حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

 وظيفة الجاسوس من فارويل إلى سكريبال

في الغوطة، سوريا تحقّق رفع الضغط عن عاصمتها، مَن ينتصر عسكرياً هو الجيش السوري وحلفاؤه، ومَن يرعى التفاوض هو الروسي، والنتيجة ورقة جديدة بيد كليهما على طاولة المفاوضات. وبوتين سيعود إلى السلطة أقوى وقد أشهر صواريخه في وجه الغرب كأنه يذكّرهم بخروتشيف. فهل يعتبر عاقل أن لندن وواشنطن ستسمحا بذلك بسهولة؟ وأنهما ستقبلان باستعراض القوة الدولي الذي يقدّمه الرئيس الروسي في معركة لا يخوضها في الداخل بقدر ما يخوضها في وجه الغرب. من هنا تتقاطع الأمور بحيث تصبح التهمة الكيماوية لسوريا مقدّمة لاتّهام روسيا بالسلاح المُحرّم، والعكس صحيح . ثلاثة من عشرات المؤشّرات تقول ذلك.

في العام 2010 شهدت قاعات السينما العالمية فيلماً فرنسياً أثار ضجة كبيرة، حمل عنوان: "قضية فارويل"، وفارويل هو الإسم المُشفّر لعقيد سوفياتي جنّدته المخابرات الفرنسية لصالح الأطلسي، مع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفياتي.

الفيلم الذي اعتمد على أرشيف المخابرات المذكورة. يحكي قصة تجنيد العقيد في الكي جي بي سيرغي غريغورييف، الذي كان يعمل في قسم "بالغ السرّية" وكيف تم ربطه بعميل فرنسي، لم يكن إلا مهندساً شاباً ذهب إلى العمل مع تومسون الفرنسية في موسكو بصحبة عروسه الحامِل، وليس في نيّته أي نشاط سياسي. غير أن العميل السوفياتي ومُشغّله الفرنسي نجحا في الضغط عليه، ضغطاً شديداً، ليقوم بدور ناقِل الرسائل بين موسكو وباريس. المهم أن الروسي قدّم معلومات كثيرة متواتِرة على امتداد سنوات، إلا أن الهدف الرئيس الذي كانت تريده منه الأجهزة الفرنسية هو الحصول على قائمة جواسيس الاتحاد السوفياتي في الغرب، خاصة أولئك الذين ينقلون أسرار الصناعات العسكرية الغربية إلى موسكو. وما أن توصّل إلى الحصول عليها وتزويد مُشغّليه بها، حتى نرى الأجهزة السوفياتية تكتشفه، تعتقله ثم تعدمه، في حين يتم تهريب العميل الفرنسي بعملية مُعقّدة. وعند وصول هذا الأخير إلى مقرّ قيادة الأطلسي في بلجيكا، يُفاجأ بأن الأطلسي هو مَن كشف العقيد العميل بواسطة عميل آخر. يطلب الشاب من القيادة التدخّل لعدم تنفيذ حُكم الإعدام بحق صديقه، بل ويعرض مُقايضة حياة غريغورييف بمكافأته المادية البالغة 50 مليون دولار. فيرد عليه المسؤول العسكري  بالحرف : -  "صديقك أصبح عظماً ورميناه للكلاب لكي تنشغل به عن العملاء الذين لم تنته مهمتهم بعد".

 


أية عظمة يشكّلها العميل الروسي ...ولماذا تم رميه ؟

إذا لم يثبت الاتهام الموجه لروسيا في قضية سكريبال فسيقال إنها فقدت السيطرة على تسرب أسلحتها

مفارقات كثيرة تحكم المقارنة: أولها أنه في القضيتين، ثمة دولة أطلسية أوروبية تعمل لحساب الأطلسي كله في معركته مع روسيا. فارويل في سياق تفعيل انهيار الاتحاد السوفياتي وسكريبال في سياق منع عودة روسيا إلى الساحة الدولية كقوّة عُظمى ضمن حلف دولي (أو أحلاف) موازٍ للأطلسي. الأول لتأمين ولادة نظام عالمي جديد والثاني لمنع موته.

ثانيها: أن سكريبال لم يتم رميه تماماً فهو ما يزال في قيد العلاج. ولكن توظيف قضيته لا يختلف بحال موته أو نجاته. كما أن المعركة البريطانية – الأطلسية مع روسيا لم تبدأ به ولن تنته به. وما قضية هذا الجاسوس إلا استهداف مفصلي لروسيا- بوتين عشيّة انتخاباتها الرئاسية، وفي ذكرى ضمّ القرم. ويتوازى مع معركة أخرى في وجه الصين. كما يواكب معركة الغوطة الشرقية.

في الغوطة، سوريا تحقّق رفع الضغط عن عاصمتها، مَن ينتصر عسكرياً هو الجيش السوري وحلفاؤه، ومَن يرعى التفاوض هو الروسي، والنتيجة ورقة جديدة بيد كليهما على طاولة المفاوضات. وبوتين سيعود إلى السلطة أقوى وقد أشهر صواريخه في وجه الغرب كأنه يذكّرهم بخروتشيف. فهل يعتبر عاقل أن لندن وواشنطن ستسمحا بذلك بسهولة؟ وأنهما ستقبلان باستعراض القوة الدولي الذي يقدّمه الرئيس الروسي في معركة لا يخوضها في الداخل بقدر ما يخوضها في وجه الغرب. من هنا تتقاطع الأمور بحيث تصبح التهمة الكيماوية لسوريا مقدّمة لاتّهام روسيا بالسلاح المُحرّم، والعكس صحيح . ثلاثة من عشرات المؤشّرات تقول ذلك.     

 * في مجلس الأمن تقول نيكي هايلي إن حادثة الجاسوس تأتي ضمن سياق استعمال روسيا الفيتو خمس مرات ضد قرار أممي بإدانة سوريا باستعمل الكيماوي.

* في فرنسا، حيث يبدو إيمانويل ماكرون مُتحفّظاً على التصعيد الأنكلوساكسوني ضد روسيا وحتى سوريا، يذهب الحاوي إلى جرابه في (12/3) ويخرج  فرانسوا هولاند، الرئيس الذي خرج بأدنى شعبية في تاريخ رؤساء فرنسا، ليهاجم سياسة ماكرون إزاء سوريا وروسيا ويقول حرفياً: " إذا كانت روسيا تهدّد فعلينا أن نهدّدها" مُضيفاً إنها القوّة الرئيسة التي تمثل تهديداً جدّياً يوصل إلى تدهور كبير إذا لم يوضع لها حد" . وبعد أن يردّ عليه ماكرون من الهند بأن سياسة القطيعة لم تنفع، نرى الرئيس الشاب ينصاع إلى الصف بعد عودته إلى باريس ويعلن تضامنه الكامل مع بريطانيا ضد موسكو بانتظار زيارة أنجيلا ميركل. في حين تكتب صحيفة لوموند:"إن هذا الغاز أقوى من السارين الذي استعمله نظام بشّار الأسد ضد معارضيه". وتذكّر صحيفة لوفيغارو  ببيروزوفسكي، أحد الأباطرة اليهود الخمسة المموّلين لإسرائيل،  الذين سيطروا على الاقتصاد في عهد يلتسين، ومن ثم هرب إلى بريطانيا، حيث وجِدَ مُنتحراً. كما تنشر خريطة مفصّلة (غرافيك) لتوزيع خسائر الحرب السورية.

* ها آرتس تكتب عن ذكرى ضمّ القرم وتتحدّث عن "حرب روسيا الهجينة ضد الديمقراطية الغربية" وضرورة منعها من تطوير حضورها في القاعدة البحرية في أستونيا.

* اما تيريزا ماي، رأس الحربة الأطلسية ضد روسيا، فتريد أن تبدو موضوعية وتقول إن اغتيال الجاسوس يعني إما أنه قد تم بأوامر روسية وإما أن روسيا فقدت السيطرة على أسلحتها الكيماوية.

ما يعني أنه إذا لم يثبت الاتهام الموجّه اليوم إلى روسيا في قضية سكريبال فسيتم اعتماد الخيار الثاني بالقول إن روسيا فقدت السيطرة على تسرّب أسلحتها. ماي قالت إنه ليس من المصلحة قطع الحوار مع موسكو، لكن لندن رفضت التحقيق المشترك بحسب القوانين الدولية ومعاهدة الأسلحة الكيميائية، كما رفضت تقديم ما لديها من دلائل، كما صرّح لافروف (ما يذكّر بالتحقيق بالكيميائي في الغوطة وخان شيخون). من جهة ثانية صرّح أندريا سيللا العالِم في الكيمياء العضوية، في جامعة لندن، بأن روسيا ليست البلد الوحيد الذي يمتلك نوفوتشيك، كما أن عالِماً في السموم في جامعة ليدز قد صرّح أيضاً بأنه يستبعد استعمال روسيا لهذا السم وإن الأجهزة السرّية تعرف دولاً كثيرة تمتلكه.  إذن هل ستصرّ بريطانيا والأطلسي من ورائها، على اتهام موسكو إلى أن تحقّق الحملة أهدافها. وبعدها يلجأون إلى تهمة عدم السيطرة لأجل توجيه تهمة استعمال الغاز نفسه إلى حلفاء تسرَّب إليهم هذا الغاز. إن لم يكن في الغوطة الشرقية ففي مكان آخر. والحرب ما تزال طويلة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}