مبادئ "حرب العصابات" بحسب تشي غيفارا

سيجد الثوار أنفسهم بعد الفوز بالسلطة في مقابل الكثير من الأعداء والمنافسين، أول تلك القوى، هي الرأي العام العالمي، حيث ستلجأ الصحافة ووكالات الأنباء في الدول الإمبريالية المتواطئة مع النظام البائد، إلى الهجوم بشكل مكثّف على الثورة.

كتاب "حرب العصابات" لتشي غيفارا

 مؤلف هذا الكتاب هو المناضل الثوري الأرجنتيني الأصل ارنستو تشي غيفارا، الذي اشترك في قيادة عدد من الثورات في أميركا الجنوبية، وساهم في الدعوة للتحرر من الاستعمار الغربي والمناداة بمعاداة الإمبريالية الأميركية، وظل في طريقه الثوري حتى تم إعدامه في بوليفيا في التاسع من تشرين الأول أكتوبر عام 1967، أي قبل خمسين عاماً من اليوم.

يُعتبر كتاب حرب الغوار، أو حرب العصابات، دليلاً ومرشداً نظرياً وعملياً للحركات الثورية التي اندلعت في أنحاء متفرقة من أميركا الجنوبية وأسيا وأفريقيا في النصف الأول من القرن العشرين.

تتمثل أهمية هذا الكتاب، في كون مؤلفه قد ضمن فيه، تجربته التي عايشها خلال الثورة الكوبية، ومن ثم فقد تطرق للكثير من النقاط المهمة، مثل الطريقة التي يجب أن تُدار بها حرب العصابات، ووسائل التحشيد وتنظيم جموع الثوار والمناضلين، والخطوات الرئيسة في بناء الهيكل التنظيمي للثورة، وأخيراً كيفية حفاظ الثوار على مكتسباتهم بعد نجاحهم في الوصول للسلطة.

 

المبادئ العامة لحرب العصابات

في القسم الأول من كتابه، يتعرض غيفارا لما يعتبرها المبادئ العامة لحرب العصابات، فيبدأ بتناول جوهر الحرب الكوبية التي يعتبرها المُلهم الأكثر قوة وتأثيراً في ثورات استقلال وتحرر شعوب أميركا الجنوبية من نير الاستعمار والطغيان.

يرى غيفارا أن الحرب الكوبية، قد أثبتت صحة ثلاثة مبادئ جديدة في ميادين الحرب والقتال، وهي على التوالي: إمكانية تغلب القوى الشعبية على الجيوش النظامية، وعدم الحاجة لانتظار تجمع كل الظروف الثورية المناسبة والإسراع بالبدء في الثورة، واتخاذ الريف كميدان للحراك الثوري ومن ثم الانتشار في المدن والمناطق الأكثر مدنية وتحضراً.

يراهن غيفارا على اختيار لحظة بعينها للإعلان عن الثورة، وهي تلك اللحظة التي يعتقد أن الشعب يصل فيها إلى شعور عام بالاستياء من السلطة الحاكمة، فهو يؤكد أن إعلان الثورة في تلك اللحظة، سوف يستتبعه اشتعالها في مناطق متفرقة وبشكل انفجاري لا يمكن تخيّله أو الوقوف ضده.

وينبّه غيفارا على أن أكبر الأخطاء التي يقع فيها ثوار أوروبا، أنهم يوجّهون خطابهم للمثقفين وأبناء الطبقة المتعلّمة، متناسين أن الحراك الثوري الحقيقي إنما يقع بيد الطبقة الدنيا، والتي مثّلها في الحالة الكوبية، مئات الآلاف من الفلاحين والمزارعين والعمال والمهمشين الذين أحسوا بظلم النظام الحاكم بشكل أكبر من غيرهم.

ويعمل غيفارا على تفسير الأسباب التي ينبني على أساسها الكفاح الشعبي المسلح، فيبدأ بالتأكيد على ضرورة تواجد موافقة شعبية جماهيرية في المنطقة التي ينطلق منها النضال، كما أنه مطلوب من المجموعة المقاتلة، التمسك بصفات التماسك واحترام القائد والشجاعة والمعرفة الطوبوغرافية بساحات القتال.

ويشرح الثائر الأرجنتيني، أهمية تلك النقطة بقوله "ينبغي الضرب باستمرار، يجب عدم ترك جندي العدو يغمض جفنه في منطقة العمليات، يجب مهاجمة المخافر وتصفيتها بطريقة منهجية، يجب إعطاء العدو الانطباع بأنه مطوَّق في كل لحظة، ويتم ذلك نهاراً في الأرض الوعرة الشَجِرة، وليلاً في الأرض المنبسطة أو سهلة المسلك للدوريات. يقتضي كل ذلك تعاون السكان تعاوناً كلياً، كما يقتضي معرفة كاملة بالأرض".

ولكن غيفارا يستدرك بسرعة، ليطرح سؤالاً في منتهى الأهمية، ألا وهو، من أجل ماذا يناضل المغاور؟

ويجيب على ذلك، بقوله "إن المغاور مصلح اجتماعي، وأنه يحمل السلاح استجابة لاستنكار الشعب الكامن ضد مضطهِديه، وأنه يقاتل لتغيير النظام الاجتماعي الذي يبقي على إخوته العزَّل في الهوان والباس، إنه يهاجم المؤسسات الخاصة بعصر معيّن، لكي يحطم بنيانها، بكل ما تتيح له الظروف من قوة... إن المغاور هو قبل كل شيء ثائر زراعي، إنه يترجم رغبة جماهير الفلاحين الكبرى في امتلاك الأرض، امتلاك وسائل إنتاجهم ودوابهم وكل ما رغبوا فيه سنوات طوالاً".

 


أنماط حرب العصابات

 

يفرّق غيفارا ما بين نمطين مختلفين من حرب العصابات، النمط الأول وهو الذي يدخل فيه الثوار ميدان النضال والكفاح، إلى جوار جيش نظامي، ويضرب مثالاً على ذلك، بنضال الأنصار الأوكرانيين في الاتحاد السوفياتي. أما النمط الثاني فهو النمط الذي يهتم غيفارا بتحليله وشرحه من خلال الكتاب، فهو النمط الذي يشهد حالة تقدم جماعة مسلحة ثورية ضد السلطة القائمة، سواء كانت تلك السلطة استعمارية أم لا، وهو النمط الذي تنتمي إليه الحالة الكوبية، والكثير من الحركات المشابهة في أميركا الجنوبية.

ويشدد غيفارا على أن الهجوم الخاطف والمفاجئ، يعتبر واحداً من أهم التكتيكات التي ينبغي أن يستخدمها الثوار في حروبهم، "إنهم يصفون عمل المغاور ذمَّاً بقولهم: "عضّ واهرب"، وهو صحيح. عض واهرب، تريَّث، ارقب، عُدْ ثانية عضّ واهرب مرة أخرى وهكذا دواليك، دون أن تترك للعدو راحة".

 

ولكن هل تكفي تلك التكتيكات لإنجاح مهمة الثوار؟

يجاوب غيفارا على ذلك التساؤل بالنفي، حيث يؤكد على أن الحرب السريعة الخاطفة لا تعدو أن تكون مجرد طور واحد في أطوار الكفاح الطويل المدى، وأن هذا الطور لا يستطيع أن يوصل الثوار إلى النصر النهائي، بل إن وظيفته الرئيسة تتمثل في الإسهام بتطوير الثوار، ليتحولوا من مجرد عصابة مسلحة إلى جيش نظامي قوي ومرتب.

ولعل من الأمور التي تستدعي انتباهنا ونحن نقرأ كتاب غيفارا، أنه قد شدد في الكثير من المناسبات على ضرورة الحفاظ على حياة كل مقاتل في الجيش الثوري، فلم يدعُ إلى العمليات الانتحارية أو التي تستدعي قدراً كبيراً من المجازفة أو المخاطرة، وهو الأمر الذي نلمسه بشكل واضح في التشكيلات العسكرية القائمة على أسس دينية أو عقائدية.

ومما يثبت ذلك قوله: "ومثلما ينبغي في الحرب الحديثة، ألا يموت اللواء قائد فرقة على رأس جنوده، ينبغي كذلك للمغاور الذي هو لواء نفسه، أن يصون حياته. إنه مستعد لعطائها، غير أن الوجه الإيجابي من حرب الغوار هو بالدقة أن كل مغاور مستعد للموت ليس دفاعاً عن مثل أعلى، بل لتحويل المثل الأعلى إلى حقيقة. هذه هي قاعدة نضال الغوار وعين جوهره".

ويذكر غيفارا أيضاً عدداً من التكتيكات غير القتالية، التي من شأنها المساهمة إيجابياً في إنجاح عمل الثوار العسكري، منها الاستعانة بجماعات صناعية أو زراعية أو تجارية متجانسة، حيث من الممكن أن تُسهم تلك الجماعات في الكثير من الأضرار بالعدو، وأن تساعد في إحداث إضراب جزئي أو كلّي، مما قد يتسبب في تحشيد السكان وزيادة نقمتهم على السلطة والمسارعة في مشاركتهم بالعمل الثوري وانضمامهم بسرعة وبكثافة إلى صفوف المناضلين.

ويلفت غيفارا أنظار الثوار، إلى مسألتين في غاية الخطورة والأهمية، وقد تبدوان متعارضتين في الوهلة الأولى، وهما أنه ينبغي أن يعمل الثوار بقدر طاقتهم على تأسيس خلايا ثورية جديدة، وأن يتم الدفع بتلك الخلايا على أطراف المناطق الواقعة في حيازتهم وسلطتهم، بحيث يتم استثمار الجهود الفتية في توسيع رقعة الثورة ككل. أما النقطة الثانية فهي أنه يجب الحفاظ بقدر الإمكان على المكان الذي انطلقت منه الشرارة الأولى للدعوة الثورية، وعدم التوسع الجغرافي إلا بخطى بطيئة متمهلة بحيث لا تتواجد الثورة إلا في المناطق التي تنتشر فيها الأفكار الثورية بشكل كبير.

وربما يتضح ما يقصده غيفارا، في قوله: "ويأتي وقت تصبح فيه الأرض التي تحتلها الأرتال المختلفة أصغر من أن تستوعبها، في حين تُوجّه هذه الأرتال قوى عاتية إبان تقدمها نحو المناطق التي يقبض عليها العدو قبضاً شديداً. في هذه الحالة، تتألب الأرتال، وتكافح في جبهة متراصة، فإذا بها حرب تحاصن، حرب جيوش نظامية، غير أن جيش الغوار القديم لا يستطيع الانفصال عن مأرِزه. ينبغي عندئذ تشكيل أرتال غوارية جديدة وراء خطوط العدو، تنهج مثل سابقتها وتتوغل شيئاً فشيئاً في هذه المنطقة الجديدة حتى تسيطر عليها".

ولكن ماذا بعد أن تنجح حرب الغوار في الريف، ويصبح الثوار ملزمين بالتوسع في المناطق المدنية، هل يجب أن يتبعوا نفس التكتيكات والخطط؟

يجاوب الثائر الأرجنتيني الأشهر بقوله، إنه في تلك الحالة يلزم أن تُزوّد الكتائب الثورية ببعض التنظيمات الخاصة، حتى لا تؤول في نهايتها إلى الفشل الذريع. ويعلل ذلك بأن الغوارة لا يمكن أن تنشأ عفوياً في منطقة مدنية، وإنها لن تقوم إلا بعد أن تتضافر بعض الشروط الضرورية لوجودها، فالمدن -بحسب ما يرى غيفارا-هي أرض تبلغ مبلغاً استثنائياً من المجافاة للثورة، وذلك لأن العدو في تلك الأرض يستفيد بكل أشكال السلطة المركزية، فيكون بالغ اليقظة وتزداد إمكانياته وقدرته في الرقابة والتنكيل بخصومه بشكل كبير.

أما فيما يخص تنظيم جيش المقاتلين الثوار، فينبّه غيفارا إلى ضرورة الابتعاد عن المخططات الجامدة الصلبة، وذلك لأن البيئة الخاصة بكل منطقة أو مكان تفرض شكلاً معيّناً من أشكال التنظيم، وينبغي على الثوار أن يتحلّوا بالمرونة المناسبة للتماشي مع الظروف المحيطة بهم.

مثلاً بالنسبة للعمليات القتالية التي تحدث في الريف، يرى غيفارا أن العدد المناسب للقتال يجب ألا يزيد بأي حال من الأحوال، عن 150 مقاتلاً، ومن المستحسن أن يكون 100 مقاتل فقط. أما في المدن والمناطق الحضارية، فتكون القوة المقاتلة في حدود 4 أو 5 أشخاص فقط.

 


التموين والإمدادات

 

بعد ذلك ينتقل الثائر الأرجنتيني، إلى نقطة مهمة جداً، ألا وهي تموين الجيش المقاتل، فيقول "إن تموين تشكيلة الغوار على نحو صحيح هو أمر جوهري. ينبغي أن تستطيع الجماعة إيجاد أودها من منتجات الأرض، بينما هي تمكَّن الفلاحين الذين يقدمون هذه

المنتجات أن يجدوا أودهم فيها أيضاً. لا يستطيع المغاور، في النضال الشاق الذي

يخوضه – ولا سيما في البدء – أن يُنتج بنفسه أي شيء، خاصة إذا وجد في أرض سالكة لأرتال القمع. وبقدر ما تنمو تشكيلة الغوار، عليها أن توفّر لنفسها منابع تموين بعيدة عن مناطق القتال. تعيش في البدء مما ينتجه الفلاحون فقط. قد تستطيع جلب المِيرة من بعض المراكز، ولكنها لا تستطيع أبداً أن تنشئ شبكات تموينية لأنها تفتقر بعد إلى الأرض التي تقيمها عليها".

ويتطرق غيفارا إلى مسألة أخرى مرتبطة بالإمدادات، وهي كيفية تصرف الثوار في حال زادت أعدادهم عن الأسلحة المتوافرة لديهم، تُرى هل يخاطر الثوار بالنزول إلى ميدان المعركة بغير سلاح مناسب، أم يتوقفون عن المشاركة في المعارك؟

يقترح غيفارا توجهاً وسطياً ما بين الاتجاهين، فيقول: "واذا كان عدد المغاوير المتطوعين يتجاوز عدد الأسلحة، وإذا كانت الظروف السياسية تحول دون نزول هؤلاء الرجال إلى المناطق الخاضعة للعدو، يمكن للجيش الثائر أن يدع رجاله وجميع المجندين فيه يشتغلون الأرض، ويجنون المنتجات التي تضمن التموين. ويملأ المتطوعون بذلك سجلات خدمتهم التي تفيد فيما بعد لترقيتهم إلى صفوف المقاتلين".

 

كيف تشارك المرأة في العمل الثوري؟

 لا ينسى الثائر الأرجنتيني في غمرة حديثه عن التنظيمات القتالية، أن يتطرق لدور المرأة في العمل الثوري، فيؤكد على إمكانية مشاركة النساء في القتال جنباً إلى جنب بجوار الرجال، ويقلل من شأن ما يثيره المعترضون على ذلك، من احتمالية وقوع نزاع من النمط الجنسي ما بين الرجال والنساء.

ويشدد غيفارا على أن للنساء أدواراً أخرى غير القتال، منها توصيل الرسائل في مواقع الحرب، أو نقل الأموال، وأنه باستطاعة النساء بما عرفن به من مكر وذكاء فطري وحيلة أن يتوصلن إلى أهدافهن بكل سهولة ومن دون أن تتطرق إليهن شكوك العدو وارتيابه.

ويشجع الثائر الماركسي على زواج الرجال والنساء المتحابين من الثوار، ويرى في ذلك تقوية للصف الثوري كلّه، خصوصاً وأن ذلك الرباط المقدس، من شأنه -بحسب تعبير غيفارا-أن يجنّب الثوار كل أنواع التجاوزات التي قد تفسد أخلاق التشكيلة الثورية.

 

التخريب: السلاح الأكثر قوة في يد الثوار

يرى غيفارا أن التخريب واحد من أهم الأسلحة التي من الممكن أن يلجأ إليها الثوار للنكاية في العدو المتسلط.

ويفرّق غيفارا ما بين التخريب والإرهاب، فيقول: "التخريب يختلف اختلافاً مطلقاً عن الإرهاب، نحن على يقين صادق من أن الإرهاب سلاح سلبي لا يعطي الآثار المرغوبة أبداً، ويمكن أن يُبعد الشعب عن حركة ثورية، في حين يتسبب لدى ممارسيه بخسائر بشرية لا تتناسب مع النتائج الحاصلة. غير أنه يمكن اللجوء، بالمقابل، إلى اغتيالات فردية، ولكن في بضع حالات خاصة جداً، مثلاً لإزالة أحد رؤساء القمع. ولكنه لا يجوز في أية حال استخدام عتاد بشري متخصص لإزالة قاتل صغير يمكن أن يتسبب موته في القضاء على كل العناصر الثوريين الذين اشتركوا في مقتله، بالإضافة إلى ضحايا الانتقام اللاحق".

ويفرّق غيفارا ما بين نوعين متمايزين من التخريب، الأول يكون تدمير لأهداف استراتيجية معيّنة، مثل المواصلات وأعمدة البرق والهاتف والجسور وخطوط السكك الحديدية والطرق. أما النوع الثاني فهو تدمير الأهداف العسكرية الخاصة بالعدو، والتي تقع على مقربة من خطوط القتال، وهو ما يساعد في إضعاف قدرة الأعداء في المواجهات المباشرة بعد ذلك.

 


الدعاية: الطريق الأمثل لنشر الفكر الثوري

 

كيف يتوسع نطاق الثورة؟ وكيف ينضم الكثير من الأفراد إلى الكفاح المسلح؟

يعتقد غيفارا أن الدعاية هي الطريق الأفضل لتحقيق تلك الغايات، حيث يجب القيام ببث الأفكار الثورية بالوسائل الملائمة وعلى أعمق نحو ممكن ويتطلب ذلك إسهام فريق كامل من المتعاملين، وإسهام منظمة تعضدهم وتساندهم في ذلك.

ويرى غيفارا أن الدعاية الشفهية هي أعظم أنواع الدعاية على الإطلاق، فهي تنتشر بسرعة بين أوساط السكان، ولا سيما الفلاحون والعمال وأبناء الطبقات الدنيا. ومن هنا فإن غيفارا يؤكد على أهمية امتلاك تقنية النقل الإذاعي اللاسلكي ومحطات الراديو.

ويرى غيفارا أن التثقيف السياسي لقواعد الثوار، من الأمور التي لا سبيل للاستغناء عنها في العمل النضالي، فيقول: "لا يجوز أبداً أن تُهمل مدرسة المجنّدين التثقيف السياسي، لأن أولئك الرجال يتطوعون من دون أن يكون لهم مفهوم واضح عن الأسباب التي تدفعهم. إنهم يفتقرون إلى الأسس، ويصلون إلينا بمفاهيم مشوشة جداً عن الحرية، وحرية الصحافة... إلخ. يجب السير بهذا التثقيف إلى أبعد حد وبأعظم عناية ممكنة. ويشتمل على مفاهيم ابتدائية عن تاريخ البلد، مع إعطاء تفسيرات واضحة جداً للوقائع الاقتصادية، تلك الوقائع التي هي منطلق كل حادثة تاريخية. ويتضمن الحديث عن أبطال الوطن".

 

ولكن ماذا بعد الانتصار؟

يؤكد غيفارا على أنه لا يمكن للثوار أن ينجحوا في تدمير القوات النظامية للسلطة البائدة بشكل كامل، ومن ثم فإنه ينبغي تصفية جميع المؤسسات التي كانت تحمي هذا النظام على نحو منهجي.

سيجد الثوار أنفسهم بعد الفوز بالسلطة في مقابل الكثير من الأعداء والمنافسين، أول تلك القوى، هي الرأي العام العالمي، حيث ستلجأ الصحافة ووكالات الأنباء في الدول الإمبريالية المتواطئة مع النظام البائد، إلى الهجوم بشكل مكثّف على الثورة. وكذلك ستُعلن بعض القيادات العسكرية القديمة تذمرها واعتراضها على الوضع الجديد الذي ينتقص من صلاحياتهم ومواردهم المالية وسلطتهم.

يدعو غيفارا إلى تأسيس جهاز إعلامي مناهض للدعاية الغربية، كما يدعو للقضاء التام على التنظيمات القديمة للجيش، وعزل قياداته والمراكز الكبرى فيه، وإحلال وجوه ثورية بديلة، بحيث يتم الاستعداد لمواجهات عسكرية حربية كبرى في المستقبل القريب.