رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

في ذكرى استشهاده فتحي الشقاقي حين تنبّأ: السنّة والشيعة.. ضجّة مُفتعلة

في كتابه كما في مواقفه التاريخية المشهودة والتي ختمها بالاستشهاد، أكّد الشقاقي على روح الوحدة الإسلامية وأن الخلافات بين أهل السنّة الأصلاء والذين ليس منهم يقيناً الوهّابية السعودية، وبين الشيعة هي خلافات في الفروع وليس في الأصول.

الشقاقي استشهد في العام 1995

في الذكرى الـ 23 لاستشهاد د. فتحي الشقاقي الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والتي تمرّ هذه الأيام (استشهد في 26-10-1995) نحتاج إلى العودة لأهم رؤياه وأفكاره خاصة تلك التي تتماهى مع الأحداث والمُتغيّرات  المُزلزلة التي تعيشها الأمّة  اليوم (2018).

ولعلّ أحد أهم تلك المُتغيّرات، ذلك الصراع الدائر بين غُلاة المذهبين السنّي والشيعي وذلك التوظيف الأميركي الإسرائيلي له خدمة لاستراتيجيات الهيمنة والتبعية، لقد كان للشهيد (أبو إبراهيم) فتحي الشقاقي رؤية متجاوزة ورافِضة لهذا الصراع الذي كان يراه مُفتعلاً ومُغرِضاً وأن إثارته كل حين هدفه إشغال الأمّة عن قضاياها الرئيسية وفي مقدّمها قضية فلسطين، وأيضاً هدفه ضرب قوى المقاومة العربية والإسلامية بالفرقة بينهما من خلال اصطناع معارك وخلافات مذهبية يصعب الانتصار فيها، لأن أغلبها تاريخي وفقهي فضلاً عن كونه مُفتعلاً وغير حقيقي، لأن أمّة الإسلام في الأصل واحدة، وما قصّة السنّة والشيعة، إلا ذريعة لاستنزاف الطاقات وتمزيق النسيج الإسلامي الواحد.

في هذا السياق تأتي أهمية استحضار بعض من  أهم كتابات الشقاقي والتي أصدرها أوائل الثمانينيات من القرن الماضي إبان الحرب العراقية الإيرانية، والتي لعبت فيها السعودية الوهّابية بأموالها وإعلامها – الذي للأسف لايزال يضخّ نفس السموم والأفكار اليوم- على وتر الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة، ومن جملة ما أصدر الشقاقي كتابه الذي حمل عنوان (السنّة والشيعة : الضجة المُفتعلة - أوردناه نصاً في موسوعتنا المنشورة عام 1996 تحت عنوان: رحلة الدم الذي هزم السيف. الأعمال الكاملة للشهيد فتحي الشقاقي)، ووزعت من كتاب الشقاقي هذا وقتها آلاف النسخ في عشرات البلاد العربية والإسلامية، وكان بمثابة دستور عملي للوحدة الإسلامية يأتي من مجاهد كبير رداً على تخرّصات فقهاء السلطة وقتها، والذين وظّفوا عِلمهم –ولايزالون- خدمة للحاكم المُستبد ولقوى الهيمنة الخارجية.

في كتابه كما في مواقفه التاريخية المشهودة والتي ختمها بالاستشهاد، أكّد الشقاقي على روح الوحدة الإسلامية وأن الخلافات بين أهل السنّة الأصلاء والذين ليس منهم يقيناً الوهّابية السعودية، وبين الشيعة هي خلافات في الفروع وليس في الأصول، وأن الثورة والمقاومة ضدّ الاحتلال والفساد والاستبداد قد خلقت قواسم مشتركة كبيرة بينهما وأجبرت الخلافات على التراجع، ولكي يؤكّد فكرته تلك استشهد بعشرات الأقوال والمواقف لقادة الحركات الإسلامية السنّية والشيعية ومنهم حسن البنا والإمام محمود شلتوت والإمام الخوئي وأبوالحسن الندوي والإمام الخميني والشيخ محمّد أبوزهرة وفتحي يكن وغيرهم الذين أكّدوا جميعاً من خلال النصوص التي اقتبسها فتحي الشقاقي ونقلها عنهم، على أن الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة هو صراع مُفتَعل الهدف منه بالأساس ضرب الإسلام والثورة والمقاومة خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران على أعتي نظام استبدادي تابع لواشنطن في العالم؛ نظام الشاه، والطريف أن هذا الشاه رغم أنه من المفترض أنه شيعي المذهب إلا أن علاقاته الدافئة والاستراتيجية بين آل سعود ومشيخيات الخليج (السنّية!!) كانت على أعلى مستوى من العشق والتماهي في العمالة والطاعة لواشنطن وتل أبيب، الأمر الذي يؤكّد فكرة الشقاقي المركزية أن الصراع بين السنّة والشيعة ليس سوى صراع مُفتَعل مقصود به ضرب المقاومة وتغييب قضايا الأمّة المركزية وفي مقدمها، فلسطين.

وفي هذا السياق  يقول الشقاقي "منذ مطلع القرن التاسع عشر والوطن الإسلامي يواجه التحدّي الغربي الحديث، التحدّي الذي أفرزته الثورة الصناعية البرجوازية والحقد الصليبي القديم، وكانت الحملة الفرنسية تشكّل طلائعه الأولى. لقد أسقط هذا التحدّي نظامنا السياسي واحتل أرضنا واستمر في غزونا أخلاقياً وفكرياً طارحاً بدائله العلمانية الهزيلة.. وقبل أكثر من ثلاثين عاماً – كتاب الشقاقي صدر في أوائل الثمانينيات - حقق هذا التحدّي أخطر مهماته حين أفرز الدولة العبرية في القلب من الوطن الإسلامي، وعلى الجانب الآخر فإن تكريس التحدّي لا يتم إلا بقيام إسرائيل وقيام الأخيرة يستدعي إسقاط الأمّة واستمرارها يستدعي أن تكون أنظمة الحُكم في الوطن الإسلامي عميلة للاستعمار وتابعة له، فهي إفرازه الطبيعي والمنطقي وهي وجه العملة الآخر عندما تكون إسرائيل وجه العملة الأول".

ثم يقول "هكذا بدأت الأمور وحتى سنوات قليلة مضت كان التحدّي الغربي يظنّ أنه يوجّه ضرباته النهائية القاتِلة للحضارة الإسلامية المُنهارة حتى وجّهت الثورة الإسلامية في إيران أول سهامها للغرب، وحقّقت أول انتصار للإسلام في العصر الحديث. لقد عادت الحياة إلى هذا الجسد الذي ظنّوه قد أصبح جثّة هامِدة ، فها هو يستفيق من جديد وينهض رائعاً وفتياً ومن أين؟ من حيث كان تأثيرهم الشيطاني أشدّ وأقوى وأشرس ما يكون ، لقد اكتشفنا ذاتنا وها نحن ننهض بعد قرنين من المهانة والذلّ وبعد قرون من التخلّف والجهل"، ثم يذهب الشقاقي شارِحاً كيف استخدم الغرب عبر وكلائه في المنطقة لافتة الصراع مع الشيعة وثورتهم الإيرانية، لكي يهدم القِيَم الإسلامية الموحّدة والثائِرة التي قامت عليها تلك الثورة. ولقد نجح الشقاقي في تفنيد كل الأسانيد التي ارتكز عليها شيوخ الوهّابية ووعّاظ السلاطين في بعض البلاد العربية، مؤكّداً أن ما جري في إيران عام 1979 هو ثورة إسلامية لا مذهبية فيها، وأن إثارة الهوية الشيعية في وجهها هدفه إصابة الأمّة بالإحباط وتمزيق وحدتها التي كانت واستمرت هدفاً أصيلاً للثورة والدولة الإيرانية حتى اليوم.

ومن بين مَن يستشهد بهم الشقاقي كان الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق وفتاويه المهمّة المؤكّدة على وحدة السنّة والشيعة وجواز التعبّد على مذهب الشيعة الإثني عشرية لكافة أصحاب المذاهب الأخرى من دون فرق. 

ثم يختم الشهيد المعلّم فتحي الشقاقي كتابه المرجع بعبارةٍ بليغةٍ  للإمام الخميني قالها في خطبة له في جمادى الأول 1384 هـ نحسب أن هذه العبارة هي أبلغ تجسيد لدعوة كل المؤمنين الرافضين لإثارة الخلاف بين السنّة والشيعة، وبأنه لا يخدم سوى تل أبيب وواشنطن، يقول الإمام الخميني:

"الأيدي القذِرة التي بثّت الفِرقة بين الشيعي والسنّي في العالم الإسلامي لا هي من الشيعة ولا من السنّة.. إنها أيدي الاستعمار التي تريد أن تستولي على البلاد الإسلامية من أيدينا والدول الاستعمارية، الدول التي تريد نهب ثرواتنا بوسائل مختلفة وحِيَل متعدّد هي التي توجد الفرقة باسم التشيّع والتسنّن".. رحم الله الشهيد فتحي الشقاقي وأعزّ حركته، حركة الجهاد الإسلامي، بعلمه ومواقفه الرائدة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً