"حروب قذرة" .. جيريمي سكاهيل يروي جرائم الولايات المتحدة

يجمع الصحافي والكاتب السياسي الأميركي جيريمي سكاهيل في كتابه "حروب قذرة .. ميدان المعركة: العالم" قصص جرائم الولايات المتحدة التي انتشرت من أفغانستان إلى العراق فاليمن والصومال. يكشف الكاتب كيف نفّذت واشنطن الكثير من "عمليات القتل الاستهدافية" من دون وجود أدلّة واضحة، وكيف أصبح مصير الكثير من الناس حول العالم معلّقاً، فقط، بإرادة شخص وحيد، هو القابع في البيت الأبيض.

 من خلال قصص عدة جمعها من بلدان عدة، يلقي الكاتب الأميركي جيريمي سكاهيل الضوء، من خلال كتابه على حروب الولايات المتحدة الأخيرة، وخاصة عمليّاتها السرية التي شنّتها في كل من أفغانستان والعراق واليمن والصومال.

الكتاب الذي يصفه الكاتب الأميركي العريق نعّوم تشومسكي بـ"تحقيقات صحافية مذهلة"، يروي كيف جعلت الإدارات الأميركية من بعض الفرق الخاصة في الجيش الأميركي، وبخاصة قيادة العمليات المشتركة ((JSOC، آلة قتل تتنقّل من بلد إلى آخر لتقتل من يتهمه سيّد البيت الأبيض ومعاونوه بالإرهاب وبتشكيل خطر على الولايات المتحدة الأميركية، من دون وجود أي دليل ملموس على مثل هذا الاتهام.

أخذت المواجهة بين العولقي والأف بي آي منحى أكثر جدية عندما علم مكتب التحقيقات أن اثنين من منفذي هجمات 11 أيلول/ سبتمبر تعوّدا أن يصلّيا في المسجد الذي يؤمّه العولقي في سان دييغو

وحين تطالب جهةٌ ما، شخصاً كانت أم منظمة حقوقية، بمعرفة الأسباب التي دفعت الرئيس الأميركي لاتخاذ قرار بقتل أحد المتّهمين من دون محاكمته، يكون جواب الإدارة الأميركية بسيطاً وسريعاً: هذه أسرار دولة لا نستطيع أن نكشفها!.

هكذا بات بإمكان أي رئيس أميركي، خاصة بعد عهد جورج دبليو بوش وباراك أوباما، أن يقرّر بنفسه من عليه أن يموت ومن يسمح له أن يبقى حيّاً، بحسب تشخيصه لتأثير كل إنسان على وجه الكرة الأرضية، على الأمن القومي الأميركي.

الكتاب مدعّم بكميّة كبيرة من المصادر التي يظهر اطلاعها على الأحداث بشكل جلّي، نظراً للمسؤوليات التي شغلتها. كل هذا دفع الصحافي الأميركي هايس ليقول "لم ينجح صحافي مثله في العالم بإظهار حقيقة الحرب ضد الإرهاب بعهد أوباما. هذا الكتاب إنجاز باهر لا بد من قراءته مهما تكن توجهاتك السياسية".


أنور العولقي .. مضايقات واغتيال من دون أي دليل

حدثت أولى مواجهات أنور مع مكتب التحقيقات الفدرالي FBI في العام 1999

من بين القصص التي يرويها سكاهيل في كتابه، هي قصة مواطن أميركي من أصل يمني، رجل دين اسمه أنور العولقي.

يحاول سكاهيل أن يجمع في كتابه أكبر قدر ممكن من المعلومات عن حياة العولقي، متوقّفاً عند كل محطة ظهر فيها تحوّل في حياة هذا الرجل، بسبب سياسة واشنطن التي تلاحق الأفراد والأمم على حد سواء. يقدم الكاتب هذه القصة كنموذج عن دفع السياسات الأميركية لبعض الناس ليصبحوا أقرب إلى فكر تنظيم القاعدة.

وُلد أنور العولقي على الأراضي الأميركي، لأب وأم يمنيَّيْن، ثم قرّر في بداية شبابه أن يتحوّل من دراسة الهندسة إلى التعمّق بدراسة الدين الإسلامي، حتى أصبح خطيباً في مسجد في دنفر في ولاية كولورادو، ثم في مسجد سان دييغو في ولاية كاليفورنيا وفي مسجد آخر في ولاية فرجينيا. وسرعان ما لفتت فصاحة العولقي الخطابية انتباه المصلّين في ذلك المسجد لتتعاظم شهرته بعدها بين الكثير من المسلمين في الولايات المتحدة.

"كتاب حروب قذرة" يروي كيف عمدت وكالة الاستخبارات الأميركية إلى دعم أمراء الحرب الفاسدين في الصومال، منذ تسعينيات القرن الماضي، مما عزز حالة الفوضى في ذاك البلد

حدثت أولى مواجهات أنور مع مكتب التحقيقات الفدرالي FBI في العام 1999، وذلك عندما أثار اهتمام المكتب بسبب اتصاله المزعوم بزياد خليل، وهو أحد المتعاونين مع "القاعدة"، الذي تعتقد الاستخبارات الأميركية أنه اشترى بطارية لهاتف زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الموصول بالأقمار الصناعية.

ثم أخذ الأمر منحى أكثر جدّية عندما علمت الأجهزة الأميركية أن اثنين من منفذي 11 أيلول/ سبتمبر 2001، خالد المحضار ونوّاف الحازمي تعوّدا أن يصلّيا في المسجد الذي يؤمّه أنور العولقي في سان دييغو.

هكذا اتهم المحققون الأميركيون في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر العولقي بأنه "المرشد الروحي" لبعض المتورّطين في تلك الهجمات.

ينقل سكاهيل في كتابه أن العولقي أدان بشكل صريح هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، متّهماً منفّذيها بتشويه الإسلام، لكن المضايقات والممارسات الظالمة التي عمدت إليها السلطات الأميركية بحق العرب والمسلمين في مناطق عدة، منها تلك التي تواجد فيها العولقي وخطب في مساجدها، بدأت تدفع الأخير إلى التعديل من طبيعة مواقفه ورأيه، فبعد أن كان يركّز على إدانة سلوك تنظيم القاعدة، صارت الممارسات الأميركية بحق المسلمين تأخذ حيّزاً متقدّماً من خطاباته، وخاصة بعد أن صار المصلّون خلفه في المسجد ومن تصلهم الأخبار عن فصاحة خطاباته يشكون إليه ما يتعرّضون له من مضايقات.

لكن العولقي نفسه لم يكن بعيداً هو نفسه عن تلك المضايقات، فالمحققون الباحثون عن أي إنجاز في تحقيقاتهم، والذين بدأوا بالتحرّي عن العولقي من خلفية اتهامه مسبقاً بأنه المرشد الروحي لمنفذي هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، حاولوا البحث عن أي دليلٍ لتوقيفه، وهو ما حصل مراراً وتكراراً في مطارات أميركية لفترات وجيزة. كما حاول المحققون أيضاً دفع العولقي، بالترهيب والترغيب، كما يروي سكاهيل، لكي يصبح عميلاً مزدوجاً يساعد المحققين الأميركيين على اختراق صفوف تنظيم القاعدة، لكن العولقي رفض التعاون تماماً.

هكذا استمرّت المضايقات والتهديدات تلاحق العولقي حتى قرّر العودة إلى اليمن، ليعمل في نشر الإسلام ويدرّس في الجامعات، لكنّه عاد حاملاً في صدره الكثير من الغضب على الولايات المتحدة، بعدما عجز عن تحقيق حلم والده بالحصول على شهادة دكتوراه من إحدى الجامعات الأميركية، وبعد أن ضاق ذرعاً ما لحق به وأبناء دينه من ممارسات على الأراضي الأميركية.

ومع عودته إلى اليمن، وجد العولقي شبكة الانترنت أفضل وسيلة ليستمرّ بنشر قناعاته، وهي الشبكة التي كان قد لجأ إليها كثيراً قبل أن يغادر الأراضي الأميركية وصار له متابعون كثر عبرها. وكانت قناعاته تلك قد باتت أكثر عدائية تجاه واشنطن وسياساتها، ووصلت إلى حد دعوة المسلمين إلى ترك الولايات المتحدة كي لا يكونوا جزءاً من هذه السياسات، كما رأى العولقي.

ومع هذه الآراء صارت الاستخبارات الأميركية تنظر إلى رجل الدين اليمني هذا كتهديد لأمنها، وكمحرّض يعمل على هز الاستقرار الداخلي للولايات المتحدة.

بتاريخ 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، حصل أمر أدى إلى ازدياد حدة المواجهة بين الاستخبارات الأميركية والعولقي. فقد دخل محلل نفسي شاب في الجيش الأميركي، وهو الرائد نضال مالك حسن - الذي كان قد أرسل سلسلة من رسائل البريد الإلكترونية إلى العولقي – إلى مركز إعداد الجنود Soldier Readiness في فورت هود في تكساس، ثم أطلق النار على رفاقه الجنود، مما أدى إلى مقتل 13 جنديّاً وجرح 43 آخرين. دافع العولقي لاحقاً عما قام به حسن، معتبراً أن ما قام به هذا الشاب هو نتيجة طبيعية لسياسات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بحق المسلمين.

كان حسن قد تلقّى عدداً قليلاً جدّاً من الردود من العولقي، بالرغم من أن عدد الرسائل التي أرسلها كان كبيراً. لكن الاتهامات التي ساقتها أجهزة استخبارات الولايات المتحدة بحق أنور العولقي بعد ذلك وصلت إلى حد وصفه بالرجل الأهم في تنظيم القاعدة بعد بن لادن، ثم اعتباره أمير هذا التنظيم، لكن من دون وجود أي دليل على الإطلاق على ضلوع العولقي بأي نشاط عملانيّ، أو أي شيء آخر غير الدعاية ونشر المدوّنات والتواصل مع بعض الناس عبر الانترنت.

نجحت وسائل الإعلام الأميركية، بناء على معلومات وتصريحات حصلت عليها من رموز الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، برسم صورة مبالغٍ فيها كثيراً بشأن التهديد الذي يشكله العولقي على الاستقرار الأميركي، وهو ما كان يخدم جهود إدارة أوباما لتبرير ملاحقة العولقي من أجل قتله.

وقبل أن تصل الطائرات من دون طيار الأميركية - وهي الوسيلة المفضلة لدى وكالة الاستخبارات الأميركية CIA والقيادة المشتركة للعمليات الخاصة - JSOC إلى هدفها وتقتل العولقي، كلّف والد أنور، ناصر العولقي، منظمة حقوقية أميركية كانت تحاول أن تكشف النقاب عن الأداء غير القانوني وغير الدستوري التي تمارسها إدارة أوباما من خلال عمليّات القتل الاستهدافي، فرفعت دعوى أمام القضاء الأميركي طالبة معرفة أسباب وضع اسم أنور العولقي على لائحة الاغتيالات الموافق عليها من قبل الرئيس، لكنها عجزت عن الحصول على أي دليل أو سبب خلف هذا الأمر، لأن الإدارة تذرّعت بحقها بعدم كشف أية معلومات تعتبرها أسراراً للدولة قد يُلحق كشفُها أضراراً بالأمن القومي الأميركي. لكن ذلك لم يمنع والد أنور، ناصر، من أن يرسل رسالة إلى أوباما جاء فيها "السيد باراك أوباما، آمل أن تعيد النظر في الأمر الذي أصدرته بقتل ولدي".

وفي النهاية تمكّنت وكالة الاستخبارات الأميركية من اغتيال العولقي في محافظة الجوف شمال العاصمة صنعاء، ولكن ليس بمفرده، بل كان بصحبة سمير خان، وهو فتى أميركي من أصل باكستاني، انتقل وهو في أولى سنيّ شبابه لينضمّ إلى تنظيم القاعدة في اليمن، لكن أي دليل لم يكن قد ظهر بعد على قيامه بأي نشاط عمليّ ضد الولايات المتحدة عندما تم قتله.

وينقل سكاهيل عن عائلة خان أن أحد مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية اتصل بالعائلة واعتذر عن الأمر، مشيراً إلى أن ابنها لم يكن مقصوداً في الغارة التي استهدفت العولقي.

لكن قصة العولقي المأساوية هذه لم تنته عند موته، بل استمرّت حتى كُتب فيها فصل جديد وأخير عندما أغارت طائرة أميركية من دون طيّار على أحد المنازل التابعة لقبيلة العولقي التي تعيش في محافظة شبوة اليمنية، فقتلت عبد الرحمن العولقي، الابن البكر لأنور العولقي، الذي كان قد ترك منزل جده سرّاً قبل أيام، متوجّهاً إلى شبوة من أجل البحث عن أبيه الذي لم يره منذ طفولته.

يشير سكاهيل إلى أن جد عبد الرحمن، ناصر العولقي، علم أن حفيده توجّه للبحث عن أبيه بعدما شجّعه على ذلك معلّمٌ في المدرسة التي كان يدرس فيها عبد الرحمن في صنعاء، وعندما بحث ناصر العولقي عن هذا المعلّم كان الرجل قد اختفى.

يحاول الكاتب من خلال الكشف عن هذه القصة، أن يشير إلى أن الأمر قد يكون لعبة استخبارية قامت بها الـ CIAأو JSOC من أجل تحويل عبد الرحمن طعماً يوصل إلى والده.

وكما يذكر سكاهيل، فإن المسؤولين الأميركيين والصحافة الأميركية د نشروا الكثير من الأكاذيب لتبرير مقتل عبد الرحمن، كانضمامه إلى تنظيم القاعدة بعد بلوغه الـ21 من العمر، الأمر الذي تنفيه شهادة ميلاد عبد الرحمن التي يظهر من خلالها أنه قُتل بعمر الـ16 عاماً.

محاولة تتبّع أثر أنور العولقي لم تكن من خلال ابنه فقط. يذكر سكاهيل أنه في يوم من الأيام طلب العولقي من أحد أصدقائه الموثوقين، الذي كان عميلاً لأحد الأجهزة الأوروبية، أن يعثر له على زوجة ثانية بعدما كان العولقي قد أرسل زوجته وابنه ليعيشا في صنعاء برعاية أبيه ناصر العولقي، كي يبعدهما عن المتاعب التي باتت تهيمن على حياته.

كانت خطة الـ CIAعندها، بعد أن أخبرها الجهاز الأوروبي بطلب العولقي، أن يتم العثور على هذه الزوجة وينقلها العميل إلى صديقه، بعد أن يدس في أغراضها شيئاً ما يساعد في تحديد مكانها عبر الأقمار الاصطناعية عندما تصل إلى زوجها الموعود.

تمكّن صديق العولقي من العثور على امرأة معجبة جداً بمن تتحيّن الـ CIAالفرصة لقتله، لكن خطة وكالة الاستخبارات المركزية فشلت. فحين وصلت تلك المرأة إلى صنعاء، وأتى من يصحبها إلى العولقي، طُلب منها أن تترك أغراضها حيث هي وألا تأخذ معها إلا بعض الحاجيات القليلة والضرورية جداً لها خلال الرحلة. فبقي جهاز الـ CIAالذي كان يُفترض أن يدل على مكان العولقي في صنعاء.


القتل الاستهدافي ينتشر في كل مكان

أدى قصف الطائرات من دون طيار الأميركية على قرية المعجّلة اليمني عن مقتل وجرح عشرات المدنيين

يضع جيرمي سكاهيل في كتابه أمام القارئ الكثير من القصص عن "عمليات قتل استهدافي" نفّذتها بشكل خاص قيادة العمليات المشتركةJSOC ، وهي الوحدة التي بدأ يتّسع نفوذها ودورها مع إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، ولاحقاً باراك أوباما، بقيادة ماك كريستال، ولاحقاً ماك رافين، وهو الذي كان على رأس هذه الوحدة عندما نُفّذت عملية اغتيال بن لادن في مدينة أبوت آباد الباكستانية.

من الجرائم الأميركية هذه، القصف الذي نفّذته الطائرات من دون طيار الأميركية على قرية المعجّلة اليمنية، مما أسفر عن مقتل وجرح العشرات من المدنيين. لكن تلك العملية لم تكن الوحيدة في اليمن، بل نفذت الـ CIAوJSOC العديد من العمليات المشابهة، حيث كانت السلطات اليمنية تدّعي أنها هي من قامت بها، وذلك حفاظاً على ماء الوجه على الصعيد الإعلامي، كي لا تظهر السيادة اليمنية ألعوبة بيد الأميركيين.

أما في أفغانستان، فقد أوصلت قيادة العمليات المشتركة الأميركية معلومات خاطئة إلى منزل أحد ضباط الشرطة الأفغانية، حين كانت العائلة تقيم احتفالاً لمولودها الجديد، لكن الاحتفال هذا انتهى بكارثة نفّذها جنود أميركيون بعد أطلقوا النار على العديد من الحاضرين، منهم نساء كنّ حوامل. وبعد أن عرف هؤلاء الجنود ما فعلوه، قاموا بطعن أجساد بعض النساء بالسكاكين لتعزيز ادعاء بأن ما حصل كان جريمة شرف في قضية عائلية، كما سحبوا الرصاصات من أجسادهنّ لإخفاء الدليل على جريمتهم.

"كتاب حروب قذرة" يروي كيف عمدت وكالة الاستخبارات الأميركية إلى دعم أمراء الحرب الفاسدين في الصومال، منذ تسعينيات القرن الماضي، مما عزز حالة الفوضى في ذاك البلد، الأمر الذي أدى إلى نشوء ما سُمَّيَ "اتحاد المحاكم الإسلامية" من أجل وضع حد لأمراء الحرب وممارساتهم.

من أبرز العلامات الفارقة للعلاقة المتوترة بين السي آي إي والآي أس آي الباكستانية هي قضية رايمود دافيس، الذي بادر إلى قتل عميلين باكستانيين لمجرّد أن حاولا إيقافه بعدما تبعاه بدرّاجتهما النارية

إلا أن مساهمة بعض العناصر ذي الميول "القاعدية" في نشاطات "اتحاد المحاكم" هذا، أدى إلى اعتبار الأميركيين أن كل من ينتمي إليه هو تابع للقاعدة. هكذا دفعت الولايات المتحدة بأثيوبيا إلى اجتياح الصومال، مما دفع هذا البلد إلى موجات عنف دامت سنوات طويلة، كان من أهم نتائجها استغلال "القاعدة"، أو "حركة الشباب" (مجموعة صومالية بايعت القاعدة) للنقمة الشعبية على الاحتلال الأثيوبي من أجل تعزيز نفوذها بين الشعب الصومالي، وإظهار نفسها كحركة مقاومة تريد تخليص الشعب من الاحتلال.

هذه النتيجة العكسية للجهود الأميركية لم تقف في الصومال، بل حصلت أيضاً في كل من أفغانستان واليمن، حيث أدت عمليات القصف العشوائية وقتل المدنيين إلى حالة غضب شعبي دفعت بالكثير من القبائل إلى التعاون مع حركة طالبان ومع تنظيم القاعدة من أجل قتال الجيش الأميركي. 


سرد مفصّل لعملية اغتيال بن لادن

يروي الكاتب كيف أن الأعصاب الحديدية لمارك رافين أدت إلى إبقاء العملية قيد التنفيذ وعدم التراجع عنها

يتضمّن كتاب "حروب قذرة"، معلومات دقيقة وجديدة عن عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في باكستان، منذ تحديد مكان سكنه في مجمع سكني في منطقة أبوت آباد كان قريباً من إحدى المنشآت العسكرية الباكستانية، بعد تتبّع أحد معاوني بن لادن الذي كان يتردد إليه، حتى تنفيذ العملية التي دامت حوالى 40 دقيقة فجر 2 أيار/ مايو.

يروي الكاتب بالتفصيل كل المشاهد المرتبطة بالعملية، من رؤية تحديد طائرات الاستطلاع الأميركية لظلّ رجل يمشي تحت ساتر بلاستيكي في باحة المجمع السكني، إلى المروحية التي كادت أن تسقط بشكل كارثي عند الهبوط بالقرب من المجمع السكني حيث يسكن بن لادن، إلى البيت الأبيض حيث تسمّر أوباما وفريق عمله في غرفة ضيّقة غير مخصصة للإشراف على مثل هذه العمليّات.

يروي الكاتب كيف أن الأعصاب الحديدية لمارك رافين، وثقته برجاله وبتدريباتهم، عندما كادت تلك المروحية أن تسقط، أدت إلى إبقاء العملية قيد التنفيذ وعدم التراجع عنها.

بلاكووتر، إنترناشيونال أرمورد، هارت سكيوريتي، باكروفت .. كلها شركات أمنية تعاونت مع الجيش الأميركي في مهمات عديدة

شكّلت تلك العملية، بحسب ما ينقل سكاهيل، وبالرغم من ادعاءات المسؤولين الرسميين الباكستانيين بأنّ ما حصل تم بالتعاون والتنسيق معهم، إلى ضرب العلاقة بقوة بين الـ CIA ووكالة الاستخبارات الداخلية الباكستانية، وهي العلاقة التي كان يخيّم عليها التوتّر أصلاً بعدما نفذت الطائرات الأميركية من دون طيّار، ومن دون علم الباكستانيين، غارات لاستهداف بعض من وُضعت أسماؤهم على لائحة الاغتيال الأميركية.

من أبرز العلامات الفارقة لهذه العلاقة المتوترة هذه التي يرصدها الكتاب، هي قضية رايموند دافيس، الذي بادر إلى قتل عميلين للاستخبارات الداخلية الباكستانيةISI  لمجرّد أن حاولا إيقافه بعدما تبعاه بدرّاجهتما النارية.

حاول دافيس أن يقول إنه دبلوماسي يتمتّع بحصانة، وهو الغطاء الذي استخدمه الكثير من رجال الـ CIAللعمل بحرية وأمان أكبر في الكثير من البلدان، ومنها باكستان. لكن المعلومات التي توافرت لدى الكاتب جيريمي سكاهيل عززت ما قيل عن أن دافيس كان متعاقداً مع الـ CIA، وأن الرجلين اللذين حاولا إيقافه فعلا ذلك بأمرٍ من الاستخبارات الباكستانية لإرسال رسالة إلى الـ CIAأن عملاءها مكشوفون، وذلك نتيجة للعلاقات المتوترة بين الطرفين. فحين تم إيقاف دافيس الذي عجز عن الهرب بعدما قتل عنصرَيْ للاستخبارات الداخلية الباكستانية، عُثر في سيارته على أجهزة اتصالات متطورة، لا يمكن أن تدخل في نطاق عمل أي دبلوماسي.

لكن في نهاية المطاف، انتهت هذه القضية التي بلغت أعلى المستويات في البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس، من خلال وساطة قادتها سلطنة عمان بين الباكستانيين والأميركيين، حيث أجبرت الأجهزة الباكستانية أهالي الضحايا (العنصرين اللذين قتلهما دافس وشخص آخر قُتل عندما حاول فريق من عملاء الـ CIAإنقاذ دافيس وفشل في مهمته) على إسقاط الدعاوى المرفوعة ضد دافيس، مقابل ديّة سددتها الحكومة الأميركية.


شركات المرتزقة

يلقي سكاهيل الضوء في كتابه على العديد من الشركات الأمنية التي نفّذت السياسات الأميركية في بلدان عدة

يلقي سكاهيل الضوء في كتابه، وهو أيضاً مؤلّف لكتاب عن شركة "بلاكووترز" الأمنية التي تجنّد مرتزقة من حول العالم، على العديد من الشركات الأمنية التي نفّذت السياسات الأميركية في بلدان عدة. فدور ضباط وعناصر وحدات النخبة في الجيش الأميركي لا ينتهي بعد تقاعدهم على ما يبدو، بل ينتقل هؤلاء للعمل في شركات تتعاون مع الجيش الأميركي من أجل تنفيذ اغتيالات والتحقيق مع متّهمين.

بلاكووتر، بقيادة إريك برنس، هي الشركة الأبرز في هذا الإطار، بالإضافة إلى ساراسين، إكزكيوتيف أوتكومز، AECOM، OSPREA ، لوجستكس، إنترناشيونال أرمورد، هارت سكيوريتي، باكروفت .. كلها شركات أمنية تعاونت مع الجيش الأميركي في مهمات عديدة، وخاصة في الصومال، حيث درّبت قوات الأمن الصومالية ونالت حصة من العقود لحماية السفن التجارية التي تتعرّض للقرصنة في بحر هذا البلد.


خلاصة

قضى أوباما على الكثير من القيم التي يُفترض أن يحميها الدستور الأميركي

يخلص كتاب "حروب قذرة" إلى نتيجة مفادها أن الرئيس باراك أوباما أطلق فعليّاً حرباً قد تكون أبدية، وفتح المجال أمام خلفائه من أسياد البيت الأبيض لإطلاق سياسات "قتل استهدافي" قد تكون أوسع من سياسات من سبقوهم. يشدّد الكتاب على أن عمليّات "القتل الاستهدافي" هذه، التي لا تخضع لرقابة أية جهة في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ الأميركي، أو حتى القضاء، مزّقت الكثير من القيم التي يُفترض على الدستور الأميركي حمايتها، وذلك على يد خبير دستوري، هو باراك أوباما.