ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

المحكمة الخاصة بلبنان: التوسّع لمُحاكمة "النظام السوري"؟

كانت لافتة عودة الادّعاء في المحكمة في مرافعاته الختامية للإشارة إلى أن "النظام السوري في صلب مؤامرة اغتيال الحريري"، عِلماً أن هذا الاتّهام كان قد سقط منذ عام 2009، ولم يتم ذكره منذ عام 2011 حين صدر القرار الاتّهامي لدانيال بلمار واتّهم فيه صراحةً عناصر من حزب الله بالقيام بذلك الاغتيال، مستنداً إلى دليل "داتا الاتصالات" الضعيف، والذي أثبتت لجنة الاتصالات البرلمانية في مجلس النواب اللبناني أن الاتصالات في لبنان مُخترّقة من العدو الإسرائيلي.

المحكمة الخاصة بلبنان: التوسّع لمُحاكمة "النظام السوري"؟

تختتم المحكمة الخاصة بلبنان جلسات المُرافعة النهائية تمهيداً لاستصدار قرارها النهائي الذي بات معروفاً للجميع، والذي راهن عليه الكثير داخلياً وخارجياً لإحراج كل من النظام السوري وحزب الله.

وكانت لافتة عودة الادّعاء في المحكمة في مرافعاته الختامية للإشارة إلى أن "النظام السوري في صلب مؤامرة اغتيال الحريري"، عِلماً أن هذا الاتّهام كان قد سقط منذ عام 2009، ولم يتم ذكره منذ عام 2011 حين صدر القرار الاتّهامي لدانيال بلمار واتّهم فيه صراحةً عناصر من حزب الله بالقيام بذلك الاغتيال، مستنداً إلى دليل "داتا الاتصالات" الضعيف، والذي أثبتت لجنة الاتصالات البرلمانية في مجلس النواب اللبناني أن الاتصالات في لبنان مُخترّقة من العدو الإسرائيلي.

وقعت حادثة اغتيال الرئيس الحريري في مرحلة بالغة التوتّر، عربياً ودولياً على أثر احتلال الأميركيين للعراق. وما أن حصل الاغتيال، حتى تقاطعت مصالح فرنسية -أميركية- عربية بالتنسيق مع أطرافٍ داخليةٍ لبنانيةٍ، فأنشئت لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري وبعدها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومهمتها الأساسية "غير المُعلَنة" كما حددها لها الرئيس الفرنسي جاك شيراك "قتل النظام السوري" (عبارة حرفية أوردها فرنسوا نوزيل في كتابه "سر الرؤساء"، ولم يتم نفيها من قِبَل شيراك).

ومنذ لحظة اغتيال الحريري في شباط 2005 حتى عام 2009، لم تُشر التقارير التي أصدرتها "لجنة التحقيق الدولية المستقلّة" المُكلّفة بالتحقيق مُطلقاً إلى حزب الله أو أحد عناصره، بل خلصت التقارير إلى أن "خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورّط مسؤولي أمن سوريين في حادث الاغتيال". وفي أيار 2009، نشرت مجلة "دير شبيغل"، مقالاً ذكرت فيه بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل كيف شاركت عناصر من حزب الله في جريمة القتل، وكيف اكتشفت "لجنة التحقيق الدولية" ارتباط أولئك العناصر في حادث الاغتيال. وتتحدّث أن أحد عناصر الحزب "ارتكب طيشاً لا يُصدَّق" حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تمّ استخدامه في عملية الإغتيال، ما أتاح للمُحقّقين فرصة تحديد الرجل. وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط حزب الله باغتيال الحريري، وصولاً إلى القرار الاتّهامي الذي اتّهم أربعة عناصر من حزب الله، ثم أُضيف إليهم شخص خامس.

واللافت اليوم الغبطة التي سادت أوساط المعارضة السورية وبعض اللبنانيين من قوى 14 آذار، حول إعادة ربط الاتّهام للنظام السوري، مُعتبرين أن هذا قد يكون تمهيداً لفتح ملفات "النظام" واتّهامه بارتكاب جرائم أخرى في الحرب السورية، ولنا على هذا الأمر ملاحظات عدّة:

أولاً: إن اختصاص محكمة لبنان هو اختصاص ضيِّق جداً وصلاحياتها أضيق من أيّة محكمة دوليّة مرّت في تاريخ المحاكم الدولية. فلا يدخل ضمن اختصاصها النظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت حتى في لبنان في السنوات أو العقود الأخيرة، ولا حتى تلك الاغتيالات وأعمال التفجير التي جرت في لبنان بالتزامُن مع اغتيال الحريري، إلا في حال كانت مُرتبطة ومُتلازِمة، ومُماثلة في طبيعتها وخطورتها لجريمة الحريري، وقد وجدت المحكمة أن القضايا المُترابِطة مع قضية اغتيال الحريري هي حصراً: محاولة اغتيال مروان حمادة، ومحاولة اغتيال إلياس المرّ، وقضية اغتيال جورج حاوي.

وهذا يعني عدم إمكانية ضم أية قضية أخرى إلى اختصاص المحكمة، ولا توسيع إطار صلاحيتها للنظر في الجرائم المُرتكَبة على الأراضي السورية.

ثانياً: إن عبارة "النظام السوري" هي عبارة فضفاضة، فالمسؤولية الجنائية في القضاء الجنائي الدولي هي مسؤولية فردية، أي أن اتّهاماً لمسؤولين سوريين يجب أن يتم ذكره بالإسم، وليس ضمن عبارة فضفاضة لا يمكن الاستناد إليها في أيّ اتهام جنائي.

ثالثاً: لقد أثبتت التجارب أن المحاكم الجنائية الدولية هي فعلياً وواقعياً "عدالة المُنتصرين"، إذ لم تستطع أي منها في كل مسارها منذ محاكمات نورمبرغ على أثر الحرب العالمية الثانية ولغاية اليوم، أن تقدّم مُنتصراً للعدالة، فلم يُحاكَم في نورمبرغ سوى الألمان المهزومين، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتشار ثقافة تأسيس المحاكم لم يُحاكَم قادة الناتو ولا مَن يدعمونهم في المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة على قتل المدنيين في كوسوفو، ولم يتم التحقيق معهم في المحكمة على الاتهامات المُساقة للجنود بالتجارة بالأعضاء البشرية، ولم يُحاكَم أحد من قبائل التوتسي المُنتصِرة في رواندا، ولم يُحاكَم سوى المهزومين في كمبوديا إلخ..

وهكذا نجد، أن المُنتَصر هو مَن يسنّ القانون، ويكتب التاريخ، ويُقيم المحاكمات للمهزومين ليُضيف إلى انتصاره الميداني انتصاراً تاريخياً وبراءة أخلاقية... وعليه، طالما لم تتم هزيمة "النظام السوري"، فمن الصعب جداً تأسيس محكمة دولية لمُحاكمة أركانه أو مسؤولية، بزعم ارتكاب جرائم حرب خلال النزاع.

وعليه، انطلاقاً مما سبق، إن أية محاكمة لجرائم الحرب المُرتكَبة في النزاع السوري، سيكون من المُتعذّر دولياً النظر فيها، وسيكون على الضحايا الطلب من الحكومة السورية لتقوم بنفسها بتأسيس غرف خاصة داخل محاكمها الوطنية لمُحاكمة مَن ارتكبوا جرائم حرب خلال النزاع المُسلّح في سوريا.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً