موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

خطورة التأصيل التوراتي

لا بدّ من فصلٍ واضحٍ قاطعٍ بين اليهود العرب القدامى وأيديولوجيتهم التوراتية الرَعوية العنصرية، باعتبارها إحدى مظاهر الوجه السلبي من تاريخنا العربي، وبين اليهود الأشكنازيم وأصولهم الخزرية التركية، والمشروع الصهيوني الذي انخرطوا فيه خدمة للدوائر الإستعمارية.

يهودي أمام مسجد قبة الصخرة في القدس المحتلة
يهودي أمام مسجد قبة الصخرة في القدس المحتلة

بعد فشل الدوائر الإستعمارية، البريطانية والفرنسية باختلاق صهيونيةٍ غير يهودية (مسيحية) لإقامة كيانٍ طائفي عازِلٍ جنوب سوريا (فلسطين) يؤمِّن مصالحها بين الهند الشرقية وموانىء البحر المتوسّط، راحَت هذه الدوائر تُركِّز على الصهيونية اليهودية، وتأمين غطاء أيديولوجي لها، بربط العهد الجديد (المسيحية) مع العهد القديم (اليهودية)، وتسويق الثكنة البشرية الصهيونية الإستيطانية في فلسطين كأرضٍ موعودةٍ مُقدَّسة، وذلك رغم أن أيّ مُبتدئ في تاريخ الأديان يعرف أن اليهودية حتى يومنا هذا، لا تعترف بالمسيحية وتُسمِّي المسيح بالنبيّ الدجَّال، فضلاً عن الإختلاف الكبير بين البيئة الرَعوية الهمجية لليهودية، وبين البيئة الزراعية الحضارية الشمسية للمسيحية، وعن أن الأولى ، ديانة بطرك أو أب رَعوي جوَّاب قاتِل هو يهوه، فيما المسيحية ديانة إبن قربانية.

إلى ذلك، وعلى نحوٍ مُشابهٍ ومُريبٍ، وبنوايا ساذِجة أحياناً ومُتعمَّدة في الغالب، جرى ويجري الخلط بين يهود أوروبا واليهود العرب، ووضعهم في سلَّةٍ (إثنية مزعومة واحدة) وسَوْق أدلَّة دينية مُفبرَكة مشتركة باسم (جين كوهين) وغيره، وذلك لتزييف صورة الصراع العربي-الصهيوني وتفريغه من مضمونه السياسي-الإقتصادي كصراعٍ بين حركة التحرّر العربية والإمبرياليات العالمية في تجليّاتها الصهيونية، وتسويقه كصراعٍ ديني يخدم في ما يخدم الرجعية العربية وجماعات الإسلام السياسي (البريطاني – الأميركي).

ومن المؤكَّد أن الأيديولوجيا اليهودية، في طبعتها القديمة، ما قبل الرأسمالية، كما في طبعتها الصهيونية الرأسمالية، أيديولوجيا عنصرية تفتقر إلى الحد الأدنى من الجذور والتقاليد الحضارية، ولكن من الخطير جداً تأصيل الصراع الراهِن، بردِّه إلى ما كان عليه يهود الجزيرة العربية وصحراء الهلال الخصيب قبل وبعد الدعوة الإسلامية، وذلك في ضوء المُعطيات التالية:

1-لا علاقة البتَّة بين اليهود العرب القُدامى وبين الغالبيّة الساحِقة من اليهود الذين يحتلّون فلسطين منذ سبعين عاماً، فاليهود العرب جزء من تاريخنا واختلافاتنا ومن بيئتنا الثقافية المُتعدَّدة، تعدُّد الأنماط الإقتصادية والإجتماعية آنذاك، من النمط الزراعي النهري الشمسي الذي انبثقت منه المسيحية العربية وقبلها حضارات الشرق المزدهرة في سومر وبابل وآشور كما الآرامية والفرعونية، إلى النمط الإيلافي الذي رافق الدعوة الإسلامية، إلى أنماطٍ رعويةٍ شتَّى، بينها النمط الذي انبثقت منه اليهودية.

أمّا قوام المشروع الصهيوني، الذراع الإستيطانية العدوانية للإمبراطورية البريطانية ثم الأميركية، فهو يهود الخزر، وهم قبائل تركية تهوَّدت في القرن السابع الميلادي في غمرة تحوّلاتٍ مُفاجئةٍ لطُرُق التجارة العالمية، وتمكَّنت من إقامة مملكة، سُرعان ما اصطدمت مع المغول والأرثوذكسية الصاعِدة في روسيا وبيزنطة وانتهت إلى شراذِم هارِبةٍ في أرجاء أوروبا، الشرقية والغربية، وذلك على نحو ما كتب مؤرِّخان يهوديان هما: بنيامين فريدمان، وأرثر كوستلر.
وهي الجماعات التي عادت الدوائر الإستعمارية لتجميعها باسم الأشكنازيم وتنظيمها في الحركة الصهيونية، وزرعها في فلسطين كثكنةٍ طائفيةٍ مُسلّحة.

1-كما يحفل الإسلام ونصوصه المُقدَّسة بآياتٍ ومأثوراتٍ تُميِّز بين قبيلة (إسرائيل) وبين اليهود وتُحذِّر منهم ومن مكائدهم، راح مشايخ النفط والغاز والعثمانية الجديدة والدوائر البريطانية، الأميركية، يُحرِّفون الكلام عن مواضعه و(يجتهدون) بتأويل أكثر من آيةٍ قرآنيةٍ تبريراً للغزو الصهيوني واحتلاله لفلسطين العربية، ومن ذلك ما جاء في سورتيّ الإسراء والمائدة.

ففي الأولى ما نصّه بعد آية غرق فرعون، (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) الآية 104، وفي الثانية الآيات من 19-22 (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وأتاكم ما لم تؤت أحداً من العالمين، يا قوم ادخلوا الأرض المُقدَّسة التي كتب الله لكم ولا ترتّدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسِرين).

أيضاً، فإن عدم ورود كلمة فلسطين في القرآن، وورود إسم المسجد الأقصى مرة واحدة في سورة الإسراء، يوظَّف على نحوٍ مُريبٍ ما يستدعي باستمرار الفصل بين تاريخ اليهود وقبيلة (إسرائيل العربية) المُتهوِّدة باعتبار ذلك جزءاً من التاريخ العربي المُتنوِّع، وبين إسرائيل الحالية باعتبارها امتداداً إمبريالياً للإستعمار الأوروبي ثم الأميركي، ولا علاقة لها بقبيلة بني إسرائيل العربية القديمة.

وبالمثل إذا كانت هذه القبيلة جماعة بدوية صحراوية جوّابة، فإن فلسطين عنوان لحضاراتٍ عريقةٍ ولأرضٍ تاريخيةٍ لا تنفيها الأسماء المُتعدِّدة لها بل تؤكّدها من أرض كنعان إلى سوريا الجنوبية.

في ضوء ما سبق، ومنعاً لاختلاط الحابِل بالنابِل، وحتى لا توفّر التأويلات المشبوهة لفتاوى ومشايخ النفط والغاز والعثمَنة والأطلسي، أيّ غطاء للعدو الصهيوني وصفقة القرن، فلا بدّ من فصلٍ واضحٍ قاطعٍ بين اليهود العرب القدامى وأيديولوجيتهم التوراتية الرَعوية العنصرية، باعتبارها إحدى مظاهر الوجه السلبي من تاريخنا العربي، وبين اليهود الأشكنازيم وأصولهم الخزرية التركية، والمشروع الصهيوني الذي انخرطوا فيه خدمة للدوائر الإستعمارية، فهم ليسوا عرباً ولا يحق لهم الإدّعاء بوطنٍ موعودٍ وبأيّ شبرٍ عربي، وبإمكانهم الحديث أو الحنين إلى موطنٍ أصلي في بلاد الخزر لا في بلادنا.

والجدير ذِكره أن ستالين والكومنترن (المكتب السياسي للأممية الشيوعية) سبق واقترحا في العقد الثالث من القرن العشرين إقامة حُكم ذاتي لليهود في منطقة الخزر المذكورة بدلاً من فلسطين (وثائق الكومنترن).


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً