث عن الأسلحة وضرورة تطويرها في خطابه السنوي هو ترامب، الذي قال في خطاب حال الاتحاد في 30 كانون الثاني/يناير 2018: «وكجزء من دفاعنا، يجب علينا أن نُجري تحديثاً ونُعيد بناء ترسانتنا النووية، ونأمل ألّا نضطرّ أبداً إلى استخدامها، بل أن نجعلها قوية جداً، وذات قدرة عالية حتى تردع أيّ أعمال عدوانية تقوم بها أيّ دولة أخرى أو أيّ كيان آخر. ولعلّ يوماً ما في المستقبل ستكون هناك لحظة سحرية تجتمع فيها بلدان العالم لإزالة أسلحتها النووية».

ولكنّ الولايات المتحدة هي التي تقف حجر عثرة في طريق التوصّل إلى اتفاق عالمي شامل لمنع انتشار الأسلحة النووية؛ فقد دعت روسيا مراراً، وآخرها دعوة الوزير لافروف، يوم 28 شباط/فبراير 2018، جميع بلدان العالم إلى الانضمام لعملية نزع السلاح النووي. كان ذلك في كلمة ألقاها لافروف في مؤتمر نزع السلاح في جنيف، حيث عبّر عن قلق موسكو من المواقف الأميركية الجديدة في استراتيجيتها النووية، وخاصّة رفع دور الأسلحة النووية، وخُطط نشر صواريخ القدرة التدميرية المحدودة، التي تحاول أن تطوّق روسيا من كلّ مكان.

فقد قال الرئيس بوتين إنّ واشنطن رفضت كلّ المقترحات الروسية لتسوية قضية منظومة الدرع الصاروخية. وبالعودة إلى خطاب ترامب، فقد طلب من الكونغرس «إنهاء الخفض الخطير لنفقات الدفاع والتمويل الكامل لقواتنا المسلّحة العظيمة». وفي هذا الصّدد، فإنّ زيادة ميزانية الدفاع الأميركية هذا العام، الزيادة فقط، تكاد تُضاهي ميزانية روسيا الدفاعية.

لم يكتفِ ترامب بذلك، بل خصّ روسيا والصين بجرعة من الكراهية والتهديد المبطّن، حين قال: "في جميع أنحاء العالم، نواجه أنظمة مارقة، وجماعات إرهابية، ومنافسين مثل الصين وروسيا، وجميعها تتحدى مصالحنا واقتصادنا وقيمنا، وفي مواجهة هذه الأخطار الرهيبة، فإنّنا نعلم أنّ الضعف أضمن طريق للنزاع، وأنّ القوّة التي لا مثيل لها هي أضمن الوسائل للدفاع الحقيقي المتين عن أنفسنا".

يجب أن نطبّق حقّ الدفاع عن النفس وامتلاك القوّة الرادعة على روسيا أيضاً، التي تواجه أعمالاً استفزازية تمارسها الولايات المتحدة وأوروبا، من عقوبات اقتصادية إلى نشر 400 صاروخ لمنظومة الدرع الصاروخية الأميركية، التي ستنتشر قرب الحدود الروسية، إلى تعليق محادثات الأمن السيبيري، فتمديد العقوبات الأميركية والأوروبية عليها.

لقد أكّد الرئيس بوتين في خطابه أن: "روسيا تطوّر ترسانتها النووية من أجل حثّ الشركاء الغربيين على التفاوض والإصغاء إلى التحذيرات الروسية بشأن عدم جواز الإخلال بميزان القوى الاستراتيجي في العالم. وأنها تطوِّر أسلحة استراتيجية ردّاً على انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من معاهدة الدفاع الصاروخي المضادّ، ونشرها عناصر منظومة الدرع الصاروخية على الأراضي الأميركية وفي أوروبا وفي المياه بالقرب من السواحل الروسية، إضافةً إلى خططها لنشر صواريخ في اليابان وكوريا الجنوبية".

إنّ التناقض المسعور في تصرّف الإعلام الغربي بين ردود فعله على خطاب ترامب وردود فعله على خطاب بوتين يؤكّد، من دون أدنى شكّ، أنّ الإعلام الغربيّ أصبح إحدى أدوات الحرب للنظام الغربي الاستعماري، وأنّ إحدى أولويات روسيا والصين ودولنا جميعاً يجب أن تكون، أولاً وقبل كلّ شيء، اجتراح أدواتٍ إعلاميّة توصل الأصوات الحقيقية إلى أذان السامعين والمشاهدين والمهتمّين، ولا تدعُ الساحة العالمية فضاءً مفتوحاً لمن يدّعون أنهم يقودون العالم بينما هم ينهبون ثرواته ويُشعلون الحروب في كلّ مكان ويسلبون الدول والشعوب مصادر ثرواتهم المحلّية بقوّة السلاح، وبادّعاءات واهية بالحرص على الحرّية وحقوق الإنسان والمدنيين.

ولكنّ السبب الأساسيّ الذي أثار ذعر الغربيين ودعاهم إلى التناجي بسرعة وقلق بشأن خطاب الرئيس الروسي أنّ خطاب بوتين، المرفق بالصور عن الأسلحة القادرة والمتطورة، كان إيذاناً حقيقياً بأنّ روسيا قطب عالمي جديد لا يمكن الولايات المتحدة أو الغرب أن يتجاهلوه بعد اليوم.

وبما أنّ الغرب وواشنطن بالذات قرّرا أن يركّزا على قوّة السلاح، كما بدا واضحاً من خطاب ترامب، فإنّ بوتين أسمعهما صوت روسيا أيضاً بالقول لهما إنّ ميزانية الدفاع الروسية قد لا تكون عالية لأننا ننتج بكلفة قليلة أسلحة متطوّرة لا يمكنكم ردعها أو اعتراضها. واعترافات المعلّقين في الكيان الصهيوني بأنّ الأسلحة الروسية متقدّمة على الأسلحة الأميركية بجيل أو جيلين يفسّر حالة الهذيان التي أُصيب بها المسؤولون الغربيون بعد خطاب بوتين.

لقد فهم الرئيس بوتين، بقيادته الحكيمة، مغزى كلّ التصريحات الأميركية المتعلّقة بروسيا والسلاح النووي وما تحت النووي، وأظهر لهم بالصورة القدرات الرّوسية لكي يعلموا، أنّهم حين يتحدّثون عن روسيا ويفرضون العقوبات عليها، بينما تُصرّ هي على استخدام عبارة "الشركاء الغربيين"، لكي يعلموا أنّ هذا ليس من منطلق ضعف، بل من منطلق محاولة تجنيب العالم حرباً باردة أخرى أو صداماً نووياً أو غير ذلك، ولكن حين أصرّ الأميركيون على أسلوبهم المتعالي، واعتقادهم بأنّهم قوّة لا تُقهر، وأنّ بلدهم فوق مستوى البلدان، وضع الرئيس بوتين عناصر القوّة الرّوسية على الشاشة كي يروا أنّهم لن يتمكّنوا بعد اليوم من التلاعب بمصير البشر. ولم يُغفل أن يذكر "أنّ روسيا ستردّ فوراً على استخدام السلاح النووي ضدّها أو ضدّ حلفائها إذا ما تعرّضوا لأخطار من القوى الأخرى".

لقد قرع ترامب الباب في خطاب الاتحاد في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، وسمع الجواب من موسكو في 1 آذار/ مارس 2018... من يقرع الباب يسمع الجواب.

إنّ القطب الروسي الجديد يخطّ أسلوباً في التعامل ويكسب صدقية تساهم في تعرية القوى الاستعمارية واستهانتها بكرامة الشعوب الأخرى وأمنها وسلامتها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات