موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

الجزائر ... أبعد من رئاسة

تضم المعارضة طيفاً واسعاً لا يقتصر على رموز الحرس الجديد بل يمتد أحياناً إلى بعض الأوساط في جبهة التحرير نفسها، إضافة إلى تيار إسلامي عريض ناعم وخشن، بعضه متغرب على طريقة الغنوشي، وبعضه منعزل وراكد ومغلق وشارك قسم منه في العشرية السوداء، التي خرجت منها الجزائر بفضل تقاليد الدولة والثقافة الوطنية.

معركة الرئاسة في الجزائر ليست سهلة لا في السابق ولا حالياً، وخاصة وأنه لأول مرة يلعب الجميع الأوراق نفسها
معركة الرئاسة في الجزائر ليست سهلة لا في السابق ولا حالياً، وخاصة وأنه لأول مرة يلعب الجميع الأوراق نفسها

في رواية (عرس بغل) للكاتب الجزائري، الطاهر وطار، يدور صراع على العنابية بين المخضرم واسمه كيان، وبين شاب اسمه خاتم ،وفي ما نعرف أن (كيان) بيروقراطي مترهل ومن الرعيل الأول للثورة الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي، فإن (خاتم) خليط من الليبرالية والإنتهازية.
وليس هذا الخليط هو الوهم البديل الوحيد ل كيان البيروقراطي، فثمة وهم آخر، هو الإسلام السياسي، الشمعة الموهومة، كما قدمه الطاهر وطّار في رواية أخرى (الشمعة والدهاليز) التي يرى فيها بصيص أمل مختلف، شمعة حقيقية، هي الجزائر العربية الديموقراطية التقدمية.
وبالمثل، نجد صورا أخرى في الأعمال الروائية لـ رشيد بوجدرة، ومحمد ديب، وخاصة ثلاثيته، الدار الكبيرة.
بهذا المعنى، وعلى هذه الشاكلة، تعيش الجزائر تجاذباتها الراهنة، بين الحرس البيروقراطي الذي قاد عملية التحرير وبناء الدولة بكل إيجابياتها وسلبياتها، وبين (الحرس الليبرالي الجديد) بميوله المتضاربة بين الفرانكفونية الفرنسية وبين الأمركة.
يضاف إلى ذلك تيارات تتخلل الحرسين، فالسلطة مخترقة أيضا برجال أمريكا وفرنسا والبنك الدولي، وبرواسب من جمعية العلماء المسلمين، بل إن ممثلي هذه الرواسب وقفوا خلف الشاذلي بن جديد الذي يشبه جنرالات الباكستان، لتصفية تراث بومدين (كما تراث بوتو في الباكستان وتراث أتاتورك في تركيا)، على غرار اصطفاف الإسلام الأمريكي مع السادات لتصفية الناصرية في مصر.
بالمقابل، تضم المعارضة طيفاً واسعاً لا يقتصر على رموز الحرس الجديد بل يمتد أحياناً إلى بعض الأوساط في جبهة التحرير نفسها، إضافة إلى تيار إسلامي عريض ناعم وخشن، بعضه متغرب على طريقة الغنوشي، وبعضه منعزل وراكد ومغلق وشارك قسم منه في العشرية السوداء، التي خرجت منها الجزائر بفضل تقاليد الدولة والثقافة الوطنية.
ولنا أن نقول أن جانباً من التيارات الإسلامية والليبرالية والمشهد الجزائري عموما في كل تجاذباته الداخلية والخارجية، ليس بعيدا لا عن الموجة الأولى ولا الثانية من ربيع الفوضى الهدامة الذي تقاطعت فيه مصالح الدوائر الفرنسية والأمريكية معا فيما يخص الجزائر.
في هذا المشهد، تحتل الجزائر، أهمية عامة وخاصة: عامة كما غيرها من البلدان العربية، وخاصة لما تمثله الجزائر عربيا وأفريقيا، بل إن العديد من الدراسات الأجنبية توقعت أو رغبت في أن تكون الجزائر هي الهدف الرابع بعد استهداف حواضر الأمة الأخرى التي سبقتها (القاهرة عبر كامب ديفيد، بغداد عبر العدوان الخارجي، ودمشق بعد الحرب الأمريكية الأطلسية- الصهيوينة – العثمانية – التكفيرية عليها).
إلى ذلك، وفيما يخص ما تعيشه الجزائر حاليا، فإننا أمام مناخات محلية وخارجية، تكاد تكون استعادة لمعركة سابقة بين بوتفليقة وبين بن فليس.
إن بن فليس الذي أدار حملة الرئيس بوتفليقة آنذاك كان أحد مرشحي الجنرالات أيضا وهم اللاعب الحاسم في الجزائر، ولم يقاتل من خارج النظام ومعادلاته الداخلية والخارجية، كما كان معروفا أن الجنرال خالد نزار قبل مرضه هو الرقم الصعب في مرحلة ما بعد بومدين، وأن جنرالات الجيش واصلوا هذا التأثير، ولعبوا دورا حاسما في كل الخيارات السابقة، من الشاذلي بن جديد إلى الأمين زروال إلى الرئيس نفسه، ثم مع بن فليس.
وبالمجمل فإن معركة الرئاسة في الجزائر ليست سهلة لا في السابق ولا حاليا، وخاصة وأنه لأول مرة يلعب الجميع الأوراق نفسها، وتختلط قوى التعريب مع الفرانكفونية والأمركة في سلة واحدة، فالرئيس الذي فتح الجزائر للإستثمارات العربية هو نفسه الذي كلف فرانكفونيا برئاسة الحكومة وهو نفسه الذي حافظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة.
كذلك الحال مع ابن فليس الذي سبق وأن حظي هو الاخر بدعم الجنرالات وخليط من أوساط عروبية وأوساط نافذة في منطقة القبائل (الأمازيغية)، أما العناوين التي يحملها بعض المتظاهرين من نمط الديموقراطية والقضاء وصلاحياته فهي مظهر ثانوي للمعركة الحقيقية، وتقود بعضها إلى الاصابع القذرة في ربيع الفوضى، وليس برنار ليفي الشاهد الوحيد على ذلك.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً