العلاقة الروسية التركية من منظور جيوــ استراتيجي

ضمن هذه المعطيات وفي إطار ارتقاء المصالح بين موسكو وأنقرة، اللافت في مفرزات الحرب على سوريا هو تمتين العلاقة الروسية التركية، ليس فقط من أجل إيجاد الحل لإنهاء الحرب.

  • العلاقة الروسية التركية من منظور جيوــ استراتيجي

التحوّلات الجوهرية في الشرق الأوسط شكّلت تراكُمات سياسية تُغيّر طبيعة المسارات السياسية في المنطقة، حيث أن الموجبات الرئيسة للتعاون بين موسكو وأنقرة حدّدت أُطر العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، فحجم التحديات و المصالح المشتركة، يؤسّس لعلاقة تُبحر بعيداً عن أيّة سيناريوهات تصادمية بالمعنى السياسي، وبطبيعة الحال فإن هذا التقارُب يتمّ ضد رغبات الولايات المتحدة، فالسياسة الصادمة لواشنطن تُجاه البلدين مهّدت لأرضية صُلبة سيتم استثمارها سياسياً، وفي جانب آخر مُتعلق بشخصية كل من فلاديمير بوتين و رجب طيب أردوغان اللذين يجيدان تطوير العلاقات الدولية وتهيئة الظروف السياسية واستثمارها لمواجهة الغرب عموماً، وهذا يندرج في النظرة التوسّعية لكلا الرجلين من أجل بناء سدّ لمواجهة الهيمنة الأميركية والغربية.

في محدّدات التقارُب الروسي ــ التركي
روسيا ترى أنها مُحارَبة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً من قِبَل الإدارات الأميركية المتعاقبة، وذلك بسبب دعم الأخيرة لمشاريع تطوير نقل الطاقة من دول القوقاز إلى أوروبا من دون التنسيق مع موسكو، بهدف انتزاع الدول الآسيوية من دائرة النفوذ الروسي، وفي الجانب السياسي من خلال دعم واشنطن تقارُب أوكرانيا مع الغرب وتشجيعها انضمام كييف للاتحاد الأوروبي على حساب روسيا، أما عسكرياً فقد أصبحت موسكو تشعر بتهديد أميركي مباشر من خلال القواعد الأميركية وحلف شمال الأطلسي المنتشرة على البحر الأسود، فضلًا عن الصراع المصيري في سوريا، والتي تُعتبر نافذة موسكو الوحيدة المُطلّة على البحر المتوسّط بأسطولها العسكري في طرطوس.
أما تركيا الباحثة عن طريق يوصلها للاتحاد الأوروبي، فقد شعرت بأن كل الطرق باتت مغلقة أمام انضمامها للقارة العجوز، وعلى الرغم من محاولات أردوغان استثمار اللاجئين السوريين للضغط على الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه المناورة لم تحقّق غايتها في إشعار الغرب بأهمية تركيا، فالغرب لن يسمح لتركيا الإسلامية التي يحكمها حزب العدلة والتنمية ذو الطابع الإسلامي، بالدخول إلى الاتحاد الأوروبي والحصول على مزاياه الكثيرة، وبالتالي فإن تركيا أدركت هذا الأمر، وعليه قامت تركيا بخطوات من شأنها إعادة إنتاج الخطاب السياسي، والتوجّه إلى مدّ جسر استراتيجي يُقرّبها من روسيا.

ضمن هذه المُعطيات يُمكن الاعتماد على قاعدتين أساسيتين للتقارب الرُوسي ــ التركي:
القاعدة الأولى الارتباط الاقتصادي الوثيق الذي يحقّق منافع مشتركة، هذا له دور أساسي في توجّه الطرفين للابتعاد عن التجاذبات السياسية المرتبطة بسوريا، على مبدأ فصل السياسات، ما يعني فصل الجوانب الاقتصادية عن الجوانب السياسية، و الاعتماد على صِيَغٍ توافقية تُخفّف حدّة أيّ خلاف سياسي، في سبيل الحفاظ على سويّة العلاقات المرتبطة بالجانبين الاقتصادي والسياسي.
أما القاعدة الثانية فهي الهواجس التركية من الجغرافية السورية ، إضافة إلى الخيبة جرّاء رفض أوروبا انضمام تركيا إلى اتحادها، هذه القاعدة أرّقت الفكر السياسي لأنقرة، لذلك عملت تركيا على بناء منظومة سياسية جديدة تُبعِدها عن الغرب وتُقرّبها من سوريا وحلفاؤئها، فأبقت تركيا زخمها السياسي حاضراً لمواجهة تطلّعات القوى الغربية في سوريا و جغرافيتها، هذه الهواجس أجبرت تركيا على إعادة صوغ مشروعها السياسي، و إعادة برمجة توازناتها الإقليمية والأمنية المرتبطة بالجغرافية السورية، ولا سبيل لذلك إلا اتّباع الأهواء الروسية.

التقارُب الاستراتيجي بين موسكو وأنقرة أسّس له تداعيات الشأن السوري.
الشأن السوري وتداعياته السياسية والعسكرية التي حقّقتها الدولة السورية، رسمت إطاراً هاماً في الوصول لتوافق استراتيجي بين روسيا و تركيا، فالرغبة الروسية في تحقيق فواعل إقليمية تكون سبباً لتسوية الملف السوري، أحرزت تقدماً إيجابياً تمكّنت تركيا حتى اللحظة من استثماره، حيث أن روسيا و تركيا تُدركان أن استمرار الحرب على سوريا ستكون له تكاليف باهظة في المستويين السياسي و العسكري، خاصة أن المناورات الأميركية الرامية لإطالة أمد لحرب ومنع تحقيق أية تسوية سياسية، تهدف إلى استنزاف جميع الأطراف الفاعلين في الشأن السوري، يُضاف إلى ذلك أن الكرد "الأداة الأميركية في سوريا" ومناطق تواجدهم يُشكّلون تهديداً مباشراً وجدياً للأمن القومي التركي، وبالتالي فإن موسكو وأنقرة أسّستا لخطوات وقائية من المخطط الأميركي، فالتوافق بين البلدين شكّل منعطفاً محورياً في مسار العلاقة الاستراتيجية بينهما، إضافة إلى أن التوافق المُطلَق بين روسيا وتركيا لجهة وحدة الأراضي السورية وفق أستانا و نُسخه، خلافاً للتوجّه الأميركي نحو إنشاء كيان مستقل للكرد في شرق سوريا، شكل أيضاً في جزئياته وحدة في المصالح والأهداف المُضادّة للخطط الأميركية.

ضمن هذه المعطيات وفي إطار ارتقاء المصالح بين موسكو وأنقرة، اللافت في مفرزات الحرب على سوريا هو تمتين العلاقة الروسية التركية، ليس فقط من أجل إيجاد الحل لإنهاء الحرب، ولكن أيضاً في مسائل تتعلق بالدفاع العسكري والأمني والعلاقات الاقتصادية، بدءاً من منظومة الصواريخ S-400، إلى مشاريع اقتصادية هامة كمحطة أكويو الكهروذرية وأنبوب إمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا (السيل التركي)، فضلاً عن إمكانية استخدام العملات الوطنية بين البلدين في التبادلات التجارية الثنائية في أسرع وقت، على الرغم من توتّر العلاقات التركية الإميركية من تنفيذ صفقة S-400 وما قد ينتج منها من إقصاء تركيا من حلف الناتو، والذي أشار إليه مسؤولون في الولايات المتحدة ، بالإضافة إلى فرض عقوبات اقتصادية جديدة على تركيا، بالرغم من أن الرئيس التركي أعلن أن صفقة الF35 للطائرات قد تمّت وأن الضباط الاتراك يتلقّون تدريبات عليها في أميركا، بالتالي وانطلاقاً من التقارب غير واضح المعالم بين روسيا و تركيا، هناك محاولات أميركية واضحة للعبث مع طرفي أستانا، هي محاولات ظهرت جلياً في تصريحات الرئيسين عقب القمّة التي جمعت بوتين و أردوغان في موسكو مؤخّراً، حيث الاتفاق السياسي شيء، و العمل على تطبيقه شيء آخر.

من الواضح أن هناك الكثير من العوامل التي تجمع روسيا و تركيا في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، هذا الأمر يؤسّس لعلاقة جيو ــ استراتيجية طويلة الأمد، والأصل في هذه العلاقات هو التوافق والتماهي في الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك، لتكون المعادلة الحقيقية في تكوين الإطار العام للعلاقات الجيو استراتيجية بين روسيا و تركيا مبينة على قاعدة التوازن المرن.

ختاماً، لابدّ من الإضاءة على الدراسة التي كتبها رئيس المجلس الروسي للعلاقات الدولية أندريه كورتينوف، ونُشرَت في موقع المجلس الروسي، حيث لفت كورتينوف إلى أن العلاقة الروسية التركية لها عدد من السِمات التي يرجّح أن تظل ثابتة في المستقبل المنظور:
أولاً، ستبقى العلاقات بين موسكو وأنقرة مهمة لكلا الجانبين. فروسيا وتركيا جارتان تربطهما علاقات ثنائية واسعة تشمل التجارة والاستثمارات والطاقة والبناء، بالإضافة إلى التأثير المتبادل اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً. وعلاوة على ذلك ترى البلدان أنهما حالة أوراسيوية خاصة في السياسة العالمية تضعهما في رابطة خاصة بهما، وتميّزهما عن الدول الأوروبية والآسيوية. لذلك فمن الصعب تخيُّل أن تبتعد هاتان القوتان عن بعضهما وتفقدان الاهتمام بالعلاقات الثنائية.
ثانياً، سيكون هناك دائماً خليط من المصالح المشتركة والمتوازية والمتداخِلة والمتصادِمة التي تقود موسكو وأنقرة في التعامل مع بعضهما. وعلى سبيل المثال، تركيا عضو في الناتو، لكنها تخطّط لشراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتطوّرة (S-400)، ويتعاون البلدان في سوريا، لكن لديهما مواقف مُتباينة من القيادة السورية الحالية في دمشق، ويهتم الروس والأتراك بالاستقرار في جنوب القوقاز، لكنهما على طرفي النقيض في المواقف.
ثالثًا، ستستمر القوى الخارجية العالمية (الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، والولايات المتحدة) والجهات الفاعلة الإقليمية (إيران ودول الخليج وإسرائيل) في التأثير بعمق في العلاقات بين روسيا وتركيا. ويمكن للاعبين الخارجيين أن يعزّزوا التقارب بين موسكو وأنقرة، ولكن يمكنهم أيضاً التفريق بينهما، وذلك بتقديم خيارات بديلة للتعاون الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي، لكلا البلدين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً