حمزة أبو شنب

محلل وباحث في الشأن الفلسطيني

اتفاق أوسلو الانقسام والهزيمة

لم تكن أحداث الانقسام الفلسطيني والصدام المسلح في منتصف عام 2007 إلا امتداداً لحالة الصراع بين برنامجين، وإن كان ظاهر الخلاف اشتد بسبب مكونات الحكم والسلطة بعد انتخابات عام 2006، فبذور الخلاف تصاعدت مع الخلاف على البرنامج السياسي ومسار التسوية للرئيس عباس.

الاتفاق بمثابة القواعد الأساسية للانقسام الفلسطيني الداخلي بين مشروع رفع غصون الزيتون واتخاذ قرار السلام مع العدو

تمر علينا في هذه الأيام ذكرى مرور أكثر من ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم، الذي منح البعض الفلسطيني من خلاله الحق للعدو الصهيوني في أكثر من 78% من أرض فلسطين الانتدابية، وأسس لعملية شرخ وانقسام فلسطيني _فلسطيني.

كان الاتفاق بمثابة القواعد الأساسية للانقسام الفلسطيني الداخلي بين مشروع رفع غصون الزيتون واتخاذ قرار السلام مع العدو، ومشروع رفض الخيار التنازلي والإصرار على مواصلة المقاومة بكافة الأدوات والوسائل، مما عمّق حالة الصدام الداخلي منذ البداية.

لم تكن أحداث الانقسام الفلسطيني والصدام المسلح في منتصف عام 2007 إلا امتداداً لحالة الصراع بين برنامجين، وإن كان ظاهر الخلاف اشتد بسبب مكونات الحكم والسلطة بعد انتخابات عام 2006، فبذور الخلاف تصاعدت مع الخلاف على البرنامج السياسي ومسار التسوية للرئيس عباس.

البرنامج الذي انتفض عليه الرئيس الراحل ياسر عرفات في انتفاضة الأقصى عام 2000 بعد أن أدرك بأن المسار التصالحي مع العدو مرفوض شعبياً، وأن الاحتلال لا يمكن التفاوض معه، فالعقل الصهيوني يرتكز على قتل الفلسطينيين وتهجيرهم، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، ومع اتفاق أوسلو تزايدت الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس.

لم تكن مشكلة أوسلو فقط في الصراع مع العدو، بل سعى مروجو الاتفاق إلى خلق ثقافة مغايرة عن الروح الثورية والشعبية في المنطقة، وعملت على قتل المبادئ الأساسية للعمل المقاوم بالملاحقة والاعتقال والاجتثاث، وسعت للعمل على تغيير النظرة العدائية للمحتل المغتصب.

مازال المشهد حاضراً ولا يغيب عن ذهني، حينما كنت طفلاً لم أبلغ العاشرة من عمري عند الإعلان عن توقيع اتفاق أوسلو، كيف حاول البعض تحسين صورة الجندي الذي يطلق علينا النار، ويقتل أصدقائي الأطفال، وهو الذي يعتقل والدي في سجونه، عندما ذهب وقدم له غصن الزيتون وصافحه وقال له نحن في حالة سلام.

عندما عدت سألت أحدهم بكل براءة أليس هؤلاء أعداءنا؟ كيف لي أن أصدق وهم من قتلوا قبل أيام قليلة صديقي عامر، ومازال أبي في سجونهم، هل سنعود إلى أراضينا المحتلة عام 48 يافا وعكا والمجدل؟ فصَمتَ ولم يجب عن تساؤلاتي.

على الجانب الآخر من الصورة كانت المقاومة في فلسطين وجنوب لبنان تتصاعد ضد العدو، وتطور من قدراتها على كافة الأصعدة وتراكم إنجازات في مشروع تحرير الأرض، حتى نجحت في إرغام العدو على الانسحاب من جنوب لبنان أمام ضرباتها المتوالية والمؤلمة دون أي شرط.

أما في فلسطين ورغم بشاعة الملاحقة وعقد المؤتمرات التي كان أبرزها مؤتمر شرم الشيخ عام 1996 الذي جرم العمل المقاوم، إلا أن المقاومة نجحت في ضرب العمق الأمني للاحتلال، ومع انتفاضة الأقصى تمكنت من قلب موازين المواجهة مع المحتل وتكبيده خسائر لم يطيقها المجتمع الصهيوني، وأرغمه على الانسحاب من قطاع غزة عام 2005.

كما تمكنت المقاومة عبر المواجهات المتعددة مع الاحتلال من تعزيز الحالة الشعبية العربية والإسلامية وأحرار العالم الرافضين لاعتبار الاحتلال مكون طبيعي في المنطقة العربية، على الرغم من هرولة بعض الدول الخليجية للتطبيع وتغيير أولويات العداء في المنطقة العربية لحسابات حكوماتهم المعادية لخيارات الشعوب ورغباتهم.

أمام فشل مسار التسوية المرفوض منذ انطلاقته، وبعد مرور أكثر من ربع قرن على الاتفاق المشؤوم، فإن المطلوب فلسطينياً هو إعادة إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي على أساس برنامج المقاومة، والعمل على إنهاء الشكل السياسي للسلطة الفلسطينية، ووقف كافة أشكال التعاون مع العدو، وإعادة بلورة استراتيجية مقاومة تدفع الاحتلال للتراجع كما فعل في 2000 في جنوب لبنان، و 2005 في قطاع غزة، فهي أصوب الطرق وأسهلها.

أما حلفاء المقاومة في المنطقة العربية والإسلامية فعليهم واجب عظيم، في رفع وتيرة الدعم المقدم للمقاومة، مع غزارة ما قُدم خلال المراحل السابقة والحالية، وإدراك الجميع بأن رأس المقاومة في المنطقة هو المطلوب، إلا أنهم من الواجب عليهم مساندة المقاومة بصورة أكثر بكثير من الواقع الحالي حتى تحافظ على إنجازاتها وتواصل مسيراتها.   


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً