حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

أوروبا – أميركا أين نحن من التحولات الجديدة

ما يهمنا في قراءة المعادلات الجديدة القديمة هو قراءة مصالحنا، هو قراءة ما يحضر في الكواليس الغربية من جولات جديدة لسورية ولفلسطين، وربما في القادم القريب لمصر، إذا صحت الأنباء بأن قسماً من المقاتلين الذين انسحبوا إلى الشمال السوري قد نقلوا إلى سيناء عبر السودان. احتال ربما يؤشر على صحته بدء عمليات التباكي في الإعلام الأوروبي (من الفرنسي إلى بي بي سي) على الأوضاع الإنسانية في سيناء. مقابل تقارير تمجيدية لسد النهضة، واسترجاعية لأوضاع قناة السويس.

جاك ديلور: كان رقم الهاتف الأوروبي المفضل لدى الرؤساء الأميركيين هو رقم إنجيلا ميركل، الآن أصبح رقم إيمانويل ماكرون

"من النادر أن تكون المعارك مبرراً للديبلوماسية"! هكذا يبدأ مراسل صحيفة فرنسية تقريره عن زيارة إيمانويل ماكرون للولايات المتحدة، مضيفاً "لولا المشاركة في الضربات الصاروخية على سورية لما كان لدى ماكرون ما يقدمه لعلاقته مع مضيفه".

في هذا أيضاً يتباهى باحث من مؤسسة جاك ديلور بالقول "كان رقم الهاتف الأوروبي المفضل لدى الرؤساء الأميركيين هو رقم إنجيلا ميركل، الآن أصبح رقم إيمانويل ماكرون". والسبب لا يكمن فقط في عدم قبول ميركل بالمشاركة في العدوان الصارخي على سورية، وإنما أيضاً بملفات اقتصادية عالقة ومأزومة بين ألمانيا وواشنطن.

أول ما يعنيه هذا الكلام هو دفن سياسة الاستقلالية الأوروبية التي بناها ديغول وأديناور وانتهت بجاك شيراك وجيرهارد شرودر. وإعلان "الارتماء الكامل في ذيل التنورة الأميركية" وفق تعبير جان بيار شفينمان آخر شهداء هذه الاستقلالية في صفوف اليسار الفرنسي. وإعلان ولادة مشروع تفتيت للاتحاد الأوروبي الذي حلم به هؤلاء، ككتلة مقابلة – ولو حليفة – للولايات المتحدة - ويحلم دونالد ترامب بالقضاء عليه. 

في عام 2003، حاولت أوروبا أن تبني – من خلال الموقف من حرب احتلال العراق- محوراً ثلاثياً: موسكو- برلين – باريس  (بوتين – شرويدر – شيراك) لكن المحاولة فشلت باسقاط الآخيرين والتحاق بلديهمها بالأطلسة الأميركية. بقي الأول، فتدارك الخسارة بالالتفاف نحو الشرق، حيث نجح في تشكيل محور مواجه، كان من الطبيعي ألا تتاخر المواجهة بينه وبين المحور الأطلسي. وكانت البؤرة أيضاً، هذه المرة، في هذا العالم العربي الخطير، سورية.

سورية متوسطية، وبهذا هي تعني الكثير للجميع، خاصة لروسيا ولأوروبا. الفرنسيون كانوا أول من أرسل المستشارين الأمنيين للعمل مع المعارضة المسلحة، وأكثر من جند أجهزته الإعلامية ضد الدولة السورية. بل أكثر من سمح للإرهابيين بالالتحاق بالجماعات المسلحة كما قالت تصريحات وزير الخارجية لوران فابيوس ورئيس الوزراء إيمانويل فالس : "لا أستطيع أن امنع شاباً من الذهاب لمقاتلة الديكتاتورية".

سورية هي البلد العربي الذي يقود المحور المقاوم لإسرائيل وعليه فإن صنائع اللوبيهات اليهودية الفاعلة في فرنسا والولايات المتحدة سيعملون على تدميرها بكل ما أوتوا، وإن لم يتمكنوا من الانتصار العسكري عليهم احتواءها ديبلوماسياً وسياسياً. وعليه تقول الصحافة الفرنسية إن ماكرون سيحاول إقناع ترامب بالإبقاء على الألفي جندي أميركي الموجودين في سورية، كما يقول ماكرون في حديثه لفوكس نيوز عشية زيارته لترامب "علينا أن نعمل معاً للجم قوة دول مارقة، وديكتاوتوريين فظين ... ضرورة أن نبقى موجودين على الساحة السورية، ليس بالضرورة عبر الجيوش بل بالديبلوماسية لأجل بناء سورية الجديدة ... إذاً ذهبنا بعد هزيمة داعش سنترك الساحة للأسد وإيران وهؤلاء سيعدون للحرب المقبلة ويغذون الإرهابيين الجدد" ...

"الدول المارقة – الديكتاتوريون – بناء سورية الجديدة - الحرب المقبلة – الإرهابيون الجدد"

بناء سورية الجديدة يعني لهؤلاء أمرين: بناء الإقتصاد، أي الاستثمار في إعادة الإعمار والغاز، وبناء المفاهيم والثقافة بما يتناسب مع الليبرالية الجديدة من جهة، ومع محو الهوية والسقوط في العولمة الثقافية المفرغة والأهم مع إنهاء ثقافة المقاومة وصولاً إلى التطبيع مع الإسرائيلي وقبول هيمته على المنطقة كما يهيمن على ترامب وماكرون.

بعبارة : نهب الثروات، مصادرة الهوية والإذلال.

أما الحرب المقبلة والإرهابيون الجدد فليسوا إلا أولئك الذين يصرون على مقاومة هذا المشروع الاستعبادي.

من هنا يقول ماكرون لفوكس نيوز إنه سيحاول إقناع ترامب بالإبقاء على الاتفاق النووي مع إيران، مقابل مقاومة الصواريخ الباليستية ونفوذ إيران في المنطقة. ليس فقط لأن هناك عقوداً بين باريس وطهران بقيمة 400 مليار دولار، بل لأن محاولة احتواء طهران عبر التشدد في الموضوع الصاروخي، وعبر تحجيم نفوذها في المنطقة هو مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، وهناك خليج عربي مستعد لدفع الثمن.

أخيراً، عندما يتحدث عن بوتين يصفه بعبارات إدانة في ملفات عدة، خاصة تدخله في أوروبا وعدم اتفاقه مع الرؤية الغربية للديمقراطية، لكنه يضيف أنه سيستمر في التعامل معه. لماذا؟ لأجل مصالح فرنسا؟ طمعاً في أن يحصل بذاك على جزء من الكعكة السورية؟ أم لأجل تصدر المشهد الأوروبي بدلاً من ألمانيا؟ أم لأجل محاولة اقناعه بالأهداف الفرنسية المذكورة في سورية؟

الطريف أن هذا الرئيس المنتقد للديكتاتوريات ينسى الديمقراطية تماماً عندما يتعلق الأمر بما يفرضه من تحولات نيوليبرالية على بلاده، وعندما يسأل عن الرأي العام الفرنسي والمظاهرات يقول بفظاظة "إذا استمعنا لاستطلاعات الرأي لا يمكننا أن نقوم بالإصلاح". هذا الإصلاح الذي يشكل دين ماكرون على الذين أوصلوه للرئاسة. هذا الإصلاح النيوليبرالي الذي يقضي على كل المنجزات الشعبية الفرنسية ويقدم نموذجاً أميركياً لأوروبا كلها هو ما يجعل اللوبي المالي ولوبي الشركات راضياً كلياً عن ماكرون، رضى إذا ما أضيف إليه رضى اللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل، كانت النتيجة محاولته التقدم على ألمانيا في قيادة أوروبا وراء الأطلسة الأميركية.

ما يهمنا في قراءة المعادلات الجديدة القديمة هو قراءة مصالحنا، هو قراءة ما يحضر في الكواليس الغربية من جولات جديدة لسورية ولفلسطين، وربما في القادم القريب لمصر، إذا صحت الأنباء بأن قسماً من المقاتلين الذين انسحبوا إلى الشمال السوري قد نقلوا إلى سيناء عبر السودان. احتال ربما يؤشر على صحته بدء عمليات التباكي في الإعلام الأوروبي (من الفرنسي إلى بي بي سي) على الأوضاع الإنسانية في سيناء. مقابل تقارير تمجيدية لسد النهضة، واسترجاعية لأوضاع قناة السويس.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً