المصطفى المعتصم

أستاذ جامعي وأمين عام حزب البديل الحضاري المغربي

إغراق السفن، حصان طروادة أميركي

قصص أميركا مع الهجوم على السفن كثيرة ، منها قصة البارِجة الأميركية "مين" التي انفجرت وهي راسية في ميناء هافانا في كوبا التي كانت تابعة لإسبانيا آنذاك ، وأدَّى الانفجار إلى مقتل 260 أميركياً. وعلى الرغم من أن الأسباب الحقيقية وراء الانفجار لم تُعرَف حتى اليوم ، فقد استفادت الولايات المتحدة من هذا الحادث لتُبرِّر إعلانها الحرب على إسبانيا في فبراير 1898بالرغم من كل المحاولات التي قام بها الإسبان لتجنّب الحرب وكل التنازلات التي قدَّموها غير أن جهودهم باءت بالفشل.

إغراق السفن، حصان طروادة أميركي
إغراق السفن، حصان طروادة أميركي

سمعوا نداءات الإغاثة من البحَّارة في الناقلتين ولم يتدخّلوا ، شاهدوهم يلقون بأنفسهم في البحر ولم يُبادروا إلى انتشالهم، رأوْا النيران تلتهم الناقلات ولم يهرعوا إلى إخمادها ، أشرفت المنطقة على كارثةٍ بيئيةٍ خطيرةٍ ولم يُحرّكوا ساكنا.
فلماذا تصرّفت البحرية الأميركية بهذا الشكل وهي التي كانت وما زالت تدَّعي أنها جاءت لحماية أمن وسلامة الملاحة في هذه المنطقة الحسّاسة من العالم ؟ هل كان الأميركان يرغبون في غَرَق أطقم الناقلتين ؟ وهل كانوا ينتظرون انفجار أو غَرَق الناقلتين وحدوث كارثة بيئية؟ .
هناك احتمال كبير أن يكون المارينز قد تصرَّف بهذا الشكل بقرارٍ واعٍ وعن سبق إصرار ، وكان سيناريو اتهام إيران مُعدّاً سلفاً على ما يبدو . وكان الأميركان مُقتنعين بأن من شأن وفاة البحَّارة والربابنة غرقاً أو احتراقاً سيرفع من منسوب الغضب والسخط ضد الإيرانيين، ويُسهّل قبول إلباسهم تهمة الهجوم على السفينتين وتأليب الرأي العام العالمي وتحقيق إجماع دولي على إدانتهم وتجييش الجيوش ضدّهم تمهيداً للهجوم عليهم .
كانت أميركا ومَن يُحرِّضها على الحرب ضد إيران في حاجةٍ إلى صوَر البحارة الغرقى أو صوَر جثتهم وقد شوَّهتها النيران، وعلى الأقل في حاجةٍ إلى صوَر بُقَع نفطية تغطي مساحات شاسعة من خليج عُمان فيها جثت طيور وأسماك ميتة أو صوَر شواطئ تحوَّلت رمالها الذهبية إلى سوادٍ نتيجة التلوّث بالنفط المُتدفّق . لهذا لم يكن في وارِد بومبيو أن يُبرِّر للعالم لماذا وقفت البحرية الأميركية تتفرِّج على مأساة الناقلتين من دون تقديم المساعدة لأشخاصٍ في خطر، واكتفت بالتفرّج على البحرية الإيرانية التي هبَّت لنجدة المنكوبين وإطفاء النيران المُشتعلة في إحدى الناقلتين . تدخّل البحرية الإيرانية أربك السيناريو الأميركي ، ما دفع ببومبيو إلى تغليط الرأي العام العالمي من خلال الإيحاء بأن البحرية الإيرانية إنما جاءت لمكان تواجد الناقلتين المنكوبتين لإتلاف الدليل الدامِغ على تورّط إيران في الاعتداء عليهما، وليس لنجدة البحّارة وإطفاء النيران التي كانت تلتهم الناقلتين. ولإثبات ادّعائه عَرَضَ بومبيو فيديو رديئاً قال إن طائرة أميركية قد صوَّرته ويُبيِّن- حسب قوله - أشخاصاً فوق قارب نَسَبَ ملكيّته للحرس الثوري الإيراني يُزيلون ما قال عنه لغماً لم ينفجر في إحدى الناقلتين . طبعاً تصريح بومبيو دعمته كما تعوّدنا بريطانيا بحُكم ذيليّتها للأميركان.
هذا الدليل الذي لا يُثبت شيئاً، ومن السهل فبركته بالنسبة إلى دولةٍ لها مدينة سينمائية كهوليوود، ذَكَّرَ كل مَن شاهده بالمسرحية التي كان بطلها وزير الدفاع الأميركي في عهد جورج بوش الإبن، كولن باول، الذي وقف في الأمم المتحدة يعرض تقريراً تضمَّن أكاذيب مُفبرَكة عن وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق ، وقد شكَّل هذا التقرير ذريعة لاحتلال العراق وتدميره وقتل مئات الآلاف من مواطنيه. ووحدهما الكيان الصهيوني و مجرم الحرب طوني بلير الوزير الأول البريطاني تبنيا مضامين هذا التقرير لتبرير اصطفافهما مع أميركا ضد العراق.

قصص أميركا مع الهجوم على السفن كثيرة ، منها قصة البارِجة الأميركية "مين" التي انفجرت وهي راسية في ميناء هافانا في كوبا التي كانت تابعة لإسبانيا آنذاك ، وأدَّى الانفجار إلى مقتل 260 أميركياً. وعلى الرغم من أن الأسباب الحقيقية وراء الانفجار لم تُعرَف حتى اليوم، فقد استفادت الولايات المتحدة من هذا الحادث لتُبرِّر إعلانها الحرب على إسبانيا في فبراير 1898بالرغم من كل المحاولات التي قام بها الإسبان لتجنّب الحرب وكل التنازلات التي قدَّموها غير أن جهودهم باءت بالفشل.
وتبقى قصة الباخرة لوزيتانيا RMS (Royal Mail Ship) Lusitaniaقصة جديرة بالتذكير في أيامنا هذه. لوزيتانيا باخرة بريطانية عملاقة عابِرة للمحيط مُخصَّصة لنقل الركاب تمَّ إغراقها يوم 7 مايو 1915 قرب السواحل الإيرلندية أثناء رحلة لها من نيويورك إلى ليفربول بعد ضربها بطوربيد غوّاصة ألمانية U-20 إبان الحرب العالمية الأولى . كان على متن هذه الباخرة أزيد من 2000 مسافر مات منهم 1200 من بينهم 128 راكباً من جنسية أميركية . غَرَق لوزيتانيا أثار العديد من الأسئلة المُحرِجة لأميركا . منها السؤال لماذا سلكت لوزيتانيا طريقاً بحرياً قادها إلى منطقة يعرف الأميركان أن الغوَّاصات الألمانية تنشط فيها ؟ ولماذا غرقت هذه السفينة العملاقة بطوربيدٍ واحدٍ وفي وقتٍ قياسي لم يتجاوز 18 دقيقة؟. كل الخبراء في صناعة السفن أكَّدوا استحالة أن يكون الثقب الذي أحدثه الطوربيد بجسم هذه السفينة العملاقة سبباً في غرقها بهذه السرعة القياسية .
سنوات السبعينات من القرن الماضي حملت بعض عناصر الجواب عن الأسئلة التي طرحها الخبراء ، عندما تمكَّن فريقٌ من الغوّاصين من الوصول إلى لوزيتانيا ، وكشفَ سبب غرقها السريع وسبب سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا . اكتشفوا أن السفينة وبعد الانفجار الأول الذي حدث بفعل طوربيد الغوّاصة ، عرفت انفجاراً ثانياً هائلاً جداً كان هو السبب الحقيقي في ارتفاع عدد الضحايا وفي غرقها السريع. فقد كانت السفينة مُحمَّلة ب46 طناً من بارود الألومينيوم وهو مادة خطيرة عندما تختلط بالماء ، ما يؤدِّي إلى انبعاث غاز الهيدروجين الذي يشكّل عند تفاعله مع أوكسجين الهواء مادة شديدة الانفجار خصوصاً بوجود البارود . كما اكتشفوا ذخائر سرّية أخرى عبارة عن الآلاف من الأسلحة الشخصية ( بنادق، ومسدّسات ، الخ ) وقذائف مدفعية و صناديق تحتوي على آلاف من القذائف المُتشظية.
فكيف سمحت أميركا بنقل هذه الأسلحة والمتفجرات شديدة الانفجار على متن سفينة مدنية ، وكيف سمحت بوضعها في أماكن مُعرَّضة للضرب بالطوربيدات ، بل كيف سمحت لها بالإبحار من دون سند من طرف السفن الحربية الأميركية وتنسيق مع البحرية الألمانية في منطقة خطيرة تُعرَف جيداً أن فيها غواصات ألمانية مُتربّصة ؟. هل كانت أميركا تبحث فعلاً عن إغراق هذه السفينة وإلحاق كل هذا العدد من القتلى بركابها ومنهم أميركيون؟ . على كل حال فقد أنهى إغراق لوزيتانيا حال الحياد التي أعلنها الرئيس الأميركي " طوماس ويلسون "Thomas Wilson الذي سبقَ له أن ناشد الشعب الأميركي بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى ، بأن لا ينتصر لفريقٍ أوروبي ضد الآخر، وأعلن أن الولايات المتحدة الأميركية ستكون حيادية حيال الحرب الدائرة في أوروبا.
بإغراق لوزيتانيا دخلت أميركا الحرب العالمية الأولى في شهر أبريل ضد ألمانيا 1917 إلى جانب بريطانيا وفرنسا بدعوى عدم وفاء الألمان بالتزامهم بعدم ضرب السفن التجارية أو التي تُستعمَل في نقل المدنيين المُبحِرة من أميركا اتجاه أوروبا!.
بالعودة لما يحدث اليوم في الخليج ، فأكيد أن أميركا لا تريد الذهاب إلى حربٍ مفتوحةٍ مع إيران بسبب الناقلتين ، لكنها ستسعى إلى المزيد من الضغط على طهران لإجبارها على التفاوض بشأن برنامجها النووي والباليستي وفق الشروط الأميركية، وقد تعمَد إلى المزيد من تسخين الأجواء لضرب إيران في قادم الأيام ، ضربة محدودة تستهدف فيها المُنشآت النووية الإيرانية بذريعة إخلال إيران بالاتفاق النووي الذي انسحبت منه أميركا ترامب أصلاً وبدعوى منعها من امتلاك السلاح النووي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً