بثينة شعبان

مفكرة عربية

النتيجة- الحدث

هل يمكن لحدث مثل هذا أن يدفع بعض الحريصين فعلاً على مصلحة الولايات المتحدة والقادرين على التمييز بين ما يمثله بلدهم وبين ما يمثله الكيان الصهيوني، أن يقفوا في وجه الترويج الإسرائيلي للحروب في منطقة الشرق الأوسط والتي تنذر بالخراب والدمار لكلّ المتورطين المحتملين فيها؟

الطائرة الأميركية التي أسقطتها ايران هي من طراز RQ Global Hawk (أ ف ب)
الطائرة الأميركية التي أسقطتها ايران هي من طراز RQ Global Hawk (أ ف ب)

في الأسبوع الماضي كتبت زاويتي بعنوان "نهجان ونتيجتان"، وقارنت بين النهج الذي اتّبعته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مقاومتها للحصار والابتزاز وبين النهج الذي اتبعه بعض العرب، وأشرت إلى بعض نتائج كلّ من النهجين. لكن لم يخطر ببالي أنّ نتائج النهجين سترتسم أحداثاً تشغل العالم برمّته خلال الأسبوع ذاته. النتيجة الأولى كانت التقرير الأممي الذي صدر بحقّ محمد بن سلمان بأنّه وحكومته مسؤولان شخصيّاً عن قتل خاشقجي وما سوف يتبع ذلك من تبعات ابتزاز ودفع أموال سنرى تفاعلاتها على الساحة الدولية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

أمّا النتيجة المقابلة –الحدث- فكانت إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية طائرة استطلاع أميركية فوق المياه الإقليمية الإيرانية. تقول المصادر الإيرانية إنّهم وجهوا أربعة إنذارات للطائرة بالعودة ولكنّها لم تعد، كما أنّهم امتنعوا عن إسقاط طائرة أخرى كانت تقلّ خمسة وثلاثين شخصاً على متنها. بعد هذا الحدث أطلق الرئيس ترامب إعلاناً أنّه يريد ضرب إيران ولكن وبعد عدة ساعات تراجع عن نيته، هذا لأن المواقع التي كان ينوي ضربها يوجد فيها مئة وخمسون شخصاً وهو لا يريد إهدار الأرواح. الحدث هام لعدة أسباب: أولاً لأنّ الولايات المتحدة كانت تعتقد أنّ هذه الطائرة من دون طيّار لا يكشفها الرادار، ولكن الرادار الإيراني كشفها وأسقطها بصاروخ إيراني بعد ذلك؛ وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على المرحلة العلمية المتقدمة التي توصلت إليها إيران في الأبحاث والعلوم، وهذا تحديداً ما لا يريده الغرب لإيران أو لأي بلد آخر سواء كان الصين أم الهند، لأنّ معركة المعرفة والتقدم العلمي اليوم هي المعركة الحقيقية التي يخوضها أبناء البسيطة من أجل مستقبل أبنائهم وأحفادهم.

والسبب الثاني هو أنّ إيران اختارت ألاّ تسقط طائرة على متنها خمسة وثلاثون خبيراً، لأنّها لا تريد تصعيداً مفتوحاً مع الولايات المتحدة، ولكنّها أرادت أن ترسل إشارة فقط عن حجم معرفتها وقدراتها كي لا تخطئ الولايات المتحدة في الحسابات والتقديرات، وكي تترك الباب مفتوحاً لتجنب حرب مفتوحة بين الطرفين. والسبب الثالث هو أنّ دراسة ردود الأفعال الإقليمية والدولية على هذا الحدث تكشف لنا جميعاً أين هي مكامن الأخطار، ومن ذا الذي يلعب بالنار لوضع العالم على شفا حرب عالمية ثالثة قد تكون الأخطر في تاريخ الحروب العالمية.

قد تكون أهم نتائج هذا الحدث تنضوي في الردود التي صدرت بعد حدوثه. لنبدأ أولاً بردود الفعل في الولايات المتحدة حين أعلن الرئيس ترامب أنّه سوف يوجه ضربة إلى إيران وتراجع عن هذه الفكرة بعد عدة ساعات. نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب علّقت على تغريدة ترامب بالقول: لم نناقش فكرة ضرب إيران في الكونغرس أيّ أنّ قرار ترامب لو اتخذه فعلاً، كان غير مؤسّسي أو غير دستوري. كما صدرت أصوات في الولايات المتحدة تحذّر من الحرب وأصوات أخرى تحرّض عليها وهذا متوقع نتيجة الانقسامات التي نشهدها على الساحة الأميركية منذ بداية عهد ترامب في الحكم. وزارة الخارجية الروسية سارعت إلى الإعلان أنّها مستعدة لدعم  إيران، ولاشكّ في أنّ موقف الصين قريب جداً من موقف روسيا كما عبّر الرئيسان الروسي والصيني في لقائهما الرئيس روحاني منذ أيام عديدة فقط.

الدول الخمس في الاتحاد الأوربي والتي مازالت مرتبطة مع إيران بالاتفاق النووي الإيراني، دعت إلى ضبط النفس وعدم إشعال أتون الحرب، وهي تستعد لاجتماعها مع إيران في 28 من الشهر الحالي لبحث حيثيات ومستقبل الاتفاق النووي بينها وبين إيران. ولكن وفي هذه الزوبعة ظهر صوت بتجليات مختلفة، يدقّ طبول الحرب ويحاول أن يظهر أنّه لا يفعل ذلك ألا وهو الطرف الإسرائيلي وكلّ من يؤيده سواء في الداخل الأميركي أو في الكيان الصهيوني، بحيث اضطر نتنياهو للطلب من وزرائه عدم الإدلاء بأيّ تصريح حول هذه الحادثة.

لقد صرّح ليندسي غراهام وآخرون في الكونغرس بضرورة ضرب إيران ولكنّ هؤلاء جميعاً ممن يستمدون معلوماتهم من الطرف الإسرائيلي فقط من دون امتلاك المعرفة بالمنطقة أو تاريخها أو الاحتمالات المستقبليّة لما يدعون من أجله. وهنا بالتحديد نتذكر عام 2003 والحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على العراق على أساس بعض الأكاذيب التي تمّ تلفيقها من قبل الكيان الصهيوني وتبنتها الإدارة الأميركية في حينها على لسان كولن بأول، وكانت الكارثة التي مازال الشعب العراقي يدفع ثمنها حتى اليوم، والتي أساءت إلى حدّ كبير إلى تاريخ الولايات المتحدة وسمعتها، بالإضافة إلى الثمن الإنساني والمادي اللذين دفعتهما الولايات المتحدة.

وهنا يجب الانتباه إلى أنّ معظم الكوارث التي تحلّ في منطقة الشرق الأوسط هي نتاج تفكير قديم حديث في واشنطن، يعتقد أنّ الكيان الصهيوني خبير في المنطقة وأنّه يعلم ماذا يقول، وأنّ الأعمال التي يدعو إليها تصبّ في خدمته وخدمة الولايات المتحدة على حدّ سواء. وهنا أريد أن أجادل ضد هذا المفهوم التاريخي لأقول إنّ المعلومات التي يسوّقها الكيان الصهيوني لأصحاب القرار في واشنطن، تصبّ في مصلحة احتلاله واستيطانه وخطط هيمنته على المنطقة، غير آبهٍ بتبعات الأحداث على الولايات المتحدة وسمعتها والكلفة التي سوف تدفعها نتيجة هذه القرارات.

والمشكلة الأساس هي أنّ الولايات المتحدة ومنذ ظهور النفط وبتشجيع من الكيان الصهيوني، اعتبرت كيانات الخليج الممثلة الحقيقية للأمّة العربيّة متجاهلة حضارة وتاريخ بلاد الشام وشمال أفريقيا، فأحدثت هذا الشرخ الذي يصعب رأبه. واليوم يستقي البعض في الإدارة الأميركية معلوماته عن إيران من الكيان الصهيوني نفسه الذي يهدف إلى إزاحة أيّ قوّة إقليمية في المنطقة، كي يبقى هو القوّة الوحيدة المسيطرة في الشرق الأوسط، وبغض النظر عمّا يمكن أن يكلّف هذا الأمر الولايات المتحدة، من ضرر وحروب وأموال وسمعة قد تلحق بمكانتها على المستوى الدولي.

أو لم يحن الوقت للمتخصصين في الولايات المتحدة كي يتعلموا من تجربتهم في الحرب على العراق، وأن يعيدوا النظر ويتذكروا من دقّ طبول الحرب، ومن كان الطرف الذي لا هدف له سوى القضاء على العراق كقوّة إقليمية، بغض النظر عمّا يكلّف ذلك الولايات المتحدة من أبنائها وأموالها وسمعتها ومكانتها على المستويين الإقليمي والدولي؟ هل يمكن لحادث إسقاط طائرة من دون طيّار في المياه الإقليمية الإيرانية، أن يخدم الولايات المتحدة كجرس إنذار أنّ المصدر الذي يدقّ طبول الحرب في منطقتنا له أهداف أخرى ومخططات تكلّف الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية ثمناً باهظاً من دون أن تعود عليها بأيّ فائدة على الإطلاق. هل يمكن لحدث مثل هذا أن يدفع بعض الحريصين فعلاً على مصلحة الولايات المتحدة والقادرين على التمييز بين ما يمثله بلدهم وبين ما يمثله الكيان الصهيوني، أن يقفوا في وجه الترويج الإسرائيلي للحروب في منطقة الشرق الأوسط والتي تنذر بالخراب والدمار لكلّ المتورطين المحتملين فيها؟


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً