ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

لبنان: سقوط قناع المُتسلّقات النسويات

أكثر ما يضرب الحركة النسوية اللبنانية اليوم هو ما تقوم به الناشِطات النسويات أو الناشِطات السياسيات في المجتمع المدني، من تقليد للسياسيين التقليديين، والمنافسة الشعبوية التي سُرعان ما يتبيّن زيفها، والأخطر هو ممارسة السياسة تماماً كما يُفترض بالسياسي أن يمارسها بحسب نصائح مكيافيللي في كتاب "الأمير".

الحركة النسوية اللبنانية فشلت في إعطاء نموذج مختلف أو صورة مُشرِقة يتم الاستناد إليها لتسويق نوعِ جديدٍ من "المرشّحات السياسيات" اللبنانيات

منذ ما قبل الانتخابات النيابية في لبنان وما بعدها، تسيطر برامج "دعم وتمكين المرأة" على أجندات المنظّمات غير الحكومية المُموَّلة من الاتحاد الأوروبي والوكالة الأميركية للتنمية، بحيث نشهد تكثيفاً للبرامج المُعدَّة لتدريب النساء وتأطيرهّن وحثّهن على المشاركة الفعّالة في الحياة السياسية والانتخابات وغيرها.

وقد يكون لبنان من الدول المُحتاجة لهذا الجهد، باعتبار أن المرأة اللبنانية قد أثبتت نفسها في ميادين التعليم والعمل والتجارة وغيرها، لكنها بقيت مُتراجِعة بشكلٍ كبيرٍ في الحياة السياسية. لكن المشكلة التي وقعت فيها بعض النساء اللبنانيات، أنهّن اندفعن مباشرة إلى "النسوية الراديكالية"، والتي تريد أن تحوِّل المرأة إلى مُتسلّط ٍعلى الرجال والمجتمع وليس إلى مساواة بين الجنسين، فما هي هذه المُقارَبة؟

ظهرت "النسوية الراديكالية" خلال فترة نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، وهي لا تُطالب بمكانةٍ متساويةٍ للمرأة مع الرجل (كما تُنادي النسوية الليبرالية)، ولا تدعو إلى تصحيح النظام وإلغاء الفوارِق الطبقية والاقتصادية التي تُعيق وصول المرأة إلى مراكز القرار (كما تدعو النسوية الاشتراكية).. بل هي تنظر إلى المرأة باعتبارها تُمثّل إحدى الأولويات السامية، وإن عليها أن تتفوَّق على الرجل وتصبح أعلى شأناً منه.

ولقد تطرّفت بعض النساء من ضمن هذه الحركة الراديكالية، لتصبح هناك مطالبات للمرأة بعدم الحَمْل والإنجاب والتخلّي كلياً عن العلاقة الجنسية مع الرجل واستبدالها بعلاقةٍ مع النساء. ويعتقدن أن المرأة يمكن أن تتمتّع بالمساواة مع الرجل من خلال الثورة التكنولوجية التي تفصل ولادة الأطفال عن جسم النساء من خلال الأرحام الصناعية، وقد اتّخذ هذا الاتجاه مقولة سيمون دي بفوار مُنطلقاً له: "إن المرأة لا تولد إمرأة، بل تصبح إمرأة".

من هذه الحركة الراديكالية، تنطلق معظم مُطالبات الحركات النسوية في العالم اليوم، بدعم المرأة للمرأة في الانتخابات وفي السياسة، ونستذكر - على سبيل المثال - مقولة مادلين أولبرايت بأن "هناك مكاناً خاصاً في الجحيم للنساء اللواتي لا تنتخبن نساء"...

وهكذا، يمكن القول إن بعض الناشطات اللبنانيات في المجتمع المدني، قد انحرفن بشكلٍ يُسيء إلى الحركة النسوية اللبنانية بشكلٍ عام وذلك من خلال:

1- إن الادّعاء بأن مُناصري "أحزاب المجتمع المدني" هم أعلى شأناً وأكثر وعياً ويملكون عقلاً أرجح سياسياً من مُناصري الأحزاب الأخرى، تضرب الفكرة الأساسية التي انطلقت منها الحركة النسوية الحديثة وهي "أن كل البشر متساوون".

2- لقد نجحت الحركات النسوية في الغرب بتصوير نفسها "باحِثة عن الحقيقة" لكشفها للرأي العام، فمن الحقائق حول التفاوت في الأجور بين الجنسين، إلى التحرّش الجنسي (Me too)، كان قول "الحقيقة" هو السلاح الأفعل بالنسبة للحركات النسوية... من هنا، فإن انكشاف كذب الناشطات السياسيات وهجومهّن على المعارضين أو على مَن يقومون بكشف كذبهّن والتستّر بالشعارات النسوية لأجل ذلك، يجعل من كل تلك الادّعاءات مُجرّد وسائل سياسية تستخدم "المرأة" كسلعةٍ في سوق النخاسة السياسي.

3- إن أكثر ما يضرب الحركة النسوية اللبنانية اليوم هو ما تقوم به الناشِطات النسويات أو الناشِطات السياسيات في المجتمع المدني، من تقليد للسياسيين التقليديين، والمنافسة الشعبوية التي سُرعان ما يتبيّن زيفها، والأخطر هو ممارسة السياسة تماماً كما يُفترض بالسياسي أن يمارسها بحسب نصائح مكيافيللي في كتاب "الأمير".

في النتيجة، يبدو أن الحركة النسوية اللبنانية، ومنظّمات المجتمع المدني المُمولَّة أميركياً وأوروبياً قد فشلت في إعطاء نموذج مختلف أو صورة مُشرِقة يتم الاستناد إليها لتسويق نوعِ جديدٍ من "المرشّحات السياسيات" اللبنانيات... بل إن كل ما تمّ إظهاره لغاية اليوم، هو نسخة مُكرَّرة عن سياسيين تقليديين (ذكور وإناث)، يمارسون السياسة بنفس الوسائل ونفس المنطق ونفس الخطاب المُستهلَك.

 

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً