موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

صفقات العدوان

قبل أن يسمع العالم بصفقة القرن التي أعقبت زيارة ونهب ترامب لمليارات النفط في السعودية، ظهر هذا المصطلح قبل ذلك بعدّة عقود مرتين، الأولى، 1974 عندما وقّعت السعودية وأميركا اتفاقية عُرِفت بصفقة القرن، اشترطت بيع النفط بالدولار، في ما عُرِف بالبترودولار وذلك وفقاً لما جاء في كتاب اعترافات قاتِل اقتصادي لـ جون بيركنز، من ترجمة د. بسام أبو غزالة. أما المرة الثانية ففي أيلول/ سبتمبر 1994 في باكو، عاصمة أذربيجان.

التعاون بين روسيا وإيران في بحر قزيون

في ذلك الوقت وفي تلك العاصمة، وقّعت أذربيجان ما عُرِف بـ (صفقة القرن) التي سمحت لشركات النفط البريطانية والأميركية والتركية بالسيطرة على نفط بحر قزوين، وقد تمكّنت روسيا وإيران من تطويق هذه الصفقة وتعطيلها، التي جاءت أيضاً في سياقات مُتعدّدة:
1- سياق تطويق إيران وروسيا الأوراسية، ومشاريعها ذات الصلة بالنفط، الإنتاج والنقل.
2- سياق أزمة كارباخ، الاقليم الُمتنازَع عليه بين أذربيجان وأرمينيا، رغم الأغلبية الأرمنية الساحِقة من سكانه، وكانت القوات الأرمنية قد ألحقت عدّة هزائم بالقوات الأذرية، ما تسبّب في إسقاط أكثر من رئيس في باكو، منهم أبو الفضل التشيبي الذي تبنّى خطاباً أسلاموياً من الطراز الأميركي، لم يسعفه بالرغم من الدعم الأميركي التركي من البقاء في السلطة.
3- سياق الجغرافيا السياسية، فبحر قزوين أيضاً أحد الممرات الاستراتيجية لروسيا الأوراسية واستحقاقات وجودها بين القرم والقوقاز والمياه الدافِئة، وهو شديد الأهمية لإيران وللصين ومشروع طريق الحرير. وهو بالمقابل نقطة انطلاق للهجوم الأطلسي المُضاد، لمُجمل مشروع البريكس والبر الآسيوي.
وبالمُحصّلة، وبالإضافة إلى التحالف الحديدي بين روسيا وإيران ضد الصفقة المذكورة، فقد كانت مخالفة للقانون الدولي الخاص بالدول المُتشاطئة وحقوقها، ما ضاعف من التأثير الروسي – الإيراني.
مقابل ذلك، وربما رداً عليه ورداً على فشل التحالف الأميركي البريطاني – الفرنسي – العثماني – الصهيوني في منطقة حسّاسة أخرى ما يُعرف (بالأطلس الجنوبي) أي في سوريا، يبدو أن التحالف المذكور راح يبحث عن صفقةٍ أخرى حول بحر آخر من المجالات النفطية، والتجارة العالمية، فكانت صفقة القرن التي أُعلنت (رسميا) 2018 بعد جولة النهب التي قام بها ترامب وحمل على أثرها 500 مليار دولار فقط، قبل أن يُكرّر ذلك في واشنطن أمام ضيفه السعودي حين خاطبه (نريد المزيد من ثرواتكم) أيها الصديق العزيز، فعلاقتنا عميقة ويقصد الحرب المشتركة ضد عبد الناصر وحركة التحرّر العربية والعالمية، وإقامة عشرات القواعد العسكرية والأحلاف الإسلامية لهذه الغاية.
أما البحر المُرتبط بالصفقة الجديدة، فهو البحر الأحمر، الذي لم يشهد تكالباً ضارياً على احتلال الموانىء أو استئجارها كما يشهد مؤخراً.

وكما بحر قزوين، فالبحر الأحمر، لايزال بحراً إشكالياً في القانون الدولي منذ اتفاقية القسطنطينية، ويُعتبر في الوقت نفسه من البحار الاستراتيجية في التجارة العالمية ، وبالنظر إلى امتداداته مع المفاتيح الكبرى لهذه التجارة، موانىء المتوسّط وقناة السويس وباب المندب ورأس الرجاء الصالح، وبحر العرب كامتداد للخليج والمحيط الهندي.
وللبحر، تاريخه أيضاً مع طُرق التوابل والحرير، وتتقاطع فيه مصالح معظم القوى الدولية والاقليمية المُتصارِعة على خرائط وشكل العالم الجديد، حيث يعجّ بالصراعات الناعِمة والدموية، على حدٍ سواء. وبالإضافة إلى حرب الموانىء، التي لم تترك أحداً من القوى المذكورة خارج مياهه، (أميركا، بريطانيا، فرنسا، إيران، تركيا، والقوى المحلية السعودية وشركة دبي للموانىء وقطر) ، فإن عاملين هامين جعلا منه ميداناً لهذه الصراعات، وشديد الصلة، كذلك، بصفقة القرن، كما سنرى:
الأول، حرب الخليج الأولى والثانية، والثورة الإيرانية، التي دفعت مطابخ الاستراتيجية الأميركية إلى التفكير بتجاوز مضيق هرمز والممر العراقي، ووضع خطط لنقل النفط عبر البحر الأحمر.
الثاني، العدو الصهيوني، الذي سمح له احتلاله خارج القانون الدولي، لإيلات (أمّ الرشراش) بالإطلالة على البحر الأحمر وبناء شبكة علاقات واسعة مع العديد من الدول هناك، من مصر كامب ديفيد إلى الأصدقاء الجُدد على البر الشرقي للبحر، إلى الأصدقاء القُدامى في القرن الأفريقي.
في ضوء ما سبق، وانطلاقاً من مناخاته ولِدت صفقة القرن، لا كمشروعٍ أو مبادرة أو اقتراح بل كاستراتيجية عمل جديدة شاملة، لا تكتفي بدمج العدو في المنطقة بل توفّر له بيئة اقليمية لتجديد نفسه وتجديد وظيفته.
وليست التصريحات المُقتضبة حول مشروع (نيوم) وتجديد (مبادرة السلام العربية القائمة على التطبيع الكامل) سوى شذرات من جبل الجليد الذي بات يُعرف بـ (صفقة القرن) ومن أهم ملامحه:
1- مد (وادي السلام) الذي يشمل كل وادي الأردن من حوض اليرموك إلى حوض العقبة إلى البحر الأحمر، وهي المنطقة التي وردت في مشروع (نيوم)
2- الربط التعسّفي الصهيوني بين وادي السلام والبحر الأحمر، والتأويلات التوراتية المزعومة (لسفر الخروج) .
3- الإحياء المزعوم لمملكة أورشليم المزعومة، وذلك في سياق المشروع الصهيوني الأميركي لتفكيك الدول وتفتيت المجتمعات، وتحويلها إلى مجموعة من المدن الكوزوموبوليتية على غرار (نيوم) تدور كلها حول (أورشليم الجديدة) ، وتساوي في العُرف اليهودي كذبة شعب الله المختار (المقدّس) مقابل محيط من الأغيار أو الغوييم، الذين يعرفون أيضاً كعبيد يهوه..


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

 

التعليقات

}