محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

في حماية الجيش الوطني .. الحراك الشعبي ضد الفساد..

الحراك الشعبي وبحماية الجيش الوطني الشعبي – بكل بساطة – يصنع التاريخ لأمّتنا ولغيرنا، من أحرار العالم المقهور إن بسياسات الولاء الأعمى للحاكِم- أيّ حاكِم – أو بالإقصاء ولو كانوا حُكَّاماً خائنين .. التاريخ يتجدَّد بالمؤمنين به وليس ذيلاً يشدّ المُستضعفين – باستمرار – إلى الأزمات الكبرى..

المظاهرات في الجزائر
المظاهرات في الجزائر

لسنا وحدنا بالتأكيد في الحراك الشعبي في عالم اليوم، ولكن حراكنا مشدود صوب التاريخ وضد أدعياء العَصَرنة الفرنسية بمفاهيم أكثر ارتدادية من الفكر الفرنسي نفسه، والسؤال هل بالإمكان بناء جدار الأمل تحت طائِلة الفكر الطارئ الذي تبنّته النُخَب المُهترِئة..؟ أو هل بالإمكان الاستحواذ على الصدارة التاريخية بالوَهْم في ظلّ الافتراضات المبنية على الإلغاء المُطلَق للآخر..؟(الأغلبية) هذا هو جوهر الصراع المرير اليوم بين ما هو من صنع الذات الذي يؤمن به الحراك الشعبي في الجزائر، وبين ما هو مصنوع خارج الذات وهو ما تؤمن به سياسياً (عصابة فرنسا) .. أجل كان من الممكن العودة إلى الذات منذ البداية و بأضواءٍ كاشِفةٍ لما بعد الأزمة السابقة حتى لا تتكرَّر، لكن العصابة الحاكِمة مع رجال المال أصرَّت على المُضيّ بها بمفهوم أنا وبعدي الطوفان !!..البحث في أزمتنا كمَن يبحث عن نقطة ضوء وسط رماد التاريخ ، وحسبنا في ذلك الواقع المشحون في الشارع بسوابق التاريخ الكاشِفة لما هو صائِب و لما هو خاطِئ وماثل للعيان، إن قراءتنا هنا هي قراءة للواقع المُضطرب بعيداً عن أيّ انتماء سياسي أو حزبي ، وفي نيّتنا المساهمة في بناء ما تَحطّم من الذاكرة... ذاكرة التاريخ و ذاكرة المستقبل، وقناعة الأمّة، ولسنا أوفياء للموقف فحسب، ولكننا ملزمون بالعمل من أجل الموقف، في زمنٍ تراجعت فيه المواقف إلى ما يُشبه التواري وسط توجّهات فوقية تتنكّر لكل قِيَم الأمّة، موقف يأتي من عُمق الذات وبوسائل لا تثمّن بقايا عثرات التاريخ بل تأخذ بسياقاته كاستقصاءٍ للأفضل فيه ، لكن وبسؤالٍ بسيطٍ ما طبيعة هذه العودة، وفي أيّ اتجاه يمكن رَسْم خارطتها ...؟هل هي عودة قارئ أرهقته الأيام بحثاً عن الكلمات داخل الكلمات ، أم عودة مساهمة في بناء ما كسرته الأخطاء وربما الأنانيات الفوقية...؟ بالتأكيد نحن نؤمن بالازدواجية بين الثقافة والسياسة ، بين الظروف المُتآكلة والمواقف المُتصالِحة مع الذات ومع التاريخ...نؤمن أيضاً بالالتزام بقضايا الكل ،لأن المواقف لا تقبل الانشطار، ولا تقبل الانتصار للطارئ والمؤقّت.. لقد تعرَّت كل حقائق التاريخ، من جديد بعد خروج الكل إلى الشارع في حراك شعبي حضاري لم يعرف مثله العالم من قبل ولقد حذّرنا في كتاباتنا قبل هذا، من التمادي في الرشوة والمحسوبية وسوء الظّن بحركة الشعب إذا هبّ وقد بدأ مع هبّته التواري يلفّ أفكار صانعي المأساة،" دُعاة الاستئصال" وأدعياء "الانشطار الفكري" وبدأوا يتساقطون الواحد تلو الآخر.. إن التاريخ وكما قلت أكثر من مرة (لا يمكن الوصول إليه بمُكبّرات الصوت أو بالاختفاء وراء (مكاسب الرشوة والمحسوبية) وأن البناء الحضاري لا يمكن أن يأتي ببياناتٍ هي أقرب إلى اليأس من الحقيقية، و بالتالي هي إضافة جديدة لواقع مُتأزّم يحتاج إلى بناءٍ جذّابٍ وفق مسلّمات التاريخ، وحسابات المستقبل، إننا لسنا أكثر من غيرنا في هذا الكون وأن السوابق التاريخية ليست مجرّدة من الحاضر ولا من المستقبل، وإلا لماذا يأتي القرآن بذكِر هذه السوابق في أكثر نصوصه وآياته..؟
إن استنطاق التاريخ بواسطة الحراك الشعبي بسلميّة هي أصلاً حاضرة في الوجدان الشعبي الجزائري هو عملية إبداعية واعية وواعِدة ، وهذا ما يُنادي به الشارع اليوم، وأن التأخّر عن هذا الاستنطاق خاصة في الأزمات الحادّة والدامية – مثل أزمتنا – هو خيانة للمواقف التي استشهد من أجلها الملايين على مدار قرن وربع قرن، وارتداد حضاري أيضاً... إن موقف قائد أركان الجيش الوطني الشعبي وهو يحمي الحراك الشعبي موقف حضاري لم يحدث مثله حتى في أعتى الدول التي تدّعي الرِيادة في الديمقراطية وحقوق الإنسان (فرنسا مثلاً).. موقف القَصْد منه استنطاق التاريخ من جديد لحماية الأمّة والوطن والدّفع بالأزمة باتّجاه الاندثار بسرعةٍ أو على الأقل صَوْب الهامش، - "لأن الظرف صعب ومُعقّد "بتعبير الفريق أحمد قايد صالح.."- هي عملية إيجابية قلّ نظرها في التاريخ.. بالتأكيد لم تفعل ذلك السلطة المُتهالِكة قبل و كل ما صدر منها هو مجرّد محاولات لإرغام الناس على تقبّل الأزمة تلو الأزمة ومُعايشتها لأسبابٍ سياسيةٍ ، وقد كان الأساس في الأزمة كونه موضوع استقصاء خارج إطار الأغلبية.. إن السؤال المطروح اليوم و بحدّة، وإن هو واضح في أبجديات الفكر، فكر الأغلبية رغم تعوّدها على الصمت وقد صل مداه، فكان الانفجار الهادئ والحضاري، و السؤال هو لماذا الأقلية تحتكر السلطة لسنين وتتصرّف وكأنها فوق التاريخ أو ما يشبه الآلهة؟...؟ تصرّف لا يمكن إلا أن يخلق أزمات مُتتالية إن استمر، وإن استمر أيضاً ضمير الأغلبية محصوراً ضمن ذاكرة النسيان المُتعمّد.. إن الظروف ظلّت تتآكل والمواقف تتدفّق باتجاه العودة إلى التشبّث بقِيَم الإنكار المُطلَق للواقع والارتكاز كليّة على صدى الواقعية المجرّدة من عناصر البقاء لدى الطبقة السياسية المُنتفَض ضدّها، ربما لسبب الخوف من أن ينطق الماضي ويُعرّي الجميع أو ربما خوفاً من رماد هذا الماضي ..إن الخطأ الذي استُعمِل ضد الأغلبية لحماية الأقلية هو جوهر الصراع المفترض من الطرفين ( الأقلية والأغلبية)، وفي ذلك، هل يكفي أن تكون هذه الأقلية على عداوة دائمة مع التاريخ لتحافظ على بقائها..؟ التاريخ نفسه يقول لا، ذلك أن السياسة مثل الجغرافيا لا تحتمل الفراغ.. والفراغ عندنا اليوم صار بلا حدود، بل و تجاوز هذا الفراغ صدور السياسة على مستوى الأحزاب والمنظمات بعد أن تحوّلت بدورها إلى مزارع للظروف المُتآكلة وللتصوّرات الظرفية المطبوعة بالميوعة أحياناً، و بالخوف أحياناً أخرى، بل إن المعارضة وقع بعضها في مصيدة جماعة بوتفليقة فأصبحت ناطقة بإسمه ليس لوجهه وإنما لمصالحها الشخصية ، فكان أن سقط الكل في التواطؤ ضد الشعب ومصلحة البلاد. والبعض الآخر مما يُسمّى بأحزاب الأغلبية راح يدعو الجيش للتدخّل لصالحه ، والواقع أنه لا توجد قطط تصطاد لوجه الله (...) الكل ثعالب ويريد افتراس السلطة (...) هذه هي الحقيقة". وهذه القطط هي التي تطاولت على الشعب بإسم الأغلبية وأخذت تنهب في المال العام بإسم "الاستمرارية "إلى أن وصل الوضع السياسي والاقتصادي إلى ذروة الانفجار
ما الذي إذن تغيّر في التاريخ، بعد هذه الأزمة وما سبقها من أزمات..؟ سؤال يبدو تجريدياً وغير مُتناسِق مع الذات؟ لكن رغم ذلك يبقى سؤالاً مهماً بالنظر إلى ما نحن عليه، لقد سقطت فيها كل الأوهام التي علقت بالتاريخ، وسقطت كل الأقنعة سواء تلك التي حاول الاستئصاليون إلصاقها بالأغلبية لحسابهم الخاص، أو تلك التي حاول مثقّفو الفتنة تدوينها عبر مناشير إعلامية يُقال عنها كصحف مستقلة.. لقد تقدّم العالم خلال عشرية الدم عندنا بما لا يمكن تصوّره ، و نحن مازلنا بعد نؤمن بأن الفرنسية والتبعية لفرنسا هي أساس الحضارة ونُلغي قروناً من تاريخنا وجهادنا لا لشيء إلا لأن دُعاة الفكر الآخر يؤمنون بالارتداد الحضاري لأنهم يرفضون البقاء ضمن دائرة التواجد الحضاري الذي يؤمن بالتمايز الثقافي لأمّتنا وبالخصوصيات الحضارية لها، ولأنهم لا يملكون مؤهّلات بعيدة عن التبعية لفرنسا تؤمّن لهم التواصل ضمن هذا الإطار بعد أن أقرّوا بالانتماء للآخر ، ظلّوا يؤمنون بالرفض وعدم الاعتراف بالخطأ، ذلك أن التبعية لفكر الآخر التي يحبّذونها على حساب "التبعية للتاريخ الوطني وللجزائر" أو بالأحرى لروح الشهداء صارت جزءاً من تفكيرهم والإصرار عليها لغيرهم ولو بالإكراه أو الإرغام النفسي .
إن الرفض إذا وضع في إطار فردي يخصّ صاحبه ويمكن احترامه في إطار احترام الرأي الآخر، أما أن يحوّل إلى قاعدة عامة يُرغِم عليها الناس فذلك أمر مرفوض لأنه يُصنّف ضمن دائرة الإكراه على تقبّل الرأي المخالف وإن كان خاطئاً.. و هذا ما يفسّر عدم تقبّل الشارع منطق الأقلية التي تحاول فرضه من مواقع صنع القرار أو من مواقع الصراع على مواقع صنع القرار، فهل تدرك الأحزاب المعارضة هذا وتبسط من خلال هذا الإدراك سلطتها بقوّة الأغلبية على مواقع صنع القرار..؟ للوهلة الأولى يبدو هذا السؤال سابقاً لأوانه طالما أن الحراك الشعبي صار يطالب بالتطهير الكلّي للسلطة والأحزاب معاً، لكن بالنظر إلى المستقبل وإلى المُتغيّرات في هذا المستقبل يبدو أمراً ممكناً .هذا جانب... أما الجانب الآخر والذي يمكن إسقاطه على النظام السابق فيبدو أيضاً ممكناً وهو الانفراد بالسلطة حدّ التهوّر. !! وإذا أردنا فعلاً أن ندرك الخطأ ونتّجه حقيقة صوب البناء الديمقراطي فإنه يمكن للنظام الجديد أن يتّجه صوب الأغلبية (وهو موقف الجيش) باتخاذ موقفها انطلاقاً من الموقف التاريخي للثورة التي حكم به خلال حقبة الحرب، وذلك بالرجوع إلى وثيقة أول نوفمبر وهي وثيقة نموذجية، باستقطابها الحيّز الحاد من التاريخ الوطني فضلاً عن محتواها الأيديولوجي .. المسألة الآن ليس في الخُطَب السياسية حزبية كانت أم غير حزبية ،ولكن في الاعتداد الشعبي بمصيره ومصير دولته وهذا ما نحتاج إليه اليوم ونحتاج بقوّة إلى مَن يجرّنا إليه ولو بالإكراه وهو ما يؤمن به الجيش الوطني الشعبي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً