محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

حقيقة اتهام السعودية والقناعات الغربية بشأنه

لا يمكن أن تكون السعودية دوماً بمنأى عن النقد الدوليّ، بحجّة أنها برميل نفط يضخّ الحياة في شرايين الجسد الصناعيّ الغربي المتعطّش دوماً لمزيد من الطاقة للحفاظ على تقدّمه.

وصول محمّد بن سلمان إلى عرش المملكة أضحى محفوفاً بمزيد من العراقيل والعقبات

خلال الأيام الثلاثة الماضية لجأت السعودية إلى حشد رأي عام داخلي وإقليمي مُساند لسرديّتها بوجود مؤامرة إعلامية إقليمية ودولية تتعرّض لها.

المحتشدون خلفها هم الأمين العام لجامعة الدول العربية والأمين العام الحالي لمنظمة التعاون الإسلامي، وأطراف ما كانت تسمّى يوماً "دول محور الاعتدال العربي" عبر سلسلة بيانات صدّرتها هذه الجهات بشكلٍ مُتزامنٍ تقريباً، بعيد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض "عقاب شديد" على السعودية في حال تبيّن أنها خلف حادثة اختفاء (وربما مقتل) جمال خاشقجي.

ما عدا هؤلاء، لم نسمع صوتاً من مسؤولٍ دولي أو أممي وقف إلى جانب السعودية التي تتعرّض إلى ضغطٍ عالمي ينمو ويشتدّ بأسرع من كرة الثلج المتدحرجة. والجميع يطالب الرياض بإثبات براءتها من التورّط في اختفاء خاشقجي في قنصليتها.

لقد كشفت تطوّرات الأحداث ضعف الدعاية السعودية المضادّة في تصوير القضية بأنها تدبير "قطري إخواني قاعدي" مُفبرَك لتوريطها. والسؤال الذي يطرحه المراقبون: هل إذا صدّقنا أن المؤامرة القطرية الإخوانية نجحت في تضليل الرأي العام العربي والإسلامي والغربي باختلاق سيناريوهات غير حقيقية للإضرار بسمعة الرياض والنَيْل من مكانتها دولياً.. فهل نحن قادرون على تصديق أن الإدارة الأميركية وعواصم أوروبية مثل لندن وباريس وبرلين وغيرها مع ما تملكه من أجهزة استخبارات قد انطلت عليها تلك المؤامرة الخبيثة ضد حليف لها وانساقت خلفها؟

إن البيانات والتصريحات السعودية الرسمية معطوفة على ما تنشره أقلام مقرّبة جداً من الأمير محمّد بن سلمان مثل تركي الدخيل تشي بحجم خطورة المأزق الذي تعيشه الرياض عقب الحادثة. فالمتابع يستشفّ حقيقة التوتّر الحاصِل داخل العائلة المالكة التي تجد نفسها - ربما لأول مرّة في تاريخها - مُهدَّدة ومحرَجة بهذا الحجم الذي بدا عليه موقف الإدانة لها في نظر المجتمع الدولي.

يتجلّى هذا الأمر في صيغة البيان الرسمي بأن المملكة "إذا تلقّت أيّ إجراء فسوف تردّ عليه بإجراء أكبر، وأن لاقتصاد المملكة دوراً مؤثراً وحيوياً في الاقتصاد العالمي".

وكذلك بالتلويح بإنشاء قاعدة عسكرية روسية في تبوك، وأن إيران ستكون أقرب إلى الرياض من واشنطن. وقد تتحوّل حركة حماس وحزب الله "من عدوّين إلى صديقين" في حين سيتوقّف التعاون وتبادل المعلومات الأمنية بين الرياض وعواصم الغرب حول التنظيمات الإرهابية المتطرّفة.

هذا سيكون غيضاً من فيض التوجّهات الجديدة للمملكة إذا ما تعرّضت لعقوبات أميركية، وفقاً لما ورد في مقالة مدير قناة العربية تركي الدخيل المعروف بقربه من محمّد بن سلمان.

ورغم نفي السفارة السعودية في واشنطن أن تكون مقالة الدخيل عاكِسة للموقف الرسمي لقادة المملكة، إلا أن الدخيل – على الأرجح - لن يجرؤ على كتابة حرف واحد ممّا كتبه من دون ضوء أخضر من السلطة الفعلية داخل القصر.

مهما كان الإخراج النهائي للحادثة التي تحاول السعودية احتواءها بمزيدٍ من الاتصالات بتركيا، وآخرها اتصال الملك سلمان بالرئيس إردوغان. يبدو أن القضية ثبّتت عدداً من القناعات إقليمياً ودولياً أهمها:

  • لا يرغب ترامب حتى الآن بانهيار رهانه على العهد الجديد في السعودية. فهو يأمل بضخّ المزيد من المليارات في السوق الأميركي. وقد وجد فرصة مناسبة جداً لممارسة لعبته المفضّلة وهي "المال مقابل الحماية".
  • السعوديون قبل غيرهم يعلمون أن ما يهدّدون به ليس واقعياً. وهو لا يتعدّى التهويل والابتزاز المضاد للابتزاز الترامبي الشرِه دوماً للمليارات السعودية حتى آخر دولار عندها، طالما هو موجود في السلطة، ولا يأبه لما تسبّبه تصريحاته المذلّة للسعودية من إحراجها أمام شعبها وبين الأمم.
  • محمّد بن سلمان الذي كان يُقدّم في الغرب أنّه رجل إصلاح يقود المملكة بثبات، ويكسر المحرّمات التقليدية في السعودية لم يعد كذلك. بل أصبح في عُرف كثير من المراقبين الغربيين بأنه شخص مُتسرّع، ومُتهوّر، وغير مُتسامِح مع أيّة معارضة محتملة له.
  • تهديد الرياض بإجراءات عقابية بأشدّ ممّا قد تفرض عليها من الولايات المتحدة كما بدا في البيان السعودي. قد يحمل في طيّاته رسالة شديدة السلبيّة إلى دوائر صنع القرار الأميركي أن وليّ العهد الذي ترعاه الإدارة الأميركية للوصول إلى عرش المملكة هو رجل غير مؤتمن على مصالحها وغير موثوق. وأنّه في لحظات الإحراج والضغط قد يقلب الطاولة على أصدقائه قبل أعدائه. وبالتالي كيف يمكن أن يؤتمن جانبه بعد اليوم؟
  • وصول محمّد بن سلمان إلى عرش المملكة أضحى محفوفاً بمزيد من العراقيل والعقبات. وإعادة المراهنة على شخصيات أخرى بديلة ضمن العائلة المالكة في تحقيق المصالح الغربية وضبط استقرار المملكة داخلياً وإقليمياً، قد تكون من ضمن السيناريوهات غير المستبعد النقاش بها أميركياً بعد اليوم.
  • لا يمكن أن تكون السعودية دوماً بمنأى عن النقد الدوليّ، بحجّة أنها برميل نفط يضخّ الحياة في شرايين الجسد الصناعيّ الغربي المتعطّش دوماً لمزيد من الطاقة للحفاظ على تقدّمه.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً