محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

مُنتدى دافوس جسر تطبيع.. بـ"نُظم تعاون جديدة"

"على العرب أن يقوموا بمُبادرة تجاه إسرائيل لتبديد مخاوفها في المنطقة عبر اتفاقات وإجراءات، وحيث أن الغرب قدَّم لإسرائيل الدعم السياسي والإقتصادي والعسكري وأصبح بيدها كل وسائل القوّة، وأن إسرائيل ورغم القوّة التي تمتلكها فهي ليست مُطمئّنة إلى مستقبلها كدولةٍ غير عربية في محيطٍ عربي من 400 مليون إنسان. هي غير مُطمئّنة إلى استمرار وجودها في هذه المنطقة، أعتقد أن علينا نحن كعربٍ السعي إلى تبديد هذه المخاوف لدى إسرائيل بإجراءات واتفاقات حقيقية بيننا نحن الأمّة العربية وبين إسرائيل وبين مَن يدعمون إسرائيل، لكن علينا وعلى الفلسطينيين أن يساعدوا الإسرائيليين على الخروج من هذا الخوف الذي يهدّدهم". هكذا صرَّح وزير خارجية سلطنة عُمان في قلب جلسات المنتدى!.

لقد أجمع خبراء اقتصاديون أن "دافوس" في نسخته الحديثة لن يُشكِّل إضافة جديدة للاقتصاد العربي ولا يُشكِّل إضافة نوعيّة للاستثمار،
لقد أجمع خبراء اقتصاديون أن "دافوس" في نسخته الحديثة لن يُشكِّل إضافة جديدة للاقتصاد العربي ولا يُشكِّل إضافة نوعيّة للاستثمار،

في البحر الميت بالأردن، عُقِدَت أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "منتدى دافوس"، في نسخته العاشرة، بحضور عددٍ من رؤساء الدول ونحو 1000 شخصية من قادة الأعمال والسياسيين وممثلي مؤسّسات المجتمع المدني والمنظّمات الدولية والشبابية، وإعلاميين وأكاديميين من حوالى 50 دولة. ذلك على مدى يومين تحت شعار (نحو نُظم تعاون جديدة)، وإنْ ركَّزت الجلسات على أربعةِ محاور رئيسية هي (الثورة الصناعية الرابعة في العالم العربي، وبناء نموذج اقتصادي جديد، ومستقبل الإدارة البيئية في العالم العربي، والوصول إلى أرضية مشتركة في عالم مُتعدِّد الاتجاهات).
إن "على العرب أن يقوموا بمُبادرة تجاه إسرائيل لتبديد مخاوفها في المنطقة عبر اتفاقات وإجراءات، وحيث أن الغرب قدَّم لإسرائيل الدعم السياسي والإقتصادي والعسكري وأصبح بيدها كل وسائل القوّة، وأن إسرائيل ورغم القوّة التي تمتلكها فهي ليست مُطمئّنة إلى مستقبلها كدولةٍ غير عربية في محيطٍ عربي من 400 مليون إنسان. هي غير مُطمئّنة إلى استمرار وجودها في هذه المنطقة، أعتقد أن علينا نحن كعربٍ السعي إلى تبديد هذه المخاوف لدى إسرائيل بإجراءات واتفاقات حقيقية بيننا نحن الأمّة العربية وبين إسرائيل وبين مَن يدعمون إسرائيل، لكن علينا وعلى الفلسطينيين أن يساعدوا الإسرائيليين على الخروج من هذا الخوف الذي يهدّدهم". هكذا صرَّح وزير خارجية سلطنة عُمان في قلب جلسات المنتدى!.
يحدث ذلك بحضورٍ عربي مع تصريحاتٍ عربيةٍ مقصودة. فما هي الضمانات الإضافية التي تحتاجها إسرائيل من هؤلاء العرب؟. نحو تغطية الشق التطبيعي عبر المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت.. كخطوةٍ من خطوات الهرولة العربية نحو التطبيع. ففي المنتدى دائماً ما يحضر التطبيع السياسي كتحصيل حاصل، لأن هناك أكثر من تطبيع سياسي وهذا ما ينبغي الاهتمام به كي لا نبقى في العموميات فالكثير لا يعرف معاني وخلفيات الاتفاقيات وأبعادها الاقتصادية والسياسية.

لقد أجمع خبراء اقتصاديون أن "دافوس" في نسخته الحديثة لن يُشكِّل إضافة جديدة للاقتصاد العربي ولا يُشكِّل إضافة نوعيّة للاستثمار، وذلك نتيجة عدّة عوامل أهمها أن البيئة الاستثمارية في العالم العربي طارِدة وغير مُشجِّعة. وهناك تسعة مؤتمرات عُقِدَت في الأردن سابقاً ولم يدخل للعرب منها أية استثمارات جديدة، وذلك رغم الأرقام التي تُعلَن في وسائل الإعلام، فهل حقاً أضحى المؤتمر منصَّة للقاءات السياسية والسياحية وجسراً للتطبيع مع الكيان الصهيوني؟. فعديد المؤتمرات عُقِدَت في الأردن سابقاً ولم تدخل على إثرها أية استثمارات جديدة إلى بيوت العرب، ولم يجرِ استقطاب شركات كبرى للعمل في هذه الدول، ذلك نظراً إلى عدم وجود بيئة جاذِبة لتلك الشركات والمُستثمرين. فالقرارات الحكومية والبيئة البيروقراطية والفساد الإداري والمالي يعمل كطارِدٍ للاستثمارات القائمة أصلاً، فالاستثمار يحتاج إلى تحسين البيئة الاستثمارية أولاً، وعليه يمكن القول إن "دافوس" 2019، لن يكون علامة فارِقة عما سبق.
من ثم فالمؤتمر أضحى منتدى سياسياً ومدخلاً للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وإن استهجن البعض استقبال الوفد الإسرائيلي، في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات من مختلف الأطراف الرسمية والشعبية على ضرورة بناء جبهة وطنية لمواجهة الضغوط، لتمرير صفقة القرن والتفريط بالقدس وتصفية القضية الفلسطينية، فاستمرار ممارسات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي يُعدّ استفزازاً لمشاعر العرب الرافضين لكافة أشكال التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، كما أنها تضعف من الموقف العربي في مواجهة هذه الضغوط.
الحقيقة أنه تطبيع (عربي إسرائيلي) مستمر، ذلك في سبيل إرضاء الولايات المتحدة، على حساب تمرير "صفقة القرن" وإلزام السلطة الفلسطينية على الخضوع لشروطها، كما وقّعت اتفاقية أوسلو عن طريق فرض الضغوطات والابتزاز المالي مقابل الموافقة على الصفقة... فماذا تبقّى من الأراضي الفلسطينية؟. ما بين (وارسو والبحر الميت) يُبقي الجميع على قلب رجل واحد، هكذا اجتمعت (الدول العربية وإسرائيل) في "وارسو"، الذي عُقِدَ برعاية الولايات المتحدة الأميركية بالشراكة مع بولندا، في سبيل بحث عملية السلام والأمن في الشرق الأوسط وحلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هكذا كانت التصريحات، وبعدها ظهرت النوايا.
هل حقاً أن "كل ما تطمحون إليه ولعائلاتكم، تطمح إليه شعوب منطقتنا أيضاً لأنفسهم وعائلاتهم، كوظائف جيّدة ومدن ومجتمعات توفِّر حياة كريمة وتكنولوجيا وتطبيقات لخدمة ازدهارنا المشترك؟، حين تحاولون الوصول إلى أرضية مشتركة هنا وفي الأيام القادمة، تذكَّروا أن ما تحقّقونه سوياً سيكون أمراً حيوياً لمستقبلنا المشترك". هكذا تحدَّث ملك الأردن. وإن يبقى في النهاية أنه أثبتت التجربة فشل هذه المؤتمرات في حل المشاكل الاقتصادية، حيث باتت غطاء للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي من البوابة الاقتصادية، فيما لن يتحقّق الإصلاح الاقتصادي إلا عبر إصلاح سياسي شامل تتوافق عليه الأمم، ذلك للوصول إلى برنامجٍ وطني لمواجهة مختلف التحديات.
على الجميع أن يتذكَّر أنه في مؤتمر "وارسو"، دعا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى عهدٍ جديدٍ من التعاون في الشرق الأوسط وقال إنه "لا يمكن لأية دولة أن تظلّ بمعزل عن التصدّي للتحديات الإقليمية مثل إيران وسوريا واليمن والسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين". فبقدر ما يبدو التطبيع في ذاته هدفاً من أهداف الاستراتيجية الصهيونية لتحقيق أهداف العدو في المنطقة فإنه أيضاً يُعدّ أداة من أدواتها في العمل، ويتكامل مع أدوات العمل الأخرى من عسكريةٍ ودبلوماسية.. فالعمل العسكري مهما كانت طاقاته وقدراته يبقى عاجزاً عن تحقيق جزء هام من الأهداف الحيوية للحركة الصهيونية.
عليه ستبقى العسكرية عاجزة عن تحقيق إدماج "إسرائيل" في المنطقة، وعاجزة عن تلبية احتياجاتها المنظورة لمصادر المياه، كما أنها عاجزة عن تلبية احتياجات النمو الاقتصادي، وهذا ما تتكفّل به الاستراتيجية الإسرائيلية للتطبيع. فهل منتدى "دافوس" جاء كجسر تطبيع.. تحت شعار "نحو نُظم تعاون جديدة"؟.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً