أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

الحراك العربي وفشل الأحزاب السياسية

في الموجة الجديدة من الحراك يبدو عدم الثقة واضحاً في لغة الشعارات السياسية، فالزفزافي في ريف المغرب يهاجم "الدكاكين السياسية" وفي الجزائر يدعو المتظاهرون لإسقاط أناركي حاسم للكثير من رموز النخبة السياسية. ومن جهة أخرى تضاءلت ثقة العرب في قضائهم وفي استقلاليّته.

  • الشعارات النقابية والمناهِضة للفساد تسود خطاب الشارع الشاب المتحرّك

تسود المجتمعات العربية اليوم أشكال مُتعدّدة من عدم اليقين في المستقبل الغامِض. الحراك الجزائري السوداني أعاد المشهد العربي من جديد إلى مناخ التوتّر الذي شهدته المنطقة إبان الربيع العربي.

تعني الاستراتيجية في بُعدها الزمني ذلك التفكير طويل المدى الذي يحدّد من خلال أهم الإمكانيات والفُرَص المتاحة والمستقبلية النهج الذي يجب أن تسير فيه الدولة نحو تحقيق أهدافها الكبرى. في الدول العربية يؤدّي فشل المؤسّسات السياسية في القيام بدورها الحقيقي في التسيير واختيار البدائل الاقتصادية والاستراتيجية إلى تهديد الاستقرار  داخل هذه الدول، ويصبح تعاقُب الحكومات المنتخَبة أو المعيّنة أحياناً عقبة كأداء تُضاف إلى المشاكل بدل من أن تسهم في حلّها.

لعنة النفط، وفشل السياسات الاقتصادية:

رغم تسديد الجزائر أغلب ديونها الخارجية وتحقيق مُعدّلات مهمّة في تقليص الفوارق الإجتماعية في العشر سنوات الأخيرة  حيث نجحت في تعميم التعليم الابتدائي الشامل بمعدّل بلغ 97% في عام 2015 ، إلا أن الصدمة البترولية لسنة 2014 أدّت إلى خفض عائدات النفط بنسبة 70% سنة 2016[1].

أدّى انفصال السودان إلى انتقال ملكية 75% من الآبار النفطية لجوبا، وبالتالي خفض شديد في عائدات النفط. بإزاء ذلك  بلغت الصادرات غير النفطية سنة 2009 أقل من 800 مليون دولار في بلد ذي إمكانيات اقتصادية هائلة، ورغم محاولة الحكومة السودانية اتّباع سياسات اقتصادية جديدة لإيجاد بدائل عن العجز الذي خلّفه اقتطاع ثروة نفطية هائلة بعد الإنفصال سنة 2011 ظلّت الصادرات غير النفطية ضعيفة بسبب غياب استراتيجية حقيقية ناجحة.

لقد أدّت الصدمتان النفطيتان الكبيرتان في الجزائر والسودان إلى نتائج اقتصادية واجتماعية هائلة في سنوات قليلة، ورغم ذلك لم تتمكّن المؤسّسات السياسية من إيجاد بدائل حقيقية للخروج من تبعات هذه الصدمات. رغم عدم تغيّر أشكال التهديدات العسكرية والأمنية التقليدية للجزائر( الإرهاب ودول الجوار)، زادت نسبة الإنفاق العسكري في الجزائر في السنوات العشر الأخيرة رغم انخفاض أسعار البترول، وفي السودان تضاعف ما بين سنتي 2015 و2017 [2]

بمقابل ذلك، وفي دولة مواجهة كإيران مثلاً لوحظ خفض نسبة النفقات العسكرية رغم مناخ التوتّر الشديد في المحيط، ما يعكس رؤية استراتيجية معيّنة تتبنّاها القيادة السياسية وتطبّقها المؤسّسات، بمقابل غياب ذلك في الكثير من الدول العربية.

الهزّات الإقتصادية العنيفة تخلّف نتائج مباشرة على الاستقرار الإجتماعي والسياسي، على مستوى الأسعار وعلى حجم السيولة وعلى أجور القطاعين العام والخاص ونِسَب البطالة. وفي دول تستحوذ المؤسّسات الحكومية على القطاعات الحيوية، وتستأثر المؤسّسات العسكرية بدور مهم في توجيه الإقتصادات القومية يتزايد دور المؤسّسات السياسية في تحقيق التنمية.

لعنة السياسة، والنتائج العكسية للربيع العربي:

لم تقدّم حكومات الربيع العربي مشاريع واضحة كبدائل لإقتصادات الرَيْع والتبعية، ولم تستطع المعارضات الجديدة تغيير واقع المؤسّسات التي نخرها الفساد. من جهةٍ أخرى، حافظ الإسلاميون وخصومهم على خطاب سياسي وشعار تعبويين ولا يناقشان الحلول العملية لمشاكل البلدان العربية، حيث يسود الطعن في الأشخاص والتيارات من دون البحث عن مكامن الوَهْن الحقيقي.

العامل الخارجي المرتبط بالتحوّلات الكبيرة لا يسمح للعرب بالتقاط أنفاسهم ليفكّروا في مستقبلهم من دون تدخّل أجنبي. صراع أميركا والصين، والقضية الفلسطينية ومصير ممالك البترول، كلها قضايا تجعل التحوّلات السياسية العربية تحت رحمة قوى متعدّدة مُتصارِعة أحياناً ومُتنافِسة أحياناً أخرى

كشف الحراك العربي الأخير أن الربيع العربي أجهز على ما تبقّى من معالم المؤسّساتية التي تقودها النُخَب السياسية العربية، فقد كشف مصير الإخوان المسلمين في مصر عن أزمة ثقة رهيبة في النُخَب السياسية باختلاف تلاوينها الأيديولوجية التي لم تستطع أن تؤسّس لحياةٍ سياسيةٍ بعيدةٍ عن قوّة العسكر وعن الإحتماء به.

واقع جديد:

في الموجة الجديدة من الحراك يبدو عدم الثقة واضحاً في لغة الشعارات السياسية، فالزفزافي في ريف المغرب يهاجم "الدكاكين السياسية" وفي الجزائر يدعو المتظاهرون لإسقاط أناركي حاسم للكثير من رموز النخبة السياسية. ومن جهة أخرى تضاءلت ثقة العرب في قضائهم وفي استقلاليّته.

تقلّصت نبرة الشعار الديني رغم حضور الإسلاميين في الحراك، ورغم أن البعض يربط هذا التحوّل بتقلّص الدعم الخارجي للأحزاب الإسلامية في عهد ترامب ومُناصبة دول الخليج العداء للإخوان المسلمين، إلا أن هذه النزعة الجديدة قد تجد إجابتها أيضاً في المزاج العام الذي خلّفه الربيع العربي حين اكتشفت المجتمعات العربية التوّاقة للتغيير أن السياسيين الإسلاميين كغيرهم لا يمكن أن يقدّموا حلولاً إعجازية لواقع سياسي مُتردٍّ.

رغم حضور التنظيمات النقابية والطلابية والشعبية في الربيع العربي الأول إلا أن قوّتها ازدادت في الحراك الأخير وتضاعفت قدرتها على القيادة والتفاوض. أصبحت التنظيمات غير السياسية في السودان (التجمّع المهني) وفي الجزائر (النقابات وهيئات المحامين والقضاة) هي التي تقود الشارع بحيوية أكبر، كما أن الشعارات النقابية والمناهِضة للفساد تسود خطاب الشارع الشاب المتحرّك.  هذا التحوّل لا يبدو ناتجاً فقط من الدور الخارجي لكنه يُعبّر في الحقيقة عن فشلٍ مؤسّساتي آخر عانى منه الإسلاميون الذين حكموا الدول العربية إبان الربيع العربي.

هل يمكن اليوم أن تتجاوز النُخَب السياسية القومية والإسلامية والعلمانية على حدٍ سواء خطابها التقليدي الديماغوجي لتطرح بدائل قادرة على بناء مؤسّسات سياسية حقيقية؟ وهل سيرضى العسكر العربي بدوره الوظيفي كحامٍ للأمن الداخلي والدفاع الخارجي؟ وهل سيتجاوز الحراك العربي خطاب البروبغندا السياسية الخارجي، الذي يجتهد اليوم في تمييع الفعل السياسي وفي تثبيط العزائم وهزّ قناعات العرب في مصيرهم المشترك وإمكانيات التحوّل السلمي نحو الديمقراطية؟.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً