حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

عدوان من أجل "إعادة التوازن"

تبرز مقارنة أخرى هي مقارنة ما يحدث في سوريا مع ما حدث في العراق، أي الإنهاك بضربات جزئية وصولاً إلى الإجهاز. ولأجل التوازن أيضاً. خاصة وأن تشكيل فريق المُفتشين الدوليين يضرب في الوجدان العربي على وترٍ مؤلمٍ وجرحٍ كامنٍ في الذاكرة القريبة.

هل كان العدوان الثلاثي تلبية لهذه الحاجة أم كان عملية متعدّدة الأهداف، بما فيها تحجيم صورة انتصار الجيش في الغوطة؟

 

"المحافظة على التوازن"، كانت الهدف الرئيس لأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، يكتب المُحلّل الاستراتيجي الأميركي جارلس توستن كامب، وذلك في مقالٍ بعنوان : " أزمة الصواريخ الكوبية، 45 سنة في الميزان"، نُشِرَ  في مجلة " القوة الجوية والقدرة الفضائية" الأميركي. 

تاريخ النشر مهم وذو دلالة ، وفيه إحالة مباشرة إلى الحاضر يوردها بعد تساؤل: لماذا نضع خططا ًولا ننفذّها؟ الجملة تقول : " إن شعوراً بالتوازن ومنظوراً للرؤية البعيدة ضروري جداً للتحليل الصحيح في قتال اليوم" مُضيفاً: " إن الأسوأ من عدم التنفيذ كان قيامنا بتكرار العمل الساذج من أيام حرب فيتنام". أما العمل غير الساذج، بل والحكيم فإنه بحسب هذا الباحِث "تجنب الحرب والمحافظة على التوازن" ، كما حصل في الأزمة الكوبية، حيث" سحبت روسيا صواريخها من كوبا وسحبنا نحن صواريخنا من تركيا"يقول. 

هل يمكن أن نسقط هذا الموقف على 2018، خاصة بعد العدوان الثلاثي على سوريا؟ أم أن هذا العدوان وضع الجميع في إطار المواجهة العسكرية؟ أم أنه وضعها في حال حفظ ماء الوجه الضرورية لأية عملية تسوية سياسية بات الجميع يتحدّث عنها حتى تيريزا ماي؟ الأزمة الكوبية جاءت بعد فشل عملية خليج الخنازير التي نفّذها المعارضون الكوبيون الذين درّبتهم السي آي إيه برئاسة جورج بوش الأب  في نيكاراغوا وغواتيمالا؟ أما الاتفاق بين غورباتشوف وكنيدي فقد نصّ على تعهّد واشنطن بعدم التدخّل في كوبا كاسترو، فخرج الثلاثة بمكسب، روسيا وأميركا وكوبا.

بالمقابل تبرز مقارنة أخرى هي مقارنة ما يحدث في سوريا مع ما حدث في العراق ، أي الإنهاك بضربات جزئية وصولاً إلى الإجهاز. ولأجل التوازن أيضاً. خاصة وأن تشكيل فريق المُفتشين الدوليين يضرب في الوجدان العربي على وترٍ مؤلمٍ وجرحٍ كامنٍ في الذاكرة القريبة. 

في المُعطى الدولي. صحيح  أن التوازن هو الرهان الأساس للقوّتين العظميين، في 2018 كما في 1962. ولكن يومها كان الهدف هو " الحفاظ على التوازن" أما اليوم فهو "مقاومة عودة التوازن" ، بعد أن كان العراق هو حسم انحسار التوازن لصالح الأحادية. وعليه تعمل إدارة دونالد ترامب على فعل كل شيء للحفاظ على حصّة الولايات المتحدة من المصالح الدولية.

أما أوروبا فتقف اليوم في وضع شبيه جداً بوضعها عامي 1991 و2003، خاصة داخل بريطانيا أو داخل فرنسا. فتريزا ماي لا تختلف عن توني بلير ، خاصة في اتّخاذ قرار التدخّل من دون طرحه على مجلس العموم، ومثلها إدارة ماكرون في فرنسا،  حيث لا يُجبِر القانون الحكومة على إبلاغ الجمعية الوطنية إلا بعد حصول الضربة بثلاثة أيام، ولا التصويت إلا على التمديد لأربعة أشهر فما فوق. كذلك يذكّرنا موقف مارين لوبان بأبيها ، وموقف جان لوك ميلانشون ب جان بيير شفينمان ( الذي مضى حد الاستقالة من وزارة الدفاع ) ورسخ شعار : "الارتماء في ذيل التنورة الأميركية". لكن في المقلب الآخر مُتغيّرات كبرى تتمثّل في عودة أقطاب دولية أخرى إلى الساحة وتشكيلها لحلفٍ مقابل أشبه بأيام الحرب الباردة.

في المُعطى الاقليمي، يتصدّر العنصر الإسرائيلي الصورة . عنصر لم تتغيّر رموزه ولوبيّهاته ، حتى أنه أحيا جون بولتون في واشنطن. وتكفي مراقبة اتجاهات وسائل الإعلام الغربية التي يسيطر عليها اللوبي اليهودي المؤيّد لإسرائيل لاستحضار جوّ التحريض على العراق. كما يبدو من البديهيات استمرار استراتيجية الدولة العبرية القائمة على التخلّص من قوّة الدول العربية الحقيقية واحدة إثر الأخرى ( تكفي مراجعة كتاب نتنياهو : أمن وسلام). بالمقابل يبرز العنصر الإيراني سواء في ما يخصّ إسرائيل أم في ما يخصّ الملف النووي أم في ما يخصّ دعم حزب الله والمقاومة. لم يكن تزامن ضربة تي فورمع التوجّه إلى الحسم في الغوطة، مجرّد مصادفة.

ضمن المُعطى الإقليمي أيضاً يأتي المُعطى العربي ، حيث لا تمتلك معظم الدول العربية قرارها المستقل عن الولايات المتحدة،  وحيث المال الخليجي في خدمة المشروع الأميركي الإسرائيلي ( لذاته أو كوسيلة ضغط على غيره). بحيث تصبح هذه الخدمة شرط البقاء، خاصة بعد التورّط في حرب اليمن، وبعد الخلاف القطري السعودي الإماراتي البحريني .  وبهذا نفهم انطلاق العدوان من أراضي هذه الدول  .هي لا تمتلك حق الموافقة والرفض وتشعر في قرارة نفسها بالغيرة والخزيّ  نتيجة المقارنة بين جبروت الحُكم السوري في مقارعة العالم لمدة سبع سنوات ، وذلّها هي في الخضوع والتبعية. إحساس نقص يتحوّل إلى حقدٍ وقدرةٍ على الإيذاء.

غير أن ما وراء هذه المُعطيات السياسية، خريطة أكثر أهمية وأكثر فعالية . إنها الخريطة الاقتصادية وباختصار خريطة الشركات العابِرة للقارات ، وخريطة المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة بالدرجة الأولى ومن ثم في أوروبا.  (في خطاب استقالته قال نيكسون إن هذا المجمع سيقضي على الديمقراطية الأميركية). وإذا كانت الشركات تبني ضغوطها وقراراتها على أساس توزيع مصالحها خاصة في ما يتعلق بالغاز وإعادة الإعمار. وهنا ننتبه إلى الاتفاق الروسي – التركي على تمرير خط غاز ستريم ، وهو خط أحمر بالنسبة لواشنطن . كما نذكر تصريحات إيمانويل ماكرون وبعض أركان إدارته،  (ومثلهم دي ميستورا) من أن روسيا لا تستطيع تولّي إعادة الإعمار بمفردها ( وقد تضمّنت هذه التصريحات عمليات حسابية صريحة) .

إما بالنسبة للمجمع الصناعي العسكري فإن وقف أية حرب هو خسارة كبيرة له إلا في حال إيجاد مُستهلك آخر. وهنا أيضاً يبرز الاتفاق التركي – الروسي على صواريخ أس 400، اتفاق اخترق السوق الحصري لحلف شمالي الأطلسي. كما تبرز المناورات العسكرية الروسية – الصينية في المتوسّط كسابِقة تاريخية خطيرة حلمت بها كاترين الثانية ولم يتجرّأ على الحلم  بها ما وتسي تونغ.   

 أخيراً يبدو الحديث عن الأزمات الداخلية التي يعيشها كل من ترامب وتيريزا ماي وماكرون ومحمّد بن سلمان – بل والخليج العربي كله –  حديثاً واقعياً وصحيحاً. ولكن مَن قال إن هذه الأزمات الداخلية لم تُفتعل وتُغذى وتُفعّل كي يصبح أصحابها تحت الضغط أكثر ومُسيّرين أكثر من قِبَل اللوبيهات المعينة؟

صحيح أن ترامب شتم الرئيس الأسد بألفاظٍ غير لائقة. ولكن جيمس كومي مدير الأف بي آي السابق - مثلاً - يصف ترامب في كتاب له سيصدر في 17/4  بأنه رجل كاذِب ويُخضِع المُحيطين به لسلوكيات مافيوية. وذلك وفق المُقتطفات التي نشرتها الصحف الأميركية. ارتفاع منسوب الضغط هذا رفع منسوب الحَرَج والحاجة إلى ضربة ولو استعراضية، أو "جراحية". فهل كان العدوان الثلاثي تلبية لهذه الحاجة ؟ أم كان عملية متعدّدة الأهداف، بما فيها تحجيم صورة انتصار الجيش في الغوطة، والإبقاء على بعض معنويات المجموعات المسلّحة، إضافة إلى خلق حالٍ من الفوضى تسمح لهذه المجموعات باستجماع قواها وتضمن استمرار الصراع المسلّح لفترة أطول. وربما تُهيّىء للحصول على تنازلات تتعلّق بالمصالح. مرحلة في عملية عضّ الأصابع في لعبة الحفاظ على التوازن.  


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}