فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

شيفرة "مدن الملح".. و"شيفرة" حزب الله

نرى أن شيفرة "أبو ظبي" تقع على طرفي نقيض مع "شيفرة" حزب الله. الأولى أطلسية والثانية عربية مسلمة. الأولى تكونت بمبادرة من البريطانيين وترعرعت في أحضان الأميركيين والغرب عموماً وبعد أن شبت تريد ربط مستقبل الإمارات بالكيان الصهيوني، والثانية ولدت في خنادق القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي وترعرعت بدعم من سوريا وإيران وأحرار العالم وترهن مستقبلها بهزيمة الصهاينة وتحرير الأرض من الاحتلال.

شيفرة "أبو ظبي" تقع على طرفي نقيض مع "شيفرة" حزب الله، الأولى أطلسية والثانية عربية مسلمة

تحتاج  شيفرة "مدن الملح" في الخليج العربي إلى تفكيك لم يضطلع به أحد بصورة جدية، منذ أن سلط الكاتب السعودي الراحل عبد الرحمن منيف أضواء كاشفة عليها في معظم كتاباته."أبو ظبي" هي إحدى هذه المدن التي تلعب اليوم أدواراً أساسية في العالم العربي دون أن تظهر خلفيات هذه الأدوار إلى دوائر الضؤ كفاية، وهي تعنينا في الصميم، لأنها تنسب هذه الأدوار إلى العرب، وليس لقضاياها حصراً، إذ تقول أن سياساتها مصممة لخدمة "أمتها" العربية، ونحن جزءاً منها، ما يعني أن تفكيك شيفرتها مفيد لمصالحنا ولربما لمستقبلنا.

تبدأ مقاربة شيفرة "أبو ظبي" من الموقع. هي عاصمة للإمارات العربية المتحدة التي فرضت عليها بريطانيا العظمى الاستقلال فرضاً عام 1971، ذلك أن حكامها كانوا يرفضون الاستقلال خوفاً من أن يفضي استقلالهم للهيمنة عليهم أو ضمهم من طرف المملكة العربية السعودية أو سلطنة عمان أو العراق. وتفيد مرويات تلك الفترة أن المملكة المتحدة وعدتهم بالحماية، وتلقوا من بعد وعوداً مطمئنة من الولايات المتحدة الأميركية، وكان لهم ما أرادوا من أوروبا والإتحاد السوفييتي، وقد أخلصوا لحماتهم فكان أن حولوا إماراتهم السبع إلى قواعد عسكرية أجنبية وإلى واجهة عرض واسعة الأرجاء لكل السلع والبضائع الغربية. وقد ظل دور هذه الواجهة قاصراً لفترة طويلة على الأمن والإقتصاد إلى أن تحول منذ ما يقارب العقدين إلى الثقافة وصناعة الرأي العام في العالم العربي، واليوم إلى الشراكة في الحرب على التيار العربي المقاوم والممانع.

تتنافس "أبو ظبي" مع إمارة دبي المجاورة على الأدوار الواردة في "عقود الحماية" وبالتالي على تقديم الخدمات التي تفيدة الحماة الأجانب فتستضيف "أبو ظبي" متحف "اللوفر" بنسخة فرنسية كاملة الملامح أثارت سخرية العديد من النقاد الفرنسيين وفرعاً لـ "جامعة السوربون" بشروط فرنسية. ترافق ذلك مع تعهد الإمارة ببناء قاعدة فرنسية بحرية على نفقتها وتستضيف دبي فروعاً لمؤسسات أخرى عديدة.

عمران "أبو ظبي" يلائم أدوار الواجهة تماماً، فتراه منقولاً من هنا وهناك وهنالك من عواصم الغرب الثرية، ومن الطبيعي والحالة هذه أن تكون لغة الحياة اليومية في هذه المدن اللغة الإنجليزية وأن تكون العربية قاصرة على عدد ضئيل من السكان.

ولا نلوم سكان هذه المدن على التحدث بالإنجليزية فهم يشكلون أكثر من 75 % من المقيمين وبالتالي لا تربطهم بالعرب والعروبة وشائج وصلات غير الراتب الشهري الذي يحصلون عليه بشروط أجنبية من شركات أجنبية على أرض عربية اختار أصحابها سياسة وثقافة المحميات التي كانت متبعة قبل الاستقلال.

في "أبوظبي" وإماراتها يصنع قسم مهم من الرأي العام العربي: هنا تتمركز منطقة حرة للإعلام وتمنح جوائز للإعلاميين "المتفوقين"، وفيها شبكة من القنوات السياسية والترفيهية الأهم في الفضاء العربي. هنا تمنح الجوائز العربية الأهم في الأدب والفن. هنا تصنع نجوم الغد في برامج ترفيهية عالية الموازنات. إلى هنا يتطلع كل من يرغب في بلوغ النجومية من المشرق والمغرب العربي. وإلى هنا يتطلع كل من يرغب في أن يصبح نجماً إعلامياً. وإلى هذه المدن يتطلع الراغبون في الحصول على وظيفة كادر رفيع المستوى من حملة الشهادات والمؤهلين في جامعات الغرب العريقة. وإلى هذه المدن يتطلع الراغبون في السياحة في عالم صنعته التنكولوجيا الحديثة من الألف إلى الياء.

كانت "أبو ظبي" بخاصة والإمارات عموماً تحذر لوقت طويل من الصدام المباشر مع الحركات الثورية والقومية واليسارية والأصولية في العالم العربي. وكانت تحرص على تنويع سياسي في حده الأدنى وعلى تعددية جزئية بحيث نرى مركز أبحاث ذو ميول غربية صريحة وأخرى ذو ميول قومية عربية. وكنا نرى محطة فضائية تروج للعدوان الأميركي على العراق وأخرى تناهض هذا العدوان إلى أن سقط العراق ومعه سقطت محطة "أبو ظبي" الفضائية التي اعترضت على العدوان إلى حد كبير وحلت مكانها محطة محلية محدودة الأثر وسقط التنوع لصالح سياسة الحماة.

سيتسع تدخل الإمارات المباشر في الشؤون العربية الداخلية مع موجة "الربيع العربي"، وبخاصة في ليبيا، وبصورة أكبر في اليمن وفي مصر بسبب العداء الإماراتي الكاسح للإخوان المسلمين، ومؤخراً في قطر، وربما بصورة أقل في سوريا وتونس.

كان مفهوما تماماً أن يتسع تدخل "أبو ظبي" المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية بعد انهيار الفزاعة العراقية وتدمير المواقع القومية أو المناهضة للغرب في مصر الناصرية أولاً وفي العراق وليبيا وسوريا وعزل الجزائر من بعد، إلى أن أصبح التدخل الإماراتي في الشؤون الداخلية للدول العربية واجباً، وصار الاقتراب المباشر من إسرائيل بلا حواجز تذكر، إلا ما يتصل منها بمحور المقاومة، لكن هذا الحذر زال مؤخراً بعد انهيار الحواجز القومية كما رأينا للتو وبما يتناسب مع علاقة الإمارات بالغرب والتي صارت تمر مباشرة بالكيان الصهيوني.

تلك هي العناوين العريضة لـ شيفرة "أبو ظبي" ومنها يمكن أن نفهم لماذا خصصت السيدة إبتسام الكتبي رئيسة مركز الإمارات لدراسة السياسات ندوة لتفكيك      "شيفرة" حزب الله. للعلم فإن السيدة المذكورة مستشارة معروفة لدى الحلف الأطلسي الذي استدعاها دون غيرها إلى مؤتمره الخليجي عام 2004. وللعلم أيضاً فإن لدول الحلف مصلحة في تفكيك شيفرة المقاومة، طالما أن بعضها يحتفظ بقوات أساسية تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان منذ نهاية حرب العام 2006.

هكذا نرى ان شيفرة " أبو ظبي"  تقع على طرفي نقيض مع " شيفرة" حزب الله. الأولى أطلسية والثانية عربية مسلمة. الأولى تكونت بمبادرة من البريطانيين وترعرعت في أحضان الأميركيين والغرب عموماً وبعد أن شبت تريد ربط مستقبل الامارات بالكيان الصهيوني، والثانية ولدت في خنادق القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي وترعرعت بدعم من سوريا وإيران وأحرار العالم وترهن مستقبلها بهزيمة الصهاينة وتحرير الأرض من الاحتلال.

في سياق الحرب على سوريا أفتى أحد فقهاء "الربيع العربي" بأن رسولنا الكريم محمد بن عبدالله (صلعم) كان يمكن أن يكون أطلسياً لو عاش في أيامنا، فسقط الفقيه وسقطت فتواه. اليوم تفتي السيدة ابتسام الكتبي بان العروبة الحقيقية تكون أطلسية أولا تكون. والراجح أنها ستسقط على خطى مفتي علماء الأخوان الشهير، رغم الود المفقود بينهما.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات