محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

لماذا تمّ اغتيال جمال خاشقجي؟

تميّز جمال خاشقجي عن غيره من المعارضين أو الناقدين السعوديين بأمور جعلته محطّ أنظار الأمير محمد بن سلمان. فالرجل خرج من رحم النظام الذي تربّى في أحضانه، وعلى معرفة تامة بكيفية صناعة القرار واتخاذه، وكان على احتكاك لفترة طويلة بالمستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني الذي تولى ملف الجيش الالكتروني السعودي أو "الذباب الإلكتروني" كما يحلو للبعض ان يطلق عليه.

توصّل خاشقجي الى قناعة مفادها أن ابن سلمان لم يكن رجل اصلاح

لماذا تمّ اغتيال جمال خاشقجي وهو واحد من عشرات آلاف المعارضين الذين قد يشكلون خطرا على النظام السياسي في المملكة العربية السعودية؟ سؤال يطرحه الكثيرون ولا سيما اولئك الذين يشتمون رائحة التسييس في القضية برمتها.

شبهة التسييس واضحة لولا التسريبات واللقاءات المسجّلة سابقا مع خاشقجي والتي نشرت بعد وفاته، حيث عكفت على نشرها الصحافة الغربية مثل "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز"  و"التايمز"  و"نيوزويك"  و"دير شبيجل" الألمانية.

ولفهم القصّة، لا بدّ من الرجوع قليلاً الى بداية الانتفاضات التي هزّت العالم العربي عام 2011.

بعد تلك الخضّات الضخمة، شرعت كثير من النظم العربية وبشكل متصاعد في انفاق ملايين الدولارات على بناء أنظمة ومراكز متخصصة في التجسس الإلكتروني وتعقب مواقع التواصل الإجتماعي على اختلافها.

جاء هذا التوجه بعد أن اكتشفت النظم المقتدرة حجم الخلل الذي كانت تعيشه أجهزتها الاستخبارية في عصر الانترنت، اذ استقرت القناعة أن غفلة عين الرقابة الاستخبارية عما يدور على منصّات التواصل الاجتماعيّ هو الذي أطّر الاصوات المعارضة وجعلها قوّة ذات تأثير لا سيما ضمن فئة الشباب التي قادت التظاهرات وحركت الشارع الذي اربك عددا من النظم فأسقط بعضها.

تطلّب التعامل مع أجهزة التجسس الالكتروني انشاء خلايا عمل متشعبة اقرب في طريقة عملها الى الفيالق العسكرية المدربة والمتخصصة. ويطلق عليها "الجيش الإلكتروني".

يعكف الجيش الالكتروني على مهمات من شقين: الأول رصد الذين يشكلون خطراً على النظام أو التوجه السياسي فيه ووضع قوائم باسمائهم لدراسة حالاتهم الاجتماعية قبل تعقبهم والحدّ من فعاليتهم عبر التجسس على هواتفهم وتحجيم قدراتهم على التأثير وعزلهم اجتماعياً بالتضييق وممارسة الشتم والتهديد وتحريض الناس على إيذائهم، ووضع قوائم للتشهير بهم.

وينحصر الشقّ الثاني من مهام الجيش الإلكتروني في خلق رأي عام داخلي متماسك ومؤيد للحكومة وتوجهاتها ومباركة أفعالها جنباً الى جنب مع فلترة الأحداث والاخبار التي تتناول الأوضاع الداخلية ونظام الحكم فيها والآتية من تشخيص المؤسسات والوكالات والمنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية حيث تحرص خلايا الجيش الإلكتروني على التخفيف من حجم انتشار الأخبار المضرّة، والنشر على اوسع المدى للاخبار الإيجابية.

ولهذا يقوم الجيش الالكتروني بانشاء آلاف الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي. وتديرها مراكز متخصصة، يشغلها مئات وربما آلاف الأشخاص من الموظفين للقيام بالمهام المنوطة بهم.

وقد تزايد أثر الجيش الإلكتروني وتعزّز حضوره حين تمّ رفده وربطه بالوسائل الاعلام التقليدية من تلفزيون وصحافة حيث بات التناغم بين القطاعين على اعلى مستوى ممكن.

السعودية مثل دول عربية اخرى، بدا جيشها الالكتروني فاعلا في خلق تأييد لقرارات مصيرية اتخذتها الجهات الحاكمة مثل تعين الامير محمد بن سلمان ولياً للعهد، والحرب على اليمن، وحصار قطر، وشيطنة قوى الاسلام السياسي وحركات المقاومة والتحريض على ايران ودعم اطراف اقليمية محددة.

تميّز جمال خاشقجي عن غيره من المعارضين أو الناقدين السعوديين بأمور جعلته محطّ أنظار الأمير محمد بن سلمان. فالرجل خرج من رحم النظام الذي تربّى في أحضانه، وعلى معرفة تامة بكيفية صناعة القرار واتخاذه ، وكان على احتكاك لفترة طويلة بالمستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني الذي تولى ملف الجيش الالكتروني السعودي أو "الذباب الإلكتروني" كما يحلو للبعض ان يطلق عليه.

والأهم من ذلك أنه على دراية تامة بعمل المخابرات السعودية نتيجة اشتغاله لسنوات طويلة مع جهاز الاستخبارات عبر تزويده بالمعلومات حول الفصائل والحركات الجهادية التي كانت تنشط في افغانستان وباكستان خلال الثمانينيات والتسعينيات. وقد سبق أن قابل أسامة بن لادن وكان قريبا منه الى حدّ مكّنه من الحصول على معطيات مفيدة لجهاز المخابرات.

وقد أهّلته ثقة العائلة المالكة بترقيته الى مستشار في سفارتيّ بلاده في لندن وواشنطن، الأمر الذي مكّنه من الاطلاع الواسع على كيفية عمل اللّوبي السعودي في الغرب، وقوائم شركات العلاقات العامة وجماعات الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا التي تتعامل معها الرياض من أجل الترويج للسعودية دولياً وخلق صورة وردية عن طبيعة الحكم في البلاد.

توفّر المعلومات الكافية حول الآليات والوسائل والشركات التي تتعامل معها السعودية في الغرب لدى خاشقجي، منحته من بين المعارضين الآخرين القدرة على تحديد اماكن الضعف في مشروع الأمير محمد بن سلمان وكيفية مواجهته.

تؤكد الروايات المسجلة لجمال خاشقجي أن ابن سلمان تواصل معه أكثر من مره حاثاً إيّاه على العودة الى بلاده إلاّ أنه لم يكن يقبل. وقد نقل أحد أصدقائه عنه قوله إنّه لا يثق بالوعود التي تقدّمها الحكومة للمعارضين. فهو يعرف كيف كانت تقدم الوعود للمعارضين السياسيين لجلبهم الى السعودية، ثمّ كيف يتمّ التعامل معهم لاحقاً.

توصّل خاشقجي الى قناعة مفادها أن ابن سلمان لم يكن رجل اصلاح، وجلّ ما يريده هو حكم البلاد بملكية مطلقة. والقاطرة السعودية حسب رأيه كانت تسير بسرعة جنونية نحو مزيد من الدكتاتورية بعكس سير القطارات في العالم.

ومع توصله لتلك القناعة، وتلاشي إمكانية التفاهم مع النظام الجديد في عهد بن سلمان،  قرر الخروج الآمن والسريع من الرياض. وهناك في واشنطن تطوّر الاتجاه لديه من نقد بنّاء للنظام الى محاولة الانحياز للمعارضة، عبر التواصل مع بعض الشخصيات الناشطة إلكترونية من أبرزها الشاب السعودي المعارض عمر عبد العزيز الذي يعيش في كندا.

سعى خاشقجي بالتنسيق مع عمر عبد العزيز الى تأسيس جيش إلكتروني مضادّ للجيش الإلكتروني السعودي. هدفه تعرية النظام السعودي، وكشف عوراته، والترويج للديمقراطية في البلاد، والتنسيق ما امكن مع بقية المعارضين فيما يتفق مع المبادئ التي يحملها. ولم يكتف جمال بالدّعوة بل قدّم مبالغ مالية لعمر عبد العزيز لتسهيل "جيش النحل". وقد اشار خاشقجي في احدى تغريداته الى "ان الجيش النحل قادم".

ومع تطور توجهاته كان لا بدّ من اسكات الرجل وجعل منه عبرة لكلّ معارض يفكر بمقارعة النظام. وها هو قد سكت الى الأبد!


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً