علي أبو الخير

كاتب مصري.

ما هي أزمة الكنيسة الأرثوذكسية المصرية؟

ولا يمكن التسامُح لمن يُريد للشأن القبطي أن ينشق على نفسه، وإذا كنّا نهاجم الإرهابيين من الوهّابيين السلفيين، فلا بدّ من نفس المنطق لا نسمح لمُتشدِّدٍ في الكنيسة أن يُملي إرادته على جموعِ الشعب القبطي، وعلى البطريرك بصفةٍ خاصة، داخل مصر أو خارجها.

يوجد خلاف بين محافظين أصوليين وتيار إصلاحي من رأس الكنيسة

بعد حادثة القتل المُروِّعة التي تعرَّض لها الأنبا (يعني المقدس) "أبيفانيوس"، الرئيس السابق لدير "الأنبا مقاريوس" في وادي النطرون، شمالي غرب القاهرة، والتي تُحقِّق فيها النيابة العامة المصرية، ولم تنتهِ منها حتى الآن، والتي كتبنا عنها من قبل في نفس موقع "الميادين" الغرّاء يوم 14 آب|أغسطس عام 2018، تحت عنوان "دماء على جُدران الكنيسة والجلباب الأسود"، رأينا أن الموضوع يحتاج إلى المُتابعة، فالأمر لم يعد مُقتصراً على مقتل راهب أو رئيس دير، ولكن الأمر يتعلَّق بطبيعة العمل داخل الكنيسة نفسها، لا نقول إن هناك انشقاقاً، ولكن توجد بالفعل حركة إصلاحية يقودها البابا "تواضروس الثاني"، تُجابَه برفضٍ من بعض الشباب الأصولي المُغالي في الرَهبنة أو الخروج عليها..


نُبسِّط الأمر فنقول إنه يوجد خلاف بين محافظين أصوليين وتيار إصلاحي من رأس الكنيسة، وهو ما يرفضه بعض شباب الكنيسة، ولو اقتصر الأمر على خلافٍ في وجهات النظر الدينية لهان الأمر، ولا نتدخَّل في الشأن الداخلي للكنيسة، ولكن أيّ انشقاق فإنه يؤثِّر على الدولة المصرية كلها تماماً مثل الأزهر الشريف، فيه حركة إصلاح بعد مَنْع السلفيين الوهّابيين من الخطابة ونَشْر الكُتب والفتاوى، والدولة المصرية معنية إذن بالشأن القبطي إذا خرج للعَلَن، أو حدث انقلاب ديني أو شأن روحي، وهو ما حدث.


لقد أثار إعلان الراهِب المشلوح (يعني المطرود) يعقوب المقاري انفصاله عن الكنيسة القبطية يوم 4 أيلول|سبتمبر 2018، بعدما تم تجريده من الرهبنة، ضجَّة كبيرة، لأن الإعلان رافقه تداولُ أنباء عن نيّته تأسيس كنيسة جديدة مُنشقّة، وأنه سوف يُنصِّب نفسه بطريركاً لها، كما ظهرت صوَره في زيٍّ يشبه زيّ بطريرك الكرّازة (يعني البشارة) المرقسية، ومن حوله مجموعة من الشبان في ملابس كنَسية، رسَّمهم(أي عيَّنهم) رهباناً بنفسه، وكانت لجنة الرهبنة وشؤون الأديرة في المجمع المُقدَّس، قد أصدرت قراراً بتجريد الراهب يعقوب المقاري" من الرهبنة في 28 آب|أغسطس 2018، وعودته لإسمه العلماني "شنوده وهبه عطا الله"، نظراً لما وصفته ب"التجاوزات العديدة" التي قام بها، وحذَّرت من التعامُل معه، وأنها غير مسؤولة عن الشبّان طالبي الرهبنة في ما يُسمَّى بدير "الأنبا كاراس" في وادي النطرون، الذي يترأسه المقاري، الذي شلح بطريرك الأقباط البابا "تواضروس الثاني"، وهي سابقة غريبة ومُريبة في وقتٍ واحدٍ، لأن المعنى أن المشلوح "المقاري" شلح أو طرد البابا نفسه، وهو ما أدَّى بنا إلى المُطالبة من الدولة بالتدخّل لحلّ الخلاف وعودة الأمور إلى نصابها، خاصة وأن أية فتنة داخل مصر تصبُّ في خدمة المشروع الصهيوني ككل، وهنا نعاود الطلب من الحكومة المصرية عدم ترك المشكلة تكبر.


وللقارئ الكريم نوضح ببساطة طبيعة النظام في الكنيسة الأرثوذكسية، فمنذ أن جاء القديس "مار مرقس" الرسول، أحد المُبشّرين الأوائل للمسيحية، إلى مصر في أواخر عام 61 ميلادية، بدأ التبشير في مصر من الإسكندرية، ثم في باقي أركان الدولة المصرية القديمة، داعياً رفض عبادة الأوثان، والإيمان بالله والمسيح، ومن هنا ترسَّخت أساسيات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وبدأت أعداد المسيحيين تزداد يوماً بعد يوم، حتى صار أكثر المصريين من مُعتنقي المسيحية، إلى أن دخل الإسلام مصر، وصار أغلب أهلها مسلمين، ولقد عرفت مصر مُبكراً نظام الرهبنة، الذي انتشر في ما بعد في شتّى أصقاع العالم.


تطلَّب الأمر أن يكون هناك راع للمسيحيين، يتفقّد أحوالهم الروحية، ويكمل مسيرة التبشير بالمسيحية خلفاً للقديس "مرقس"، الذي قام برسامة أيّ بتعيين كاهنٍ للكنيسة في الإسكندرية، وبعد مقتل "مرقس" تولّى هذا الكاهن أمور الكنيسة في ما عُرِف باسم "البابا البطريرك"، كما هو معروف اليوم.


ويُعدُّ منصب البطريرك أهم وأرفع منصب في الكنيسة، حيث أنه يُدير أمورها ويرعى المسيحيين الأرثوذكس الأقباط في مصر وفي بلاد المهجر، ويتم انتخابه كنَسياً، ولكن يتم تعيينه رسمياً بقرارٍ من رئيس الجمهورية، وذلك حسب القانون المعمول به الآن.


لقد ترك القديس "مرقس" بعده على كرسيّه 118 بطريركاً،  آخرهم البابا الحالي "تواضروس الثاني"، ويُعادل البابا القبطي بابا "الفاتيكان"، ونظرياً، فإن بابا الأرثوذكس هو بابا للمسيحيين في روسيا وصربيا، وكل بلاد أفريقيا بما فيهم أثيوبيا، التي ظلّت كنيستها تابعة للكنيسة المصرية، حتى عام 1959 عندما سمح البابا "كيرلس السادس" بوجود بطريرك أثيوبي في أديس أبابا، ومن ثم انفصلت الكنيسة الأثيوبية عن الكنيسة الأمّ في مصر، رغم أن العقيدة واحدة في الكنيستين، ولذلك يخشى كثيرون مما يقوم به المشلوح "يعقوب المقاري"، لأن معنى أن يكفّر البابا، وأن يُرسّم(يُعيِّن) رهباناً ويقدّسهم، يكون قد انفصل عن الكنيسة، وهو ما ترفضه الكنيسة والأزهر ومصر كلها.


الدولة في مصر تراقب الأمر، ولكن كثيرين من الإعلاميين والكتَّاب من مسلمين ومسيحيين لم ينفكّوا عن الطلب من الدولة التدخّل والقبض على "يعقوب المقاري"، ومحاكمته، فهو مطرود من الكنيسة رسمياً، ويريد تأسيس كنيسة موازية، وهو ما يخالف الدستور، الذي لا يعترف إلا بالكنيسة الرسمية التاريخية، مع العِلم أنه توجد أقليات مسيحية في مصر، مثل الكاثوليك والبابا الخاص بهم في الفاتيكان، أما البروتستانت فليس لهم بابا، وبالتالي فالكنيسة القبطية مصرية الأصل تاريخية التكوين، لها دور وطني ممتد عبر الزمن، وتتأثّر الدولة بما يحدث فيها أو لها.


في مصر المُعاصِرة تجربة سابقة، في عام 1954، قامت جماعة تُسمّي نفسها جماعة الإصلاح القبطية، بعملية خطف مسلّحة للبابا "يوساب الثاني"، وأجبروه على التوقيع على التنازُل عن العرش البابوي، ثم قاموا بإصدار بيان يعلنون فيه تنازُل البابا عن الكرسي، ولكن الشرطة المصرية قامت باقتحام المبنى، وألقت القبض على الجُناة ومعهم 37 من أتباعهم، وسارعت بتحرير البابا وأعادته إلى المقر البابوي، وحُكِمَ على مؤسّس الجماعة بالسجن لمدة ثلاث سنوات، ذلك أن الأمر جد لا هزل فيه، ولا يمكن التسامُح لمن يُريد للشأن القبطي أن ينشق على نفسه، وإذا كنّا نهاجم الإرهابيين من الوهّابيين السلفيين، فلا بدّ من نفس المنطق لا نسمح لمُتشدِّدٍ في الكنيسة أن يُملي إرادته على جموعِ الشعب القبطي، وعلى البطريرك بصفةٍ خاصة، داخل مصر أو خارجها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً