"نارٌ حيّة": زخم الحياة التي لا نعرفها لـميلينا يسنسكا

يعرف معظمنا ميلينا من رسائل كافكا إليها، لكن الواضح أن هذه الرسائل كانت "نعمة ونقمة" عليها، إذ تم اختزالها بسببها إلى مجرد "شخصية مصطنعة في رواية مراسلات".

  • "نارٌ حيّة": زخم الحياة التي لا نعرفها لـميلينا يسنسكا

"ثمة طريقتان للعيش"، تقول ميلينا يسنسكا، :"إما أن يقبل المرء بمصيره، أو أن يسعى خلف مصيره؛ لكن هذا السعي يكلّف الكثير من الوقت والطاقة، وهو يأتي غالباً على حساب الحياة".

كتاب "نارٌ حية: قصة حب ميلينا يسنسكا" الصادر عن دار الرافدين عام 2019 بقلم ألويس برينتس، يأتي إلينا هاهنا بعد سنواتٍ من جهلنا بميلينا، ليقول إنها اختارت بالفعل الطريقة الثانية للعيش وإنها دوماً "دفعت الثمن".

 

بدايات

كما معظم البشر، يتضح أن الكثير من شخصية ميلينا، وهي من مواليد براغ عام 1896، أتى بتأثير شخصيتي أبويها، والكيفية التي تعاملا معها بها. عقد الطبيب المعروف يان يسنسكي كلّ آماله على ابنته الوحيدة، التي جعلها موت أخيها "تحمل عبء كل التوقعات الأبوية وحدها". لقد أراد لميلينا أن "تتبع خطاه في دراسة الطب"، ومارس لأجل ذلك قدراً من القساوة، في زمن كانت فيه معظم المدراس تحاول فقط صنع "دمى لطيفة للعرض"، على شكل زوجات وأمهات مزيّنات ببعض الثقافة. شكلت مدرسة مينرفا التي التحقت بها ميلينا معلماً بارزاً في مجال تحرير المرأة وعلامةً سياسية مهمة، الأمر الذي سيترك أبلغ الأثر في شخصية ميلينا.

عاشت ميلينا التي يعني اسمها "الحبيبة" أو "المحبّة" في جو أسري يكاد يخلو من الحب. زوجة كثيرة المرض، وزوج كثير الطموح شكّلا والدين غير متقاربين لدرجة وصلت إلى النفور. "كان والدا ميلينا يحبانها، ولكن بطرق مختلفة. كانت تعيش مع أمها في جو من الهدوء والحميمية، بينما كان الأب يتدخل أحياناً لتربيتها". وكانت "الطفلة ميلينا تخشى من هذا الرجل العظيم"، تقول سيرة حياتها، وإن تكن تلك الخشية لم تغيّر الكثير ولم تحدّ من جموح ميلينا.

أظهرت ميلينا الطفلة اختلافاً منذ البدء وبدا واضحاً أنها أكثر ميلاً للحكائي والسحري منها للواقعي؛ بدلاً عن الدمى فضّلت اللعب بحبوب الفاصولياء والكريات الزجاجية، ربما لتتحايل على الواقعي وتهرب منه. 

صحيح أن ميلينا أصبحت بفضل والدها "صلبة للغاية"، كما كتبت لاحقاً، لكنها شعرت منذ طفولتها بما أسمته "شوقاً جنونياً للفرار نحو العالم"، نحو "مكان مجهول مدهش وجديد ويقي من الحزن". وهو بديل يمكن القول إنها وجدته في القراءة أول الأمر، والكتابة في وقت لاحق، لاسيما مع تفاقم حاجتها لرفيق بعد موت والدتها. بدأت الشائعات تلاحق ميلينا في وقت مبكر من حياتها، وستجعل منها حتى النهاية شخصاً مثيراً للجدل، على أقل تقدير.

 

ميلينا المتمردة

يمكن القول إن ميلينا منذ يفاعتها خاضت حروباً عدة، ضد الأب والتقاليد، ضد مخاوفها الخاصة، ومن أجل الحياة، ليضاف إليها لاحقاً الحرب التي زُجَّت فيها بلدها.

بطريقة ما شكّلت تصرفات ميلينا الغريبة تحدياً صريحاً لأبيها، أو تجسيداً لما يسميه المحللون النفسيون "الرغبة بإيذاء الأب". شملت هذه الرغبة، اللاواعية غالباً، المخدرات، السرقة، الديون، إلغاء دراسة الطب، ومصادقة اليهود.
في المقابل، أدت الحرب إلى استيقاظ ضمير ميلينا الاجتماعي، وانتقالها من رومانسية "الشخصيات الروائية" إلى ما اكتشفت أنها كانت عمياء عنه "الأزمات الحقيقية للأحياء". تطور هذا ليجعلها تتقمص بشكل ما شخصية "روبن هود"، وبدأت بسرقة مخازن والدها لإطعام الفقراء وتأمين ما يحتاجونه.

تعرفت في هذه الأثناء على الشاب إرنست بولاك "أديب مقهى، موظف في بنك، ناقد، ويهودي"، الذي أصبح بعد معارضة شديدة من الأب، زوجها الأول. اتخذ حب ميلينا وبولاك شكلين مختلفين، فعلى النقيض من حب بولاك المنطقي والمرتبط بإعجابه بشخصيتها، كان حبها له "عارماً جداً".

وتشير كتابات ميلينا إلى أن الزواج كان غير ناجح منذ البدء، فبالإضافة إلى خيانات بولاك المتكررة، اعتبرت ميلينا أن الوعود التي يقدمها الأزواج غير واقعية في أصلها، وبدلاً عن الوعود بالسعادة، ينبغي الذهاب إلى بساطة وعود أكثر قابلية للتحقق. تحولت ميلينا مع هذا الزواج إلى "زهرة حائط"، ومقابل نفورها ممن سمّتهم "أشباح الرأسماليين"، أُعجبت بالأدباء، لكنها، ورغم ولعها بالقراءة، "لم ترد فقط أن تقرأ عن الحياة، بل أن تعيشها بنفسها".

بتأثير كل هذا، قررت ميلينا أن الوقت قد حان لتستقل وتبدأ بالعمل. بعد مرحلة من حمل حقائب المسافرين، وتدريس اللغة التشيكية، بدأت العمل كمترجمة، وكان كافكا أول من فكرت بترجمة أعماله غالباً بتأثير من إعجاب زوجها بولاك به. كان هذا سبباً لأول رسالة من المراسلات الشهيرة بين ميلينا وكافكا، وإن تكن رسالة مهنية بغرض السماح لها بترجمة قصته "الوقاد" إلى التشيكية.

مع كافكا

يستمر الكتاب بالإشارة إلى كافكا من حين إلى آخر. فلو نظرت ميلينا في يفاعتها عبر نافذة بيتها، لرأت الشاب كافكا مهرولاً إلى عمله، ومن مطبخ شقة بولاك كان من الممكن رؤية أعلى قلعة براغ، حيث يقضي كافكا معظم وقته. كذلك كان كافكا من الكتاب المفضلين لبولاك وقد ساهم في لفت الانتباه إليه. لكن وقتاً سيمرّ قبل أن تلتقي ميلينا بكافكا في أحد مقاهي براغ، بشكل عابر لدرجة أن وجهها لم يعلق بذاكرته.

بعد ترجمتها لقصة كافكا، بدأت مراسلاتهما المليئة بالدفء واستمرت لوقت طويل. اعتقد كافكا أن ميلينا تشجعت لفعل ما فشل هو بالقيام به، التمرد والاستقلال والسفر، لكنه وجدها "عاقلة بشكل مخيف". وكتب إلى صديقه ماكس برود عن ميلينا أنها "نار حيّة...حساسة للغاية، جريئة وذكية". في المقابل، ميلينا التي أحبت أن تنادي كافكا "فرانك" لتنفرد بخصوصية معه، وجدت أن رسائله "مدروسة جيداً" عكس التلقائية التي ميّزت رسائلها.

من الواضح إذاً أن ميلينا وكافكا تعاملا مع فكرة الرسائل بشكل مختلف. ففي حين وجدت ميلينا أن الرسائل "مجرد مرحلة تمهيدية للحياة" وأن "الحياة لساعتين أجدى من كتابة صفحتين" وقامت بدعوة كافكا إلى فيينا، وجد هو أن الرسائل "مخبأ يحميه من الأذى" وأن القرب "مجرد وهم". على الرغم من ذلك، زار كافكا ميلينا في فيينا عام 1919، حيث استطاعت أن تهدئ مخاوفه وتكون "كالمنقذة المأمولة بالنسبة إليه". وكان لقاؤهما بمثابة "عرس سري" تكونت فيه قناعة لدى كافكا أنه لميلينا وأنها له.

مع الوقت، وجدت ميلينا نفسها عالقة بين ثلاثة رجال: زوجها ووالدها وكافكا، وسرعان ما خسر كافكا لصالح الرجلين الآخرين. تردد ميلينا كما اعتقد كافكا جعل شيئاً بينهما ينكسر، مما جعله ينسحب ببطء ويطلب إليها أن تتوقف عن مراسلته لأن تلك الرسائل صارت له "مصدر كل التعاسة". اشتد المرض بكافكا بعد ذلك، ولم يعش طويلاً، وكتبت ميلينا، في وقت لاحق، أنها كانت بجانبه عندما كان يحتضر عام 1924، لكن لم يكن ذلك مؤكداً. الأكيد فقط أنه التقاها مرة أخيرة في منزل والديه، وأعطاها مذكراته على سبيل الوداع وكنوع من "تسليم نفسه إليها"، هي التي وجدت فيه "رفيق الروح".

يتضح هاهنا أن التحميل الذي تم إضفاؤه على هذه المراسلات هو في الواقع أكثر مما يجب. صحيح أن كافكا وميلينا كانا "ندّين ذهنياً ووجودياً"، لكنهما في العمق كانا شديدي الاختلاف وأرادا أشياء مختلفة. كانت ميلينا "امرأة حسية حيوية" وكان لارتباطها بكافكا أن "يقمع جوانب جوهرية في شخصيتها".  

نُشرت رسائل كافكا إلى ميلينا في ألمانيا عام 1952، ولم يتم بيع أي نسخة منها في ذلك الحين. أما رسائلها له فقد فُقدت بطريقة ما، ويمكن فقط استنتاج فحواها من ردود كافكا.

 

الشخصية التي لم تقف عند حد

على الرغم من أن ميلينا لم تكن يوماً "سياسية" بالمعنى الدقيق للكلمة، من الواضح أنها لم تكن بمنأى عن السياسة. لقد تأثرت بالظلم وانتصرت للجياع، وإن تكن قد صارت منهم في بعض مراحل حياتها. كذلك كانت بالنسبة إلى قارئاتها "مثلاً أعلى للتحرر"، رغم أنها كانت محافظة في بعض آرائها.

أصبحت شقة ميلينا في براغ أشبه بصالون أدبي يلتقي فيه الأدباء والفنانون والصحافيون. وفي ذلك الوقت، برز اليسار بوصفه مرادفاً للتقدم والتحرر من القيود والبحث عن عالم أفضل وبدا أن ميلينا تميل نحو الأفكار الاشتراكية، الأمر الذي تسبّب بفصلها من عملها.

تعرفت ميلينا عام 1926 على المهندس اليساري الشاب يارومير كريتسار وسرعان ما عمّق تشابهما العلاقة بينهما، ليتزوجا بعد ذلك بسبب اعتقاد ميلينا أن هذا الزواج سيحقق لها ما أراداته دوماً "أن تظل مستقلة ويكون لديها عائلة وأطفال"، وشعرت به "كمنقذ". هكذا، أنجبت ميلينا طفلتها الوحيدة "يانا" أو "هونزا" كما ناداها الجميع. لكنه حلم سرعان ما تصدع بآلام شديدة (أصبحت ميلينا منذ عام 1928 عرجاء بسبب تخثر في الركبة) ثم مُنيت بفشل مهني وبدأت مقالاتها تصبح أكثر تطرفاً فيما يخص المواضيع الاجتماعية والسياسية ولا سيما مع التداعيات التي نجمت عن بداية البطش الفاشي. 

 

الأم ميلينا

ميلينا التي أسماها كافكا "الأم ميلينا" لأنه "استهلك من قوتها في الأوقات السيئة"، كانت بالفعل أماً مساندة لجميع من عرفوها. وبالإضافة إلى جميع الفقراء الذين ساعدتهم مادياً، قدمت ميلينا العون لمن احتاجه، وانجذب إليها كل الذين يبحثون عمّن يفهمهم ويساندهم. صار بيتها لاحقاً ملجأً للهاربين من النازية من يهود وجنود تشيكيين، وغيرهم من المطاردين سياسياً. في المقابل، كثيراً ما شعرت ميلينا أنها وحيدة وأن الكثيرين من رفاقها تخلّوا عنها، ومراراً وضعت كلمة "الرفيق"، بمعنييها، على المحك. كذلك غادرها الرجال واحداً تلو الآخر، وبدا أن مصيرها، حسب قولها، ارتبط دوماً "برجال ضعفاء لم يحتملوا وجود امرأة قوية ومستقلة بجانبهم".

 

نهاية الحياة الصاخبة

انتشر اليأس في براغ، بعد أن خانها الحلفاء، وتقرر ضمّها إلى الرايخ الألماني. اعتبرت ميلينا أن "السياسة مهمة لحياة البشر تماماً كالحب"، وناشدت أبناء بلدها بالقول "يجب علينا أن نحيا". ميلينا التي عُرفت بأنها "تسلب العقول بجاذبيتها وفصاحتها"، بدأت بكتابة مقالات ذكية لم يمكن تحديد اتجاهها الحقيقي؛ هل كانت "معجبة بالنازيين أو تكرههم أو تسخر منهم"؟. لكنها مواربة سرعان ما انكشفت ووجدت ميلينا نفسها رهن الاعتقال عام 1939 بتهمة "الخيانة العظمى".

ميلينا التي كثيراً ما اعتمدت على الرسائل لتتواصل مع الآخرين، حاولت قهر زنزانتها بكتابة الرسائل المتفائلة إلى والدها وابنتها، لكنه تفاؤل انهار سريعاً أمام استمرار اعتقالها وتدهور صحتها. رجت ميلينا والدها في إحدى الرسائل "أن يحرص ألا تتوقف الساعة المعلقة فوق سريرها"، في إشارة رمزية واضحة لرغبتها بالصمود. لكن قوتها تلاشت مع الوقت وكتبت إلى والدها تقول: "أعتقد، إن عدت حرة من جديد، فلن أحتمل كل تلك السعادة مطلقاً"، وهو بأية حال ما لم يحدث. ماتت ميلينا في سجنها يوم السابع عشر من أيار / مايو عام 1944.

 

اختزال مجحف

يعرف معظمنا ميلينا من رسائل كافكا إليها، لكن الواضح أن هذه الرسائل كانت "نعمة ونقمة" عليها، إذ تم اختزالها بسببها إلى مجرد "شخصية مصطنعة في رواية مراسلات". هكذا ظلت ميلينا، مثل معظم اللواتي ارتبطن برجال مشهورين، متوارية في ظل كافكا إلى أن صدر هذا الكتاب. قرر مؤلف هذه السيرة ألويس برينتس أوائل ثمانينيات القرن العشرين أن يجمع ما يمكن من وثائق حول حياة ميلينا يسنسكا ليكشف لنا عن حياة مليئة بالزخم لم تشكل قصة كافكا فيها سوى حلقة قصيرة.
عام 1995، كُرّمت ميلينا وعدّت من "الصالحين بين الأمم"، وقال عنها صديقها يواخيم تسدفيتس أنها "أرحم وأعظم شخص التقيت به"، وهو ما تبيّناه، بالكثير من الأمثلة، في هذا الكتاب.