رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

بدلاً من الاستعمار بـ (الغاز ): متى تستردّ مصر الـ 50 مليار دولار التى نهبتها إسرائيل من سيناء؟!

لقد صدع المنافقون من أهل السياسة والإعلام- في مصر وخارجها _ خلال الأيام الماضية، رؤوسنا بالجدوي العظيمة التي سيجنيها الاقتصاد المصري من استيراد الغاز من الكيان الصهيوني لمدة عشر سنوات بـ 15 مليار دولار، بدعوى إننا سنصدّره ثانية إلى أوروبا ونجني مكاسب مالية تقدّر بالضعف، جرّاء عمليات الإسالة والتصدير.

إسرائيل سرقت ربُع ثروة سيناء من الصخور الثمينة والرخام

ولقد أكّدنا بالمعلومة والوثائق في دراسة سابقة لنا (دراسة التطبيع الحرام في أرض الكنانة _ موقع الميادين 1/3/2018)، كذب هذه الرواية التي تصدر إلى الرأي العام، وبإلحاح وأن حقيقة الأمر أن هذا الغاز لا لإسرائيلي سيُباع في مصر وليس في أوروبا وستجني أرباحه مجموعة من رجال الأعمال المُطبّعين مع العدو الصهيونى بقيادة رجل الأعمال المُطبّع (علاء عرفة ) في قطاع النسيج منذ اتفاقات الكويز عام 2005، وأن أوروبا لن تستقبل هذا الغاز المسروق من الحقول الفلسطينية والمصرية وكأنه شكل جديد من التطبيع والاستعمار.. ولكنه هذه المرة استعمار بـ (الغاز ) الذي يضخّ الحياة في كيان عدواني مجرم من العار أن يسانده ولو بكلمة مثقّف أو سياسي شريف..

ولكن ما علاقة المُنافقين بالشرف أصلاً ؟!! *على أية حال نزيح الستار اليوم عن قضية مهمة نرى أنه من الأهمية للشرفاء والمُحبّين بصدق لوطنهم (مصر) أن يدافعوا عنها وأن يفجّروها إعلامياً وبالقانون الدولي الذي يعتبرها : قضية تعويضات لا تسقط بالتقادُم .. إنْ أحسنَ أصحابها إدارتها والتصدّي لها ، إنها قضية نهْب ثروات سيناء الاقتصادية إبّان الاحتلال الإسرائيلي لها طيلة 15 عاماً (1967-1982)، وهي قضية إنْ بذلَ أهل الحُكم والقانون والإعلام جهداً فيها لاستردّوا أضعاف ما يأملونه من (صفقة العار ) الأخيرة والمُسمّاة بصفقة الغاز... ولنفتح الملف:

تُحدّثنا الحقائق التاريخية أن ثمة حقوقاً مصرية تاريخية، اقتصادية تحديداً، ضائِعة تسبّب فيها الكيان الصهيوني، وفي الوقت الذي يخوض فيه الجيش المصرى معركة باسِلة ضد جماعات الإرهاب المُنظّم ، تظهر إلى السطح معركة أخرى لا تقلّ عنها أهمية وهي معركة تعمير سيناء كمجتمعٍ جديدٍ تم تعطيل حياته طيلة الـ40 عاماً الماضية وأحد أبرز جوانب هذه المعركة ذلك الحق المصري الضائِع، أو بمعنى أدق – قانوناً – المُغتصَب ، من قِبَل إسرائيل أثناء احتلالها لسيناء طيلة 15 عاماً، وهو حق يصل كما سبق وأشرنا إلى 50 مليار دولار وفقاً للوثائق والتقارير الاستراتيجية العالمية التي رصدت آثار الاحتلال الإسرائيلي لسيناء من 1967 حتى 1982، وبإمكان مصر – وفقاً للخبراء – إذا استردّت هذه الحقوق – أن تُعمّر سيناء تعميراً حقيقياً وجاداً يُقضى به على ثالوث الفقر والمرض والجهل الذي أفرز تلك الجماعات العنيفة، وذلك الفراغ الاستراتيجي الذي يُغري بانفصال سيناء عن مصر !! وأن يُغنيها عن الأموال الحرام القادمة من صفقات الغاز مع الكيان الصهيوني.
وإذا كانت التقارير الدولية تؤكّد أن إسرائيل نهبت ما يُعادل (50 مليار دولار) من ثروات سيناء عندما كانت تحت الاحتلال الصهيوني من (1967 – 1982) ، فإن اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام والتي كانت ولا تزال أحد أبرز أسباب غياب الأمن في سيناء شرّعت وقنّنت عملية استرداد هذه الحقوق المالية، ولكن وحُكّام مصر قبل وبعد ثورتيّ يناير2011 ويونيو 2013 لم يطالبوا حتى بتعديلها أو حتى بالعمل بإحدى موادها المهمة ، فالمادة الثامنة من معاهدة السلام الموقّعة بين مصر وإسرائيل في مارس 1979 والتي تنصّ على: « يتّفق الطرفان على إنشاء لجنة مُطالبات للتسوية المُتبادَلة لجميع المُتطلّبات المالية»، هذه المادة لم يتم تفعيلها حتى اليوم (2018) ، ووفقاً لتقرير استراتيجي مكوّن من 750 صفحة و190 خريطة للخبير في الشأن الإسرائيلي (الأستاذ توحيد مجدي وهو إعلامي مصري يعمل في مجلة روزاليوسف )، فإن "إسرائيل" عطّلت أثناء احتلالها سيناء منذ عام 1967 إلى 1982 كل موارِد سيناء السمكيّة والسياحيّة، والتي تُمثّل نحو 30% من مساحة السواحل المصرية مُجتمعة، كما دمّرت الشِعاب المُرجانية المصرية ونقلت 40 % من الحياة البحرية بطريقة إعادة الزراعة حول شواطئها، كما استغلّت كل مُنتجات البترول المُستخرَجة من سيناء لخدمة عَجَلة الحرب والصناعة والاقتصاد الإسرائيلي عن الفترة ذاتها.
وأشار التقرير إلى أن إسرائيل سرقت ربُع ثروة سيناء من الصخور الثمينة والرخام في عمليات تعدين ونقل عملاقة غير مسبوقة، وأخلَت منجمين للذهب في سيناء وأفرغتهما من محتواهما بالكامل، حيث لم يتبقَ منهما سوى أطلال صخرية لا قيمة لها.
ورصد التقرير قيام إسرائيل بقتل 250 ألف مصري مدني وعسكري خلال حروبها على مصر مجتمعة، كما أحدثت إصابات بحوالى مليون مواطن آخر من سكان سيناء ومدن القناة والدلتا وممن خاضوا الحروب المصرية.
والمعروف أيضاً أن قوات الجيش الإسرائيلي نهبت كل فروع البنوك المصرية التي كانت موجودة في قطاع غزّة قبل يوم 5 يونيو 1967.
الغريب أن إسرائيل قامت بسرقة كل محتويات متاحف سيناء المصرية وعدد من القُطَع نقلتها من متاحف مدن القناة، كما نقّبت واستخرجت سرّاً آلاف القطع الأثرية من سيناء، وتركت المواقع الأثرية حُطاماً، وهو البند الذي سينقل للبحث فيه بواسطة منظمة اليونسكو الدولية حال تبنّى الحُكم في مصر لهذه القضية.
المعروف أيضاً قيام إسرائيل أثناء احتلالها لسيناء بتجفيف 30 % من آبار المياه العذبة في سيناء حتي تُحدِث تغييراً على الأرض في التجمّعات السكانية ، حيث سيتجمّع السكان حول المياه وأخلت عشرات القرى بتلك الطريقة تمهيداً لتكريس الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء.
كما أنها استغلّت أعوام الحرب والاحتلال الطويلة وبنَت شبكات عميقة للغاية من أنابيب المياه الجوفية المدفونة حالياً في سيناء ، وسحبت من خلالها المياه ونقلتها إلى داخل إسرائيل ، وتلك المياه تشكّل بالنسبة لإسرائيل 30 % من مصادر المياه التي تحصل عليها بلا مقابل بسبب البنية الجغرافية لسيناء التي تنحدر ناحية إسرائيل بشكل طبيعي، كما أنها أقامت مراكز لتجميع المياه تحت الأرض على الحدود المصرية.
ولم تكتفِ إسرائيل بكل هذا، بل سرقت ملايين الأطنان من الرمال الصالحة للاستخدام الصناعي والتجاري (صناعة الزجاج مثلاً).
واستغلّت سيناء في مجال السياحة أيضاً، وفي الزراعة حيث زرعت فيها الزهور وصدّرتها بمئات الملايين من الدولارات خلال فترة الاحتلال. ** تُرى أين نخبة مصر السياسية والإعلامية .. من هذه الحقائق ؟ وهل بذلوا جهوداً موازية مثل تلك التي بذلوها في التطبيل السياسي والاقتصادي لصفقة الغاز التي سيجني ثمارها ل (الحرام ... شرعاً ومصلحة ) قلّة من رجال الأعمال المُطبّعين.. وليس الشعب المصري الذي لم يجنِ حتى اليوم من سياسات هؤلاء المُطبّعين .. سوى الحنظل ومعه حفنة من الوعود الكاذِبة ؟! أين هم من حقائق ال50 مليار دولار المُستحقّة لمصر عند الكيان الصهيوني والتي يزيدها البعض لتصل إلى 500 مليار وليس 50 ملياراً فقط ؟ هل خرست الألسن وجفّت الصحف .. لأن في فم مَن يُحرّك.. أو يكتب أو.. يحكم ليس ماء... بل (نفط وغاز ودولارات ).. ولا حول ولا قوّة إلا بالله !

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً