رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

في الذكرى الـ40 لبدء العلاقات بين إسرائيل والنظام المصري: لماذا لازلنا نطالب بإسقاط المعاهدة؟

قد كانت هذه المعاهدة طيلة الـ40 عاماً الماضية - ولاتزال - هي بيت الداء الذي ولّد وموّل الإرهاب الداعشي وهي منبع الانهيار للدور القومي وللاقتصاد الوطني، وأخيراً هي مصدر رئيسي لخلق نخب إعلامية وسياسية منافقة ومتلوّنة (للأسف) مع كل عصر، ولاتجد حرجاً في أن تطبّع مع كيان غاصِب وقاتِل وأن تروّج له، وكأنها إسرائيلية المولد والهوية.

بمجرّد انتهاء ظاهرة "داعش ولاية سيناء" ستظهر الحقائق المرة أمامنا وسيعود الأمر كما كان

في السادس والعشرين من هذا الشهر (آذار/ مارس 2018)، تكون قد مرّت 40 عاماً على توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، والتي جاء توقيعها بعد 16 شهراً من توقيع اتفاقية كامب ديفيد (26 أيلول/ سبتمبر 1978) واللتان (الاتفاقية والمعاهدة) دشّنتا صلحاً منفرداً بين النظام المصري آنذاك برئاسة أنور السادات وبين الكيان الصهيوني، وهو صلح أعاد لمصر سيناء منزوعة السيادة مقابل أن خسرت مصر دورها القومي وأضحت رهينة للتطبيع والمعونات الأميركية، وتضرّرت الثقافة والإعلام والمجتمع والاقتصاد بكل فروعه، من السياحة إلى الزراعة والصناعة والنفط، ضرراً شديداً، ليس هنا مقام تفصيله، لكن لمن يرغب في معرفة الآثار السلبية الكبرى لكامب ديفيد ومعاهدة السلام والتطبيع والتي كانت أحد أسباب قتل موقعها (أنور السادات ) في 6/10/1981، يمكنه الرجوع إلى موسوعتنا (2500 صفحة ) عن (التطبيع والمطبعون في مصر 1979-2011 - الناشر مركز يافا للدراسات والأبحاث – القاهرة - 2014).
 
اليوم وفي الذكرى الـ 40 لهذه المعاهدة المشؤومة، نعيد طرح السؤال التاريخي الذي ظلّت الحركة الوطنية المصرية تطرحه وتقاتل في سبيله طيلة تلك السنين: لماذا لازلنا نطالب بإسقاط هذه (المعاهدة)؟ ولماذا لا زال القطاع الأوسع من الشعب والنخب الإعلامية والسياسية المصرية ترى في التطبيع، خيانة وفعلاً فاضحاً في السلوك، لا يليق بمواطن _ ناهيك عن النخبة _ أن يرتكبه أمام الناس والتاريخ والوطن ؟
سنحاول هنا الإجابة عن المضار الأمنية لتلك المعاهدة، خاصة في سيناء التي دائماً ما يحتج (المطبّعون) بعودتها إلى السيادة المصرية من دون نقطة دم، رغم أن (التحقيقات والوثائق) أكّدت أن الدم المصري الذي يُراق الآن على أيدي الجماعات الداعشية في سيناء، إسرائيل ليست بعيدة عنه، بل ثبت أن بعض أخطر أسلحة (داعش ولاية سيناء) وبعض أهم قدراتها الاستخباراتية .. أتت ولاتزال تأتي من إسرائيل.
 
على أية حال، إننا سنؤجّل التحليل في الدواعي القانونية والاقتصادية والسياسية لحتمية إلغاء (معاهدة السلام)، وسنركّز فقط على أهم الأسباب، وهي تلك المتّصلة بالشروط المهينة والمكبّلة للإرادة الوطنية المصرية لفرض السيادة على كامل سيناء، وكيف أن تلك البنود تكبّل الفعل المسلّح ضد الإرهابيين وتمد في عُمر الإرهاب. وهنا قد يحتجّ بعض المُطبّعين من الإعلاميين الساسة (وهم عادة أنصاف مثقفين !!)، ليقولوا إن تحرّكات الجيش المصري الآن في سيناء، ودخوله بأسلحة ثقيلة وطائرات لمطاردة الإرهابيين، يدحض حكاية نزع السيادة، ونردّ لنقول إن تلك التحرّكات المحترمة والمُقدّرة والمُهمة للجيش الوطني المصري، والتي يُقدّرها كل مصري شريف، جاءت استثناء للأسف، وجاءت بالتنسيق مع العدو الصهيوني ولم تأت خارج نطاق بنود المعاهدة المشؤومة، وهي تحرّكات موقوتة وليست دائمة، وبمجرّد انتهاء ظاهرة (داعش ولاية سيناء) ستظهر الحقائق المرة أمامنا، وسيعود الأمر كما كان، وكما سنفصل في مجال مخاطر نزع السيادة، وهو السبب الأكبر لمطالبتنا اليوم في الذكرى الـ 40 للمعاهدة، بأن تسعى مصر ومعها كل المبرّرات والحقوق القانونية، التي تعطيها الحق في إلغاء تلك المعاهدة وفوراً إذا كنا فعلاً حريصين على الأمن القومي المصري كما يدّعي المطبّعون من أهل الحكم ومن أهل الثقافة.
 
والآن ماذا عن المآخذ الأمنية داخل سيناء والتي أورثتنا إياها تلك المعاهدة ؟
تقول الحقائق المرّة التي عاشها المصريون طيلة الـ 40 عاماً الماضية وتؤكدها الوثائق، إنه وفقاً لما ورد في الملحق الأول من (معاهدة السلام 1979 - الملحق الأمني)، وردت القيود العديدة على حجم وتوزيع القوات المصرية في سيناء وقسّمتها إلى أربع مناطق تجعل في مجملها سيناء بلا سيادة حقيقية على الأرض، فوفقاً لنصوص الاتفاقية - والتي تناولها العديد من المراجع والدراسات المهمة، ومنها كتابات محمّد حسنين هيكل وعبد الوهاب المسيري وإبراهيم منصور ومحمّد سيف الدولة وآخرون - تم تقسيم التواجد الأمني المصري إلى مناطق (أ) (ب) (ج) (د).
 
أما المنطقة (أ)، فهي المنطقة المحصورة بين قناة السويس والخط (أ) المذكور أعلاه بعرض 58 كلم، وفيها سمح لمصر بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة تتكوّن من 22 ألف جندى مشاة مصرى مع تسليح يقتصر على 230 دبابة و126 مدفعاً ميدانياً و126 مدفعاً مضاداً للطائرات عيار 37مم و480 مركبة .
 
والمنطقة (ب)، وعرضها 109 كلم الواقعة شرق المنطقة (أ) وتقتصر على 4000 جندي من سلاح حرس الحدود مع أسلحة خفيفة.
 
والمنطقة (ج) وعرضها 33 كم وتنحصر بين الحدود الدولية من الشرق والمنطقة (ب) من الغرب، ولا يُسمح فيها بأي تواجد للقوات المسلّحة المصرية، وتقتصر على قوات من الشرطة (البوليس)، ويُحظر إنشاء أية مطارات أو موانىء عسكرية في كل سيناء.
 
وأسوأ المناطق على الإطلاق هي المنطقة (د)، التي تقع غرب الحدود الدولية، وعرضها 4 كلم فقط، وحدد فيها عدد القوات بـ 4000 جندي. هذه التقسيمات لم تلغ حتى الآن وليس معنى مقاتلة الجيش المصري للإرهابيين هناك أنها أُلغيت. إن الواقع يؤكد أنها لاتزال سارية، وما يجري هناك اليوم هو مجرّد استثناء يحتاج إلى شجاعة تحويله إلى ... قاعدة ثابتة خاصة بعد القيود الأخرى التى أضافتها اتفاقية القوات متعدّدة الجنسيات في سيناء، والموقّعة في 3/8/1981، والتي ترتب عليها تواجد حوالى 2000 عنصر أجنبي من 11 دولة بقيادة أميركية في مناطق استراتيجية بالغة الأهمية للأمن القومي المصري، وهي اتفاقية تزيد من تكبيل الإرادة السياسية والأمنية المصرية على مجمل جغرافية سيناء.
 
ماذا تعني هذه الحقائق والوثائق؟ إنها تعني وببساطة أن سيناء قبل وبعد هذا الإرهاب الداعشي الذي يقاتله الآن وببسالة وتضحيات مقدّرة، الشرطة والجيش الوطني المصري، لاتزال منزوعة السيادة. ومن يُرد من النخب الإعلامية والسياسية مساندة حقيقية للدولة وللجيش في معركتهما ضد هذا الإرهاب، فليطالب بالإسقاط الفوري لهذه المعاهدة، ومن يطالب بعكس ذلك، نحسبه في أحسن التقديرات، يضرّ من غير علم أو فهم حقيقي، بدولته وجيشه.
 
لقد كانت هذه المعاهدة طيلة الـ40 عاماً الماضية - ولاتزال - هي بيت الداء الذي ولّد وموّل الإرهاب الداعشي وهي منبع الانهيار للدور القومي وللاقتصاد الوطني، وأخيراً هي مصدر رئيسي لخلق نخب إعلامية وسياسية منافقة ومتلوّنة (للأسف) مع كل عصر، ولاتجد حرجاً في أن تطبّع مع كيان غاصِب وقاتِل وأن تروّج له، وكأنها إسرائيلية المولد والهوية. إن إسقاط هذه المعاهدة هو البداية الحقيقية للنهضة والتقدّم، إن أردنا فعلاً النهضة والتقدّم، وما دون ذلك سيظل وهماً بلا قيمة ولن يمكث في الأرض، لكي ينفع الناس. والله أعلم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}