أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

الوجه الآخر لصفقة القرن

لقد اكتشفت الولايات المتحدة أن قوى إقليمية ودولية كإيران والصين وروسيا لن ترضى بتحجيم دورها من خلال اتباع الوسائل التقليدية في الصراع: الحرب العسكرية المباشرة، ووسائل الضغط الديبلوماسي الدولي عن طريق الأمم المتحدة كما حدث مع نظام صدام في العراق.

  • الوجه الآخر لصفقة القرن

في الوقت الذي تؤكد الولايات المتحدة انخراطها الكامل في سياسة الحرب الإقتصادية الجديدة، بعد أن أعلنت عدم نيتها الدخول في حرب مباشرة مع إيران لا تبدو صفقة القرن بعيدة عن هذا السياق الجديد.

تمثل سياسة ترامب نهجاً استراتيجياً جديداً تختاره أميركا انسجاماً مع مرحلة جديدة يعيشها العالم بعد نهاية الحرب الباردة والحرب على الإرهاب وصعود القوى الدولية الجديدة.

لقد اكتشفت الولايات المتحدة أن قوى إقليمية ودولية كإيران والصين وروسيا لن ترضى بتحجيم دورها من خلال اتباع الوسائل التقليدية في الصراع: الحرب العسكرية المباشرة، ووسائل الضغط الديبلوماسي الدولي عن طريق الأمم المتحدة كما حدث مع نظام صدام في العراق.

المناخ التنافسي الجديد الذي ينساق العالم إليه لم يعد يسمح بوجود قطب دولي متحكم في القرار الاممي الدولي وفي الحروب العسكرية وفي اقتصاد العالم، كما أن عبء قيادة العالم لم يعد سهلا على دافعي الضرائب الأمريكيين. لقد غير الوجود الصيني عالم القرن 21 ومعه غيرت الولايات المتحدة سياساتها تناسبا مع نظرية الفعل ورد الفعل.

أعلن مشروع الميزانية السنوية في إيران لهذه السنة الجارية إنخراط إيران في هذه الحرب الاقتصادية الجديدة، ورغم التوتر الشديد الذي يغلب على المنطقة، إلا أن التهديدات الأمريكية تبدو صعبة التحقيق لأسباب استراتيجية عديدة، فالولايات المتحدة التي أفقدتها الطائرة المسقطة في إيران أوراقا مهمة في التفاوض والتأثير على المناخ الدولي والاقليمي، ازداد وضوح عجزها في الدخول في الصراع المباشر مع إيران بسبب مصالحها المهددة في المنطقة النفطية التي يعول عليها الأمريكيون في بناء اقتصادهم المهدد من جهة، كما أن المناخ التنافسي الذي اشعله العم سام اصبح سيفا ذو حدين في توفير مناخ مشجع لعزل إيران النفطية والممتلكة لإمكانات اقتصادية هائلة.

-صفقة القرن ونظرية الازدهار:

أعلنت أمريكا عن مشروع الإزدهار الإقتصادي prosperity وهي نظرية اقتصادية ظهرت في بدايات القرن العشرين ، تتحدد أهم ملامحها في ضرورة البحث عن وسائل الإزدهار الاقتصادي من خلال تشجيع ممتلكي الثروة على ترويجها من أجل خلق أرباح داخلية تؤدي إلى زيادة فرص العمل وتقليص البطالة وتنشيط الدورة الاقتصادية. هذا التشجيع يتأتى أساسا من خلال تخفيض الضرائب على رجال الاعمال لتشجعيهم على العمل وتنشيط الدورة الاقتصادية.

دعا ترامب الىى مشروع الإزدهار الأمريكي بأموال النفط العربي وأعلن من بعده بولتون عن مشروع ازدهار افريقيا لدرء تنامي قوة التنين الصيني وصنوه الروسي في القارة السوداء، ويعلن اليوم في البحرين عن مشروع الإزدهار الفلسطيني بأموال المستثمرين الخليجيين لأجل إيجاد وضع دائم وغير نهائي للقضية الفلسطينية.
لم تكن سياسة محمد ابن سلمان تجاه أمراء المال والاقتصاد السعودي التي بلغت أوجها في فنادق الريتز بعيدة عن هذا المشروع. القادة الاقتصاديون يمثلون الزعماء الفعليين لهذه السياسة الجديدة، وإعادة هيكلة المجتمع الاقتصادي السعودي كان مهماً في هذا السياق حيث تختلط الولاءات وتتشعب وتهدد أحياناً الانسجام المطلوب بين الاقتصاد والسياسة فيما سمي مشروع 2030. لقد كان المنطقي أن يسعى النظام السياسي السعودي إلى بناء ولاءات اقتصادية جديدة تتماشى مع الدور المهم الذي سيلعبه هؤلاء في المستقبل القريب.

-مخرجات مؤتمر المنامة:

تبدو تشكيلة مؤتمر البحرين بمدعويها ومنظميها أشبه بحملة تسويقية لمشاريع المزايدات الاقتصادية في وضع دولي وإقليمي حرج تمّ فيه التركيز على الاقتصاد والسلام وتطبيع العلاقات، وتبدو أهم مضامينه ومخرجاته متناغمة إلى حد كبير مع السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة في المنطقة:

ركز خطاب المؤتمر على عنصرين مهمين في نجاح الصفقة: الفلسطينيون والمستثمرون.
- القيادات الاقتصادية كبديل للقيادات السياسية.
- العوائد الاقتصادية على المستثمرين العرب والأجانب على حد سواء.
- تهميش الدور السياسي والتركيز على المناخ الاقتصادي وعلى التسويق له .
- إعادة صياغة وتنظيم خطط قديمة دعت اليها حكومات أجنبية، ومؤسسات دولية كالبنك الدولي.
- القيادة الامريكية للمشروع الاقتصادي الذي هو حامل المشروع السياسي.
- التعويل على حرية المستثمرين في بناء الاقتصاد الموجه من الخارج والمتناغم مع الاستراتيجية الامريكية الجديدة.

هذا المؤتمر الذي قاطعه الفلسطينيون لا يمثل دعوة للسياسيين بقدر ما هو طمأنة للاقتصاديين أن الدور السياسي سيكون ضعيفاً في إنجاح الصفقة التي ستعتبر فرصة للربح امام الشركات الدولية في المنطقة الفلسطينية.

آفاق الوجه الاخر لصفقة القرن:

يراهن خطاب منشطي الصفقة ومسوقيها على تغيير بنية الوعي الفلسطيني من خلال إنتاج واقع جديد يتأسس على العناصر التالية:


1- تقليص مشروعية القيادات السياسية الفلسطينية سواء في الضفة او القطاع من خلال سحب امتياز السلطة في توزيع القيم والاشياء داخل النسق السياسي الفلسطيني.
2- بناء ''ثقافة سياسية' جديدة تتأسس على المشروعية الاقتصادية تستبدل السياسيين برجال الاقتصاد الفلسطينيين.
3- بناء ''شبه دولة" مدينة ومثقلة بالتبعية الاقتصادية والمؤسساتية بخدمة قروض تكرس شكلا جديدا من الهيمنة على حياة الشعب الفلسطيني.
4- إضعاف اي إمكانية لتغلغل أو اختراق المشاريع الاقتصادية الصينية أو الايرانية او الروسية في المنطقة من خلال تعزيز نظرية الازدهار التي عنوانها الحقيقي احتكار رجال الاعمال الامريكيين ومن يمشي معهم على الاوراش الاقتصادية الكبرى في المنطقة العربية، التي قد يكون الوجود الصيني فيها مهما لنجاح طريق الحرير.
5- التماهي مع مشروع السلام الاقتصادي الذي دعا غليه نتنياهو في المنطقة، وبدأت تظهر ثماره في حملات التطبيع الجديدة التي عرفتها دول الخليج العربي.
6- تجميد فعلي لاتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع الفلسطينيين والاردنيين والمصريين والتي لم تعد تناسب ''الطموحات'' الجديدة للدولة الصهيونية في منطقة العرب.

أمام هذه الاستراتيجية الجديدة لا يبدو أن السياسيين الفلسطينيين غير واعين تماماً بما يتم التحضير له، لكن بالمقابل يظل وضع الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، والعلاقة مع دول الطوق، ومستقبل الدور القطري والخليجي عموما عاملا مهما في مدى إنجاح المشروع الجديد الذي ربما قد يفتح العالم العربي على واقع جديد لم تتغير الكثير من معالمه منذ نكسة حزيران 67. واقع شرعية المقاومة وهوية القضية الفلسطينية كقضية قومية عقائدية عربية تتجاوز منطق البرغماتية السائد في العالم العربي اليوم، والذي أصبحت كثير من ملامحه تغزو التيارات الإسلامية وغيرها على حد سواء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً