علي أبو الخير

كاتب مصري.

في ذكرى 25 كانون الثاني/يناير ... ثورة شعب وعيد شرطة وقرار نهاية حرب

ولقد اختار الشباب عيد الشرطة عام 2011 بداية للتظاهر، للاحتفال بطريقتهم الثورية ضد الظلم، وللتذكير بأن أسباب مواجهة الشرطة للاحتلال البريطاني، مازالت قائمة، لأن سلوك الشرطة مع الشعب تنامى بصورة متوحّشة، خاصة خلال العشر سنوات الأخيرة من حكم "حسني مبارك".

سيظلّ يوم 25 من شهر كانون الثاني/يناير مهماً في تاريخ الدولة المصرية
سيظلّ يوم 25 من شهر كانون الثاني/يناير مهماً في تاريخ الدولة المصرية

سيظلّ يوم 25 من شهر كانون الثاني/يناير مهماً في تاريخ الدولة المصرية، ليس فقط لأن الشعب المصري خرج ثائراً عام 2011 ضد نظام الرئيس "حسني مبارك"، ولكن أيضاً، لأن هذا التاريخ شهد حدثين مؤثّرين في تاريخ مصر المُعاصر.

الحدث الأول، هو عيد الشرطة المصرية، العيد الذي استلهم منه الشباب المصري التصدّي للظلم والمُعاناة، فرفع شعارات "عيش- حرية - عدالة اجتماعية" عام 2011، وهي شعارات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وعيد الشرطة مرتبط بتلك الشعارات أيضاً، لأنه في الأصل مرتبط بالحركة الوطنية المصرية في العصر المَلكي، عندما كانت مصر تسعى للاستقلال التام عن الاحتلال البريطاني، ففي يوم 8 من تشرين الأول/أكتوبر‏1951‏ أعلن رئيس الوزراء "مصطفي النحاس" إلغاء معاهدة عام 1936 مع إنكلترا، وطلب النحاس انسحاب العاملين المصريين في شركة "قناة السويس" التي كانت تشهد وجود القوّات البريطانية، واستجاب العمّال، وانسحب ما يزيد عن تسعين ألف موظف، كما دخل التجّار ساحة المعركة، فامتنعوا عن إمداد القوات المحتلة بأية مواد غذائية، ثمّ أعلنت الحكومة حرب الفدائيين في القناة، فسلّحت الشباب، وبدأت الحرب في سبيل الوطن، وكان للشرطة المصرية المتواجدة في مدن القناة، خاصة مدينة "الإسماعيلية"، التي يُوجد فيها مقر قوّات الاحتلال ومقر هيئة "قناة السويس" دور هائل، فقد تفاعل الجنود والضبّاط مع الفدائيين ومع المواطنين في تلك المدن، وهاجم الجميع المعسكرات البريطانية.

كل هذا أزعج حكومة لندن، فهدّدت باحتلال القاهرة إذا لم يتوقّف نشاط الفدائيين، ولم يعبأ الشباب بهذه التهديدات ومضوا في خطتهم غير عابئين بالتفوّق الحربي البريطاني، واستطاعوا أن يكبّدوا الإنكليز خسائر فادحة،‏ وأدرك البريطانيون أن الفدائيين يعملون تحت حماية الشرطة (حيث كان الجيش المصري ممنوعاً من الوجود في المنطقة)‏،‏ فعملوا على تفريغ مدن القناة من قوات الشرطة، وفى صباح يوم الجمعة الموافق 25 كانون الثاني/ينايرعام 1952 قام القائد البريطاني في منطقة القناة "البريغادير أكسهام" بإنذار لكي تسلّم الشرطة بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وأن ترحل عن منطقة القناة، وما كان من محافظة "الإسماعيلية" إلا أن رفضت الإنذار، وأبلغته إلى "فؤاد سراج الدين"، وزير الداخلية في ذاك الوقت، فطلب منها المقاومة وعدم الاستسلام، فاشتدّ غضب القائد البريطاني، وأمر قواته بمحاصرة قوات شرطة الإسماعيلية، وأطلق البريطانيون نيران مدافعهم بطريقةٍ وحشيةٍ لأكثر من 6 ساعات، ثم حاصر أكثر من سبعة آلاف جندي بريطاني مبنى "محافظة الإسماعيلية" والثكنات، والتي كان يدافع عنهما 850 جندياً من الشرطة فقط، ما جعلها معركة غير متساوية القوّة، ولكن رجال الشرطة دافعوا ببسالة، وسقط منهم خمسون شهيداً والعديد من الجرحى، ولم يكتف البريطانيون، فقاموا بهدم قرى مُسالِمة، ما أثار غضب الشعب، فنشبت التظاهرات تُنادي بحمل السلاح لمواجهة العدو الغاشم، ثم توالت الأحداث سريعاً، ففي اليوم التالي حدث حريق "القاهرة"، بمؤامرةٍ بريطانية، والذي كان السبب في إسقاط حكومة "مصطفى النحاس"، وكان من الطبيعي توقّع حدوث  ثورة 23 تمّوز|يوليو 1952، والتي اعتبرت يوم 25 كانون الثاني|يناير من كل عام عيداً سنوياً للشرطة المصرية، وهو ما يفتخر به الشعب المصري.

ولقد اختار الشباب عيد الشرطة عام 2011 بداية للتظاهر، للاحتفال بطريقتهم الثورية ضد الظلم، وللتذكير بأن أسباب مواجهة الشرطة للاحتلال البريطاني، مازالت قائمة، لأن سلوك الشرطة مع الشعب تنامى بصورة متوحّشة، خاصة خلال العشر سنوات الأخيرة من حكم "حسني مبارك"، عندما بدأت القوى المدنية والسياسية تتحرّك، ثم بدأ القبض على النشطاء، وفرض مستمر لقانون الطوارئ، وقيام جهاز "أمن الدولة" بدور شوّه معالم الدولة المصرية، بالإضافة إلى الفساد المالي، ودخول رجال الأعمال في السلطة، ثم الأخطر عندما دافعت الشرطة عن رجال أعمال أغنياء وقامت بحراستهم، مثل "حسين سالم" الملياردير المشهور، و"أحمد عز" صاحب شركات الحديد، والذي كان الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان قد زوَّر انتخابات عام 2010، على مشهد من الشعب، كما دافع كبار رجال الشرطة عن توريث الحُكم إلى "جمال مبارك"، وغيرها من الأحداث التي راح ضحيّتها بعض الشباب بسبب التعذيب داخل السجون، مثل "خالد سعيد" و"سيّد بلال"، وغيرهما، الأمر الذي جعل شعلة الغضب تزداد، ثم أضافت ثورة/انتفاضة تونس وهروب الرئيس "زين العابدين بن علي" إلى الخارج تشجيعاً للشباب المصري، خرجت التظاهرات يوم الثلاثاء بمجموعات صغيرة لم تدخل في الشوارع الرئيسة، بل تسرّبت ككتل مُتناهية الصغر في الحواري والمناطق الشعبية، كانت تدخل صغيرة بالعشرات وتُمسي كثيرة بالآلاف، وكلما كبرت، كلما شجّعت الناس على اختلاف أعمارهم للدخول فيها، ولأن يوم الثلاثاء يوم عمل رسمي، ظلّت الأعداد متوسّطة، ولكنها في النهاية أزالت حاجز الرهبة والخوف من الشرطة والنظام، وصار الكل مستعداً للخروج يوم الجمعة 28 "جمعة الغضب"، وهو اليوم الذي كان المسمار الأول والكبير في نعش شخص وليس نظام "حسني مبارك"، فتخلّى عن الحُكم يوم 11 شباط/فبراير 2011  .

أما الحدث الثاني، فهو من غرائب الصدف، حيث يُعتبر يوم 25 كانون الثاني/يناير  سنة 1980، بداية التطبيع الرسمي بين مصر والكيان الصهيوني، ففي ذاك اليوم، قام الرئيس "أنور السادات" بإبلاغ منظمة الأمم المتحدة رسمياً إنهاء حال الحرب بين مصر وإسرائيل، أي خروج مصر من ساحة الصراع مع العدو التاريخي للعرب والمسلمين، وحدث سلام على المستوى الرسمي، ولكن الضمير الشعبي المصري رفض محاولات التطبيع، وكانت الثورة/الانتفاضة ضد إسرائيل أيضاً، وكان من الطبيعي، أن يقوم المتظاهرون باقتحام سفارة إسرائيل في القاهرة يوم 9 أيلول/سبتمبر 2011، ويخرّبوها، وسط فرحة شعبية، وإدانة رسمية وخارجية مفهومة ومعذورة، المهم أن قضية فلسطين كانت ضمن أسباب الثورة|الانتفاضة 2011.

الآن وقد مرّت ثمانية أعوام على الثورة/الانتفاضة، نجد أن أهدافها كلها لم تتحقّق، ومازالت بعض الأسباب التي أدّت للثورة باقية، صحيح حدثت بالفعل إنجازات منذ سقوط "الإخوان المسلمين يوم 3 تمّوز/يوليو 2013، فقد شهدت مصر استقراراً أمنياً، وشهدت إنجازات أخرى، من إنشاء طرق ومبانٍ ومدن جديدة واستصلاح أراضٍ بما يزيد عن مليون فدّان، ولكن في المقابل خرج كل الفاسدين من نظام "حسني مبارك" من السجون، وصاروا أبرياء، وفي نفس الوقت، زاد الغلاء ويكتوي المواطنون من الحال الاقتصادية، وزادت الفوارق الطبقية، ويتم التضييق على الإعلام بوسائله المختلفة، أي أن العيش أو الخبز مازال مطلوباً، والحرية تضاءلت والعدالة الاجتماعية لم تتحقّق كلّيا، أي أن بذور الثورة مازالت قائمة، ولكن أيضاً لا نعتقد حدوث انتفاضة جديدة، فالمصريون يخافون الفوضى من جديد، بعد أن رأوا مصير دول أخرى هاجمها الإرهاب العالمي المدعوم بالغرب الصهيوني، وبعد أن ثبت لديهم أن الربيع العربي، ما هو إلا خريف صهيوني أميركي، حمى الله مصر وكل العرب والمسلمين..


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً