عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

حين يُعلمّك أحدهم فن صناعة السعادة

أعياني الاختيار في عروض الكُتب التي لم تستملني عناوينها، فكان أن اشتريت كتاباً كيفما اتّفق، وجدت في عنوانه احتمالاً لتسليةٍ ما، أو بديل عن الأصيل فهي غلطتي على كل حال، وعقابي على نسياني وارتباكي حيال الانتقال إلى حيّزٍ جغرافي غير حيزّي المُعتاد. " صناعة السعادة" عنوان الكتاب اللقيط الذي حملتُه على عَجَل، لكاتبٍ أميركي غير معروف لذلك نسيت إسمه ، وقلت في سرّي فلأصنع سعادة من النوع الذي يرتأيه صاحب هذا الكتاب، ويدّل عليها في عنوان كتابه.

فكرّت وأنا أتصفّح الكتاب وأقرأ عن ثروة الرجل المهولة، أنه كان يسعهُ رفدي بشيء من ثروته نَذْر قليل أعني، وأنا أتدبّر شؤون سعادتي وأتكفّل بالباقي

من المُفارقات المؤذية بالنسبة لي، أن يحملني السفر يوماً إلى جغرافيا جديدة، وغرفة جديدة، وليل جديد وسرير جديد، من دون أن أكون اصطحبت معي كتاباً أو كتابين على الأقّل، من كتبي الأثيرة التي يُجافيني النوم  من دون أن تمّر كلماتها تحت ناظريّ. حدث هذا في سفرٍ ما، في يوم ٍما، إذ كنتُ نسيتُ وضع هذه الكتب في حقيبة سفري.

تنّبهت للأمر باكِراً، أي قبل أن يحّل الليل، فخرجت أسعى إلى كتاب يُعوّضني عن هذه الهفوة ويُعينني على النوم.

أعياني الاختيار في عروض الكُتب التي لم تستملني عناوينها، فكان أن اشتريت كتاباً كيفما اتّفق، وجدت في عنوانه احتمالاً لتسليةٍ ما، أو بديل عن الأصيل فهي غلطتي على كل حال، وعقابي على نسياني وارتباكي حيال الانتقال إلى حيّزٍ جغرافي غير حيزّي المُعتاد. " صناعة السعادة" عنوان الكتاب اللقيط الذي حملتُه على عَجَل، لكاتبٍ أميركي غير معروف لذلك نسيت إسمه ، وقلت في سرّي فلأصنع سعادة من النوع الذي يرتأيه صاحب هذا الكتاب، ويدّل عليها في عنوان كتابه.

في الليل، وكنتُ متلّهفة إلى نوعِ السعادةِ التي يقترحها الكاتب، قرأتُ سرداً بسيطاً ومُتأنياً يميل إلى التأكيد والجَزْم لقارئه على أن السعادة في متناوله، كما ينحو إلى التبشير بأن فردوسنا الأرضي على قاب أسرار ستّة منك أيها القارىء، بينما أنت – يقول الكاتب – غافِل عنه.

كتاب تقرأهُ قبل النوم على نيّة أحد سواك، نيّة شخص افتراضي في أحسن الأحوال، وكتاب مرهون للصدفة، كتبهُ صاحبهُ على شكلِ " جردة " حساب لحياته بعد أن قضى خمساً وثلاثين دقيقة جهنمية ، في طائرة كان يستقلّها وكان هو أحد ركابها، تعرّضت للسقوط.

محنة، اكتشف الكاتب من خلالها كم كان مُخطئاً في نهجه الحياتي البائِس وسلوكه المُملّ. الكاتب بعد أن تُوِّجت رحلته الجوية الخطرة والمُرعِبة بخاتمة سعيدة على شكل هبوط اضطراري سالِم، عمدَ فوراً إلى إتحافنا بمبادئه الستة هذه التي تكفل لنا " عُمراً جديداً " نرفل فيه بالسعادة والحبور. مبادئ ستة سلّمنا الكاتب مفاتيح أسرارها الكفيلة بدورها بإسباغنا بالسعادة المُطلَقة.  أجل، ستة مبادئ كتبها هذا الرجل إثر نجاته، ومغادرته تلك الطائرة المشؤومة بركبتين مُرتجفتين، ومعدة مُضطربة، ورأس ثقيلة، وفنّد أسبابه أو نصائحه على الشكل التالي :

" تحديد الأهداف التي يجب العمل على تحقيقها" ، " المشاركة بأنشطة وعلاقات اجتماعية" ، "التعبير عن الذات عبر أيّة وسيلة ثقافية أو فنية أو رياضية" ،  " امتلاك القدرة على التعبير عن الامتنان والتقدير" ، " التعاطُف والالتزام مع المجتمع مادياً ومعنوياً" ،  " الإيمان بالله وتنشِئة أجيال تتمسّك بالفضيلة" .

ستة مبادئ أوردها لنا الكاتب/ الناجي، وأردف إثرها للقارىء، أن في اتّباعها ما يزيد من احتمالات بلوغ السعادة والنجاح في الحياة، كما أورد للقارىء كيف أنه اختبر الأمر بنفسه.

من جهتي، أن تقع بي الطائرة من السماء وتتحطّم على الأرض، أهون عليّ من اتّباع بعض ما جاء في مبادئ " الناجي"  من موت مُحقّق ، خصوصاً تلك المتعلّقة بالمشاركة بأنشطة وعلاقات اجتماعية.

ما علينا، الكاتب الذي تعرّضت الطائرة التي كان يستقّلها( في العام 1984) للسقوط، في رحلة أميركية روتينية داخلية من ملبورن في فلوريدا إلى أتلانتا في ولاية جورجيا، وكان قد باع لتوّه شركته :" نيوميديا" لقاء مبلغ 60 مليون دولار( في ذلك الوقت)،  ما يعني أنه عرف الثراء في عُمر مُبكِر جداً، بعد عوَز وسكن في أحد أحياء بروكلين الفقيرة كما جاء في سرده ، خلُص بعد نجاة عجائبية إلى أنه لم يكن سعيداً في حياته، واحتاجتهُ خطة بديلة للسعادة، إلى مثل تلك التجربة المُرّة ليتفتّق ذهنهُ عن مثل تلك المبادئ التي ذكرها لنا.

فكرّت وأنا أتصفّح الكتاب وأقرأ عن ثروة الرجل  المهولة، أنه كان يسعهُ رفدي بشيء من ثروته، نَذْر قليل أعني، وأنا أتدبّر شؤون سعادتي وأتكفّل بالباقي، من دون الحاجة إلى بقية المبادئ، اللّهم سوى البند المُتعلّق في شقّه الأول بالإيمان بالله والذي لا فضل للكاتب فيه، فهذا والله ما أنعم فيه ويسكنني ويُعينني على بلاء هذا العالم الخَرِف والمجنون. أما الشقّ الثاني من المبدأ المقسوم إلى قسمين، والذي يُفتي بتنشئة أجيال تتمسّك بالفضيلة، فهذا حكر على تعريف الفضيلة نفسها في زمننا الراهِن، ذلك أنني لا أعتقد أن الكاتب الثريّ ثراءً فاحشاً، جمع ثروته من الفضيلة تلك.

المبدأ الآخر للكاتب، المُتعلّق بتحديد الأهداف التي يجب العمل على تحقيقها لبلوغ السعادة المرجوّة! فمن جهتي – ما دمت قد قرأت الكتاب وتورّطت ببنوده  – أعلن ألا أهداف لي، ولا هدف واحد حتى، فكيف بالعمل على تحقيقها وكل ما يمّضني هو العمل نفسهُ، وجلّ رغبتي في هذه الحياة، هي عدم العمل بالمرّة، و" حطّ رجل على رجل " والتمتّع بالحياة  بالقدر البسيط من ثروة هذا الكاتب.

لم تكف الكاتب، الذي نجا من الموت، ثروته ( ونحمد الله حمداً كثيراً على سلامته) فجاء ليُزاحمنا على الكتابة، في كتابه الضخم كثروته" صناعة السعادة" وكأن للسعادة مقاييس وتُقاس هذه بالمسطرة، فلا تختلف شروطها وتتبدّل من شخص مثله إلى كائن هشّ مثلي !!

أحترم بالطبع ما عانى منه الكاتب  خلال خمساً وثلاثين دقيقة كوارثية ، كانت تفصلهُ عن الموت، وفرحه إثر النجاة . لكن أن يكتب كتاباً ركيكاً فور نجاته مُقترحاً علينا سعادة مُتخيّلة عبر جُمَل ست، لم يُقنعني الأمر ، والأجدى لو وزّع على البعض ثروته الكبيرة – ومنهم أنا – لحلّت علينا سعادة مُعتبَرة وملموسة ولدعونا له بالسعادة ما تبقّى له من عُمر.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً