البراغماتية في تحليل الخطاب السياسي

حسناً فعل الشاعر محمود درويش، عندما أعلن في كلمة له خلال تسلمه إحدى الجوائز الأدبية، أن الشعرَ طرسٌ شفاف، و"كتابة على كتابة"، وأن الشاعر يوقع اسمه على نص كتبه آلاف الشعراء والكتاب قبله.

كتاب "البراغماتية (القولفعلية) في تحليل أفعال الخطاب السياسي"

وحسناً فعل الكاتب والإعلامي سامي كليب في كتابه الصادر حديثاً في بيروت بعنوان /البراغماتبة (القولفعلية) في تحليل أفعال الخطاب السياسي/ الذي يوقع اسمه على قراءة معمقة مرت على مفكرين وكتاب ومحللين ونقاد وعلماء وفلاسفة لهم إسهامهم في القول والفعل السياسي حول العام، قديمه وحديثه. وقد أجمل الكاتب نظريات لم تكن معلومة كثيراً لدى المتلقي باللغة العربية، وربط فيما بينها وقارب من خلالها الفعل السياسي بتدقيق الأكاديمي ومهارة ودينامية الإعلامي، لينتج نصاً على قدر كبير من الأهمية لـلمحلل السياسي والكاتب والناقد، يساعدهم/هن في تعرُّف أو تبيّن سبل قراءة وتحليل وإنتاج الخطاب.

يتناول الكتاب فهم الخطاب السياسي عبر مناهج التحليل المختلفة، تاريخياً وحاصراً، عارضاً لمناهج الخطاب السياسي، وأنواع تحليله قبل ظهور أفعال الكلام، والمؤثرات الاجتماعية والأيديولوجية والنفسية، والمسكوت عنه، وبيئة الخطاب، والعلاقة ما بين المُرسِل والمتلقي، والبراغماتية ما بين أفعال الكلام والخطاب السياسي، والخبر والإنشاء، وشرعية إنتاج فعل الكلام ومؤثراته وغيرها من المفردات ذات الصلة.

لا توجد سياسة بلا خطاب، ولا خطاب بلا سياسة، فكيف السبيل إلى تحليل الخطاب والمقاصد الكامنة فيه، وما هي الحصيلة المعرفية في هذا الباب، وكيف يمكن أن تكون اللغة والتحليل اللغوي مدخلاً لفهم السياسات وأولويات الخطاب السياسي؟

على الرغم من اهتمام العرب بالبلاغة والخطاب، إلا أنهم لم يهتموا بوضع طريقة لتحليل الخطاب السياسي، إلا في فترة متأخرة، ص28. والواقع أنهم إنما استعاروا مناهج القراءة والتحليل من الغرب، ولم تظهر لديهم اجتهادات كثيرة في محاولة "تبيئة" تلك المناهج أو استنباط أو تخليق مناهج عربية بالاستناد إلى المخزون الثقافي والتاريخي وارتباطاً بالواقع الإقليمي. ويعيد الكاتب تلك الظاهرة إلى عوامل عديدة، مُركِّزاً على المخاوف و"التابوات" في كل ما يتصل بالسياسة في عالمنا العربي والمشرقي.

غير أن ذلك لم يمنع كتاباً عديدين –يعرض الكتاب لجهود عدد منهم- ولا الكاتب نفسه من أن يقوم بمحاولة جادة بهذا الخصوص، والواقع أنه باشر هدفه معتمداً على تجربة كبيرة في الكتابة السياسية والنقد والتحليل، وقد تكون عوائق تطور اهتمام عربي أو مشرقي بمناهج تحليل الخطاب، وفي مقدمها العوامل السياسية، هي نفسها ما حفّز الكاتب على بذل جهد خاص ومتميز في هذا الباب.

رأى ميشيل فوكو أن تحليل الخطاب يعني "السيطرة على العبارة المنطوقة في السياق الضيق والفريد لحدوثها، وتحديد شروط وجودها، وتثبيت الحدود، وترابطها مع العبارات المنطوقة الأخرى". ص 32.

وقد مر تحليل الخطاب في مراحل مختلفة، ولا يبدو أنه "علم مؤسس" بعينه، و"إنما نتج من تداخل تطوري من الحركات إلى الفرضيات المختلفة" منذ ستينيات القرن العشرين في أوروبا والولايات المتحدة. ص 32-33.

يقول نورمان فاركلوف "إن تحليل النص هو جزء أساسي من تحليل الخطاب، لكن تحليل الخطاب لا يقتصر على التحليل اللساني للنصوص، أرى أن تحليل الخطاب يترجَّح ما بين التركيز على نصوص معينة والتركيز على ما أسميه نطاق الخطاب أي البناء الثابت نسبياً للغة، والذي يشكل مكوناً في بناء الممارسات الاجتماعية والشبكة التي تؤلفها ...". ص 35.

ترك المفكرون الفرنسيون من أمثال بارت وفوكو وكلود ليفي شتروس وجاك لاكان وغيرهم أثراً كبيراً في تحليل الخطاب وتناولت إسهاماتهم موضوعات اللغة والخطاب والنص والشفاهية والكتابية والسياق والتلقي الخ. وقد ركز فوكو على أن السلطة تصنع الخطاب من خلال تحكّمها بالعلوم والتدريس الخ. وهكذا فإن "الخطاب ينقل السلطة وينتجها، يقويها، ولكنه أيضاً يلغمها، يفجرها، يجعلها هزيلة، ويسمح بإلغائها"، بحسب فوكو، ص 38.

والآن، كيف يمكن معرفة مقاصد الخطاب، ومخاطره، وأنماط تلقيه، والمسكوت عنه فيه، وما يجعله ناجحاً أو فاشلاً؟ ص38 على تعدد مناهج ومداخل واجتهادات تحليل الخطاب ثمة تركيز على ضرورة الحاجة لمناهج مركبة أو متداخلة أو متضافرة في التحليل، ص51، إذ لابد من "تنويع زوايا المقاربة والاعتماد على معدات تحليلية من مصادر مختلفة"، ص 52، من قبيل: التحليل الكمي، والنوعي، واللساني، والبنيوي، والنفسي، والنفسي-الاجتماعي، والانثروبولوجي، الخ وفي كل منها مدارس ونظريات ومقاربات مختلفة.

يقدم الكاتب تعريفه لتحليل الخطاب على النحو التالي: "هو تفكيك الخطاب إلى كلمات وجمل ومقاطع، وتحليلها أولاً عبر المضمون واللغة والأسلوب والبلاغة؛ ثانياً من خلال المؤثرات الاجتماعية والنفسية والثقافية والبيئية والفكرية؛ ثالثاً من ناحية العلاقة ما بين الخطيب والمخاطب؛ رابعاً من زاوية الأبعاد الزمانية والمكانية، وذلك بغية استخلاص أفعال الخطاب التي يراد لها أن تخدم مقاصد الخطيب. ويتطلب هذا العمل/التفكيك وعدم اقتصار التحليل على الملفوظ والجمل وإنما تحليل ما يتخطى الجمل والملفوظات". ص 53.

يفرد الكاتب حيزاً كبيراً لمناهج تحليل الخطاب والعوامل المؤثرة فيه، ويسرد أمثله عن تأثير السياق، المكان والزمان، ونمط الكلام، ومستوى المخاطِب وطبيعته، وطبيعة المخاطَب، ووسائل التواصل، والموروث الثقافي، وأنماط التفكير؛ ويحلل أنماط المسكوت عنه في الخطاب، وأنماط الصمت، التي نذكر منها: الصمت المتعمد، والتحاوري، والشاجب، والخائف، الخ ص  72- 76، ثم "المضمر" في الخطاب، ص77، والدعاية السياسية، التي يغوص في دينامياتها وأنماطها وتجلّياتها وتأثيراتها في عالم السياسة، ص78-111، ويسرد أمثلة وشروحات كثيرة في هذا الباب.

يتناول الكتاب مفردة مفتاحية في عنوانه وموضوعه وهي البراغماتية، وعلى الرغم من أن الكتّاب يميز بين ما يعنيه بها هنا، وبين نمط آخر من البراغماتية وهي تلك المعروفة عربياً بـ"الذرائعية" أو "النفعية". وأما ما يعنيه الكاتب كليب بـ"البرغماتية" هنا فهو كون الكلام أو الخطاب "ملفوظات تحمل في طياتها أفعالاً أو تنتج أفعالاً"، ص 117. وهذا ما يعمقه الكاتب بأمثلة تطبيقية عن الخطاب السياسي للرئيس السوري بشار الأسد وآخرين خلال سنوات الأزمة التي تعصف بسوريا والمنطقة، ص 139، وذلك أن "اللغة ليست أداة أو وسيلة للتخاطب والتفاهم والتواصل فحسب، وإنما اللغة وسيلتها للتأثير في العالم وتغيير السلوك الإنساني من خلال مواقف كلية" أيضاً، بتعبير أوستن، ص 140.

تحدث جون سيرل عن أنماط خمسة لفعل الكلام هي: الفعل التمثيلي، والتوجيهي، والإلزامي، والتعبيري، والإعلاني، ص 150، فيما يشير جاك دريدا إلى أخطاء في ذلك، حيث يرى أن "كل العلامات، بما في ذلك أفعال الكلام القابلة للتكرار أو الاقتباس، كان من الممكن اقتباسها خارج سياقها بل اقتباسها على نحو خاطئ، وبالتالي فإن أفعال الكلام شيء يستحيل معرفته والجزم به .."، ص 152.

يختم الكاتب بالقول إن نظرية أفعال الخطاب تُقدِّمُ "نموذجاً مهماً ومفيداً جداً لرصد مقاصد الخطاب السياسي، ص 251، من خلال الاستعانة بتراكم معرفي ومفاهيمي كبير لعلماء وفلاسفة في العلوم المختلفة، وخاصة اللغويات والتفكيك والنقد والابستمولوجيا والسياسة.

يتضمن الكتاب جهداً نظرياً كبيراً تعاطت معه خبرة كتابية وإعلامية مديدة، وتجربة بحث أكاديمي حاول تطبيق تقنيات تحليل الخطاب أو تحليل أفعال الخطاب على خطب وكلمات الرئيسين السوري بشار الأسد والأميركي دونالد ترامب، والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

غير أن الإسهام الأهم للكتاب تتمثل في تقديم جرعة معرفية لازمة لقطاع التحليل السياسي في المنطقة، التي تشهد فيضاً خطابياً وكلامياً لا حدود له تقريباً، ولكن من دون أن يتضمن ذلك (الفيض الخطابي) أدنى حد من التراكم المعرفي في عالم السياسية.

 

 


التعليقات

 
}